تجاوز عدد قتلى الإبادة الجماعية في غزة 40.000 فلسطيني، هذا ما أعلنته وزارة الصحة بغزة يوم الخميس، واهتم الإعلام الغربي بالرقم والتقديرات وإن بتحفظاته المعروفة، كون وزارة الصحة في غزة تديرها حركة حماس التي لا تزال تسيطر على غزة أو ما تبقى منها.
وسبب اهتمام الإعلام الغربي الذي طالما شكك بأرقام وروايات الفلسطينيين عن الحرب وتبنى بوعي أو بدون وعي الرواية الإسرائيلية، إما خوفا أو جزءا من الرقابة الذاتية أن الرقم يعلم مرحلة قاتمة وجديدة في الحرب. فالحصيلة هذه قاتمة في حد ذاتها حالكة، وإن كانت تشير في نطاقها المدهش إلى الدمار في غزة، أي الأضرار القابلة للقياس التي أطلق القصف الإسرائيلي المتواصل للقطاع العنان لها، والحجم غير القابل للقياس من البؤس والمعاناة الذي يعيشه السكان الجائعون، الذين يكافحون من أجل الأمان في غزة التي لا توجد الآن منطقة آمنة فيها.
بين الموثوقية والتشكيك
وتناولت صحيفة «واشنطن بوست» (16/8/2024) إحصائية وزارة الصحة، حيث قال كاتب المقال إيشان ثارور، إن إسرائيل وأنصارها رفضوا أرقام الوزارة، باعتبارها مبالغ فيها، مع أن المنظمات الحقوقية المعروفة عالميا ترى أن الأرقام الفلسطينية أقل من العدد الحقيقي. وطالما أكد المسؤولون الإسرائيليون بمن فيهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو أن الأرقام والإحصائيات تتضمن عدد ما قتلته القوات الإسرائيلية من مقاتلي حماس. وظلت إسرائيل تقول إنها قتلت 14.000 مقاتل من حماس والجماعات الفلسطينية المقاتلة في غزة، مع أن وكالات الولايات المتحدة الإستخباراتية لديها تحفظات على الرقم، ولديها وسائلها في تحديد أعداد ما قتل من مقاتلي حماس في الحرب الحالية، لكن المخابرات الأمريكية لم تكشف عن الرقم التقديري للمقاتلين الذين سقطوا ولم تقدم إسرائيل أدلة تدعم أرقامها.
فحتى لو كان الرقم صحيحا فهو أقل من نصف الحصيلة. واللافت أن إسرائيل قامت برفع أرقامها عن قتلى حماس يوم الخميس إلى 17 ألف مسلح، وكالعادة بدون توضيح للكيفية التي توصل فيها إلى الرقم الجديد. ورغم تشكيك الرئيس الأمريكي، جو بايدن وبعض المتحدثين باسم إدارته بأرقام وزارة الصحة إلا أن أرقامها وبياناتها كانت محلا للثقة من وزارة الخارجية في الحروب السابقة التي مرت على غزة، واعتبرتها الأمم المتحدة أرقاما موثوقة إلى حد كبير. كما ولم يجد الباحثون الذين نشروا تقارير وتحليلات في مجلة «لانسيت» الطبية البريطانية المحترمة أي دليل على أي سجل حافل بالأرقام المبالغ فيها من قبل السلطات الصحية في غزة. بل، على العكس قالت المجلة إن الخسائر الحقيقية في غزة أعلى من ذلك بكثير من الارقام الحالية. وفي تموز/يوليو، أشاروا إلى مقتل ما يصل إلى 186.000 فلسطيني في غزة، أي محو ما يقرب من عشر السكان في الصراع الحالي، مشيرين إلى أن آلاف الجثث التي لا تزال عالقة تحت الأنقاض إلى جانب الوفيات الناجمة عن سوء التغذية والأمراض التي تضرب المنطقة. وكانت سببا للحصار ومنع وصول الأدوية الضرورية والمواد الغذائية الضرورية للنجاة في مناخ قاتل تعيشه غزة اليوم.
ويرى مايكل سباغات، أستاذ الاقتصاد في رويال هولوي، جامعة لندن والذي يدرس الخسائر في الصراعات المسلحة: «إن المعلومات التي لدينا عن هذا الصراع [غزة] هي أفضل كثيرا من كل الصراعات البارزة الأخيرة على الأرجح» مشيرا إلى الأرقام المتداولة في الحروب الجارية في أوكرانيا وإثيوبيا وسوريا والسودان.
