قلقيلية ـ «القدس العربي»: يعاين الدكتور إبراهيم السدة، صاحب أحد المنازل المحترقة في قرية جيت شرق مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية الحرائق التي اشتعلت في منزله، ويسرد شارحا عمق الواقع الذي عاشته عائلته الصغيرة وضيوفه: «لو دخلت النار إلى المنزل لحدثت كارثة، كنا حوالي 18 شخصا محاصرين في الداخل». ويتابع: «بعد الهجوم السريع والمباغت لعشرات المستوطنين على القرية تقسمت العائلة عفويا إلى قسمين، الأول صعد على السطح من أجل مواجهة المستوطنين المعتدين ومشاغلتهم، فيما توجه القسم الثاني لإطفاء حرائق السيارات على مدخل المنزل».
وبعد توجيه نداء استغاثة متأخر تدافعت القرية إلى المنطقة التي يقع فيها منزل الدكتور السدة، وعندها بدأ الجزء الثاني من الهجوم من خلال الرصاص الحي، فما كان من الأهالي إلا أن تفرقوا. يقول السدة: «الناس تفرقوا.. لا يمكنهم أن يقفوا أمام السلاح والرصاص، لم يكن معنا أسلحة، لدينا فقط رحمة الله رب العالمين».
بذات السياق، يوثق فيديو كاميرا مراقبة منزلية جانبا من المواجهة بين مجموعة صغيرة من الشبان وقطعان من المستوطنين الملثمين، حيث يظهر محاولة شاب التصدي لما يقرب من 10 مستوطنين من دون أن يمتلك أي أداة مقاومة.
ويظهر الفيديو شابا يحمل حجرا كبيرا ويضرب به الأرض من أجل الحصول على حجارة يضرب بها المستوطنين المهاجمين.
الشاب حسن عرمان، ابن القرية، كان أحد هؤلاء، وهو يؤكد على مسألة أن المستوطنين