وتحمل الأرقام الأخيرة دلالات مهمة عن الحرب من ناحية الطريقة الوحشية التي أدارت فيها إسرائيل حربها ضد الفلسطينيين في غزة وليس فقط حماس، والدور الأمريكي في القتل، لأن القتلى، ومعظمهم من الأطفال والنساء والكبار في السن قتلوا بأسلحة أمريكية، وآخر المجازر، تلك التي ارتكبت بمدرسة التابعين بحي الدرج نهاية الأسبوع الماضي. والمفارقة ان الجميع شجب المجزرة إلا ألمانيا التي اعتبرتها جزءا من دفاع إسرائيل عن نفسها، متقبلة الرواية الإسرائيلية أن ما قتلتهم هو مقاتلون من حماس، وليس جثثا متفحمة لأطفال ونساء نزحوا إلى المدرسة بعدما أخرجتهم القوات الإسرائيلية من بيوتهم في أوامر أخلاء أصبحت الآن تتغير كل ساعة ودقيقة.
وهم النصر
أما الدلالة الأخرى للرقم، فهي فشل إسرائيل في الوصول إلى «النصر الكامل» وتعطي المشادات بين نتنياهو ووزير دفاعه يواف غالانت صورة عن الفشل الإستراتيجي الإسرائيلي في غزة، حيث تواصل إسرائيل هناك سياسة العقاب الجماعي للسكان وملاحقتهم في كل مكان. وما يثير في البحث الإسرائيلي عن مواصلة الدمار في غزة، باسم تفكيك حماس وحرمانها من قدراتها العسكرية والسياسية، ما توصلت إليه أجهزة المخابرات الأمريكية، وهو أن إسرائيل وصلت إلى أقصى نقطة في ملاحقة حماس، التي تبدو حسب تقديراتها ضعيفة، ولم تعد تمثل التهديد الذي مثلته قبل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولن تستطيع تنفيذ هجمات على شاكلتها. ورأت التقديرات الإستخباراتية الأمريكية أن إسرائيل لن تقضي تماما على حماس، فهي ستنجو من الحملة وقد تخرج قوية سياسيا. وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» (14/8/2024) إن مسؤولين أمريكيين حذروا إسرائيل من أن استمرار القصف يزيد من مخاطر سقوط مزيد من الضحايا المدنيين بدون أي إمكانية لإضعاف الحركة أكثر. ويعتقدون أن الحملة الإسرائيلية أضرت بحركة حماس وأكثر مما توقع الأمريكيون منذ بداية الحرب في تشرين الأول/أكتوبر. وقالوا أنجزت عددا من الأهداف ضد حماس، تدمير بنى وقتل قادة وإغلاق طرق إمدادات لكنها لم تحقق واحدا من أهم أهداف الحرب الرئيسية وهو إطلاق سراح 115 محتجزا إسرائيليا لدى حماس، ولا يمكن تحقيقه بالطرق العسكرية.
وتقول الصحيفة أن إدارة بايدن نشرت مسؤوليها في المنطقة من مدير المخابرات ويليام بيرنز لمسؤول الشرق الأوسط في البيت الأبيض بريت ماكغيرك وعاموس هوكشتاين، المبعوث الأمريكي إلى لبنان، وسيزور انطوني بلينكن، وزير الخارجية إسرائيل يوم الأحد لدفع المحادثات الجارية في العاصمة القطرية الدوحة بشأن وقف إطلاق النار والتي لم تشارك فيها حماس. وكل هؤلاء جاءوا برسالة واحدة وهي أن إسرائيل لا تستطيع تحقيق المزيد من حملتها العسكرية.
منطقة على الحافة
ويأتي الاهتمام الأمريكي بصفقة وقف إطلاق النار التي طالما أفشل نتنياهو محاولات التوصل إليها، في ظل التوتر الذي يخيم على المنطقة وتهديدات حزب الله في لبنان وإيران بتوجيه ضربات انتقامية بعد اغتيال إسرائيل رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية في طهران، والقائد العسكري لحزب الله فؤاد شكر في بيروت الشهر الماضي. وقد جيشت إدارة بايدن بوارجها الحربية ونقلتها إلى المنطقة وأقرت وزارة الخارجية 20 مليار دولار أمريكي كمساعدات لإسرائيل إلى جانب 14 مليار دولار أقرها الكونغرس قبل عدة أشهر. وتعهدت الإدارة بالدفاع عن إسرائيل في تصريحات ومكالمات هاتفية وزيارات لقائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط. ولردع إيران وحزب الله، أرسلت إليها رسائل عامة علنية وخاصة من خلال الوسطاء العرب والأوروبيين حيث ذكروا إيران وحزب الله بالتداعيات، وجرى تذكير حزب الله بالتهديد الإسرائيلي وضرورة ألا يكرر أخطاء عام 2006 وهي آخر حرب خاضها الحزب مع إسرائيل.
ويؤمن بايدن بالتهديد المرفق بالدبلوماسية، لكن استراتيجيته لم تفض إلى نهاية للحرب في غزة ولا منع انتشارها بالمنطقة، فالولايات المتحدة تدفع ثمنا ماليا باهظا جراء ترددها بالضغط على نتنياهو وحكومته المتطرفة.
وفي هذا السياق رأت دانا سترول المسؤولة السابقة عن الشرق الأوسط في البنتاغون في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (15/8/2024) إن إدارة بايدن استخدمت سلسلة من التدابير على مدى الأشهر العشرة الماضية، تتراوح من الدبلوماسية إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي إلى استخدام القوة العسكرية المميتة. وحتى الآن، تمكنت من منع العديد من الصراعات منخفضة المستوى من التحول إلى حرب تقليدية كاملة النطاق تخاطر بمواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. ولكن منذ الهجوم الإيراني غير المسبوق على إسرائيل في نيسان/أبريل – وسلسلة من التطورات الخطيرة منذ ذلك الحين – تغير المشهد بشكل حاد. ولكن ربما لا تكون خطة بايدن كافية هذه المرة. فقد شكل هجوم إيران تغييرا حاسما في استراتيجيتها الإقليمية ــ وأمن الشرق الأوسط. ومع الضربة الإسرائيلية اللاحقة في عمق الأراضي الإيرانية، بدأ السيناريو الأمريكي لمنع الهجمات بين الدول يتآكل. وتقول إن منع الحرب بين الدول في الشرق الأوسط هو مشروع مختلف تماما عما كان عليه قبل خمسة أشهر. رغم أن الكاتبة ركزت في تحليلها على صحة الرد الأمريكي على الأزمة وضرورة تكييفه، ومنع إيران باعتبارها تهديد من الرد. إلا أن فريد زكريا في «واشنطن بوست» (16/8/2024) أشار إلى فشل الولايات المتحدة بالتعامل مع إيران وما تمثله بالتهديد، وهو فشل لا يتحمل بايدن وحده المسؤولية عنه بل ويعود إلى باراك أوباما ودونالد ترامب وسياسته أقصى ضغط. وكان يمكن لبايدن أن يغير المسار لو تعامل بموضوعية وواقعية مع إيران دون خوف من الجمهوريين.
وبات كل أمل بايدن اليوم لمنع إيران من توسيع الحرب برد على إسرائيل هو تحقيق صفقة إطلاق النار في غزة. وقال بايدن إن إيران قد لا ترد لو تحققت الصفقة في الدوحة. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» (16/8/2024) عن مقرب من حزب الله، أن هذا لن يشن هجوما أثناء المفاوضات، حتى لا يتحمل مسؤولية عرقلتها. لكن حماس كما أورد موقع «ميدل إيست آي» (16/8/2024) أكدت على رفضها التفاوض على خطة غير التي وافقت عليها في السابق وليس التعديلات الراغب فريق نتنياهو بإضافتها إلى الإتفاقية والتي تؤكد على بقاء القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفيا وتفتيش العائدين إلى الشمال، وهي بنود كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» (13/8/2024). ورغم تأكيد بايدن لإيران ومحورها على ثمن أي هجوم ضد إسرائيل، إلا أنه فشل حسب ماكس بوت في «واشنطن بوست» (16/8/2024) ما أسماه الكاتب بامتحان «الخطر الأخلاقي» وهو وضع يقوم به طرف بالتسبب بضرر مع معرفته بأن طرفا آخر سيأتي ويصحح اخطاءه. وهذا هو موقف نتنياهو بأنه يستطيع التهور لمعرفته أن الجيش الأمريكي سيأتي ويحمي إسرائيل من تداعيات أعماله، حتى في غياب معاهدة دفاع مشترك بين أمريكا وإسرائيل.
ويعتقد الكاتب أن «الخطر الأخلاقي» خلقه قرار بايدن غير المسبوق والمفهوم باستخدام القوة العسكرية الأمريكية لأول مرة دفاعا عن إسرائيل. ورغم حالة الإحباط الأمريكي من نتنياهو إلا أن بايدن يواصل تسليحه. وعلى نتنياهو الاستمتاع الآن بالرحلة السهلة مع بايدن او ترامب حالة فوزه، لكن الرأي العام الأمريكي الذي أصبحت مواقفه سلبية نوعا من إسرائيل لن يغفر لنتنياهو لو جر الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران.
الضفة تحترق
ويرتبط بارتفاع عدد ضحايا غزة والمحادثات أنها تجري وسط تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. فقد هاجموا قرية جيت قرب قلقيلية وأحرقوا المنازل وقتلوا شخصا واحدا على الأقل في غارة وقحة. وسارع نتنياهو إلى إدانة الحادث، مع أن الحادث يعكس عنف المستوطنين الذين شجعهم هو وحلفاؤه من اليمين في حكومته. وزادت حملات الإستيلاء على أراضي الفلسطينيين مع التصعيد المستمر في غزة. وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» (15/8/2024) ذكرت فيه أن الحكومة الإسرائيلية «وافقت على الاستيلاء الاستراتيجي على الأراضي، ما يقرب من 6000 فدان هذا العام وحده – وبناء المستوطنات الكبرى، وتصعيد هدم الممتلكات الفلسطينية وزيادة دعم الدولة للبؤر الاستيطانية المبنية بشكل غير قانوني». وبنفس السياق، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» (16/8/2024) تقريرا قالت فيه إن الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يقوم وبهدوء بإجراءات لضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، وجعل المستوطنات خاضعة للقوانين المدنية في إسرائيل. وفي حزيران/يونيو تسرب تسجيل صوتي في لقاء له مع قادة المستوطنين، وكشفت عنه في حينه صحيفة «نيويورك تايمز» قال فيه إن الضم يجب أن يتم بدون إثارة انتباه الرأي العام العالمي. ويؤكد سموتريتش أن هدف حياته هو منع قيام دولة فلسطينية. والإستيطان بات سلاحه، ويستخدم صلاحياته بوزارة الدفاع إلى جانب المالية لتعزيز الإستيطان. وأعلن يوم الأربعاء عن بناء مستوطنة جديدة في أراضي بلدة بتير قرب بيت لحم، التي اعتبرتها منظمة اليونسكو عام 2014 من ضمن التراث العالمي. ويأتي التحرك في محاولة من المستوطنين لقطع المدن والبلدات الفلسطينية عن القدس الشرقية، بشكل يمنع من تحولها يوما ما إلى عاصمة للدولة الفلسطينية. وقال سمورتيش يوم الأربعاء «سنواصل مقاومة الفكرة الخطيرة عن الدولة الفلسطينية وخلق حقائق على الأرض». وأصبح يسيطر وبشكل فعلي على السياسة في الضفة الغربية، وهو يستخدم صلاحياته وبشكل واسع لإعادة تشكيل الضفة الغربية. ومنذ دخوله الحكومة زادت عمليات مصادرة الأراضي وإصدار التراخيص لبناء كتل استيطانية غير شرعية في الضفة الغربية، حسب الفلسطينيين والمنظمات الرقابية الإسرائيلية. وكوزير للمالية وجه سموتريتش مئات الملايين من الدولارات من أموال دافعي الضريبة لتحديث البنى التحتية في الأراضي المحتلة. واستبدال المؤسسات العسكرية داخل وزارة الدفاع والتي تشرف على المناطق المحتلة بمدنيين لهم خبرة في التعامل مع أمور كالمياه وشق الطرق وتصاريح البناء. وقال سموتريتش واصفا خططه للضفة الغربية «الهدف هو تغيير الحمض النووي للنظام ولسنوات طويلة قادمة». وقال إن الهدف النهائي هو ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقتل إمكانية قيام الدولة الفلسطينية وتجنب اثارة الإنتباه الدولي. وتقول الصحيفة إن التغييرات التي يعمل عليها وينفذها الوزير المتطرف تعبد الطريق أمام السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية في كل شيء ما عدا الإسم وهي تغييرات راسخة في سياسة الحكومة ولا يتابعها معظم الناس. وفي ظل سموتريتش خصصت الميزانية الإسرائيلية لعام 2024 حوالي 960 مليون دولارا، أو 25% من ميزانية وزارة النقل المخصصة للطرق من أجل تحسين شبكة طرق في الضفة الغربية.
لا تعاطف
ولم يلفت عنف المستوطنين انتباه الحكومات الغربية والأمريكية التي أخذت في الفترة الأخيرة بفرض عقوبات وشجب لما يقومون به، مع أنها غضت الطرف ولعقود عن انتشار حركة الإستيطان المتطرفة. والناظر لما يقومون به، وبخاصة اقتحامات الأقصى المتكررة التي تجري برعاية وزير الأمن، إيتمار بن غفير تعطي صورة عن مجتمع يحكمه المتطرفون. ومن راقب كلمة مبعوث إسرائيل في الأمم المتحدة أثناء جلسة لمناقشة مجزرة التابعين، يرى المدى الذي وصلت إليه إسرائيل من عمى القوة والغطرسة وأنها تعتقد بصحة ما تفعله وأخلاقيته، حتى لو جاء عن طريق الإبادة الجماعية. وقد لاحظ الجندي السابق والباحث بالإبادة بجامعة براون، عومير بارتوف التحولات المتطرفة في داخل إسرائيل بمقال طويل نشرته «الغارديان» (13/8/2024)، وملخص الفكرة التي قدمها الباحث هي أن أن الرأي العام الإسرائيلي اعتاد منذ فترة طويلة على الاحتلال الوحشي الذي ميّز البلاد منذ 57 عاما من أصل 76 عاما من وجودها. ولكن حجم ما يرتكب في غزة الآن على يد الجيش الإسرائيلي لم يسبق له مثيل، كما لم يسبق له مثيل في اللامبالاة التامة لمعظم الإسرائيليين لما يتم باسمهم. والمقال هو خلاصة زيارة له إلى إسرائيل حيث سافر معتقدا أن بأنه لم يعد من الممكن إنكار أن إسرائيل متورطة في جرائم حرب ممنهجة وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية على الأقل منذ الهجوم الذي شنه الجيش الإسرائيلي على رفح في 6 أيار/مايو 2024. وأشار إلى أن الهدف النهائي لهذه العملية برمتها منذ البداية هو جعل قطاع غزة بأكمله غير صالح للسكن، وإضعاف سكانه إلى درجة تجعلهم إما أن ينقرضوا أو يبحثوا عن كل الخيارات الممكنة للفرار من القطاع. وقال إن إسرائيل التي لم يزرها منذ عام 2023 بدت بلدا مختلفا، مع أنه ولد فيه وخدم في جيشه. ورأى إلى جانب الغضب الذي يسود المجتمع الإسرائيلي بسبب هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، عجزا تاما للتعاطف مع سكان غزة، ويبدو أن الأغلبية لا ترغب حتى في معرفة ما يحدث في غزة. وتنعكس هذه الرغبة في التغطية التلفزيونية التي يندر فيها الحديث عن قتلى الفلسطينيين. وقال إن الإسرائيليين احتجوا عام 1982 على مذبحة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها الميليشيات المسيحية المارونية بتسهيل من إسرائيل. أما اليوم فهذا النوع من الردود لا يمكن تصوره. وكان الانطباع الذي خرج به واحدا: لا مكان في قلوبنا، ولا مكان في أفكارنا ولا نريد أن نتحدث أو أن نظهر ما يفعله جنودنا وأبناؤنا وأحفادنا وإخواننا وأخواتنا الآن في غزة. يجب أن نركز على أنفسنا وعلى صدمتنا وخوفنا وغضبنا. وتركيز الجميع هو أن تنتصر قضيتنا مهما كان الثمن. ويتم استحضار الهولوكوست مع أنه غير مرتبط باللحظة الراهنة. وأشار إلى اللغة المهينة التي استخدمها الساسة لقتل وإبادة شعب من خلال منطق الضحية، يجب علينا أن نقتلهم قبل أن يقتلونا، كما فعلوا من قبل – ولا شيء يقوي العنف أكثر من الشعور المبرر بالضحية. ومنح الجنود أنفسهم رخصة للتدمير العشوائي بناء على مقارنة زائفة بين حماس والنازيين. وهو متشائم جدا، وليس وحيدا، فقد كشفت غزة عن التصدعات في داخل إسرائيل وانهيار «الديمقراطية» أمام سلطة التطرف بحيث باتت تقودها نحو الهلاك، كما شرح مقال آخر مهم نشرته مجلة «فورين أفيرز» (12/8/2024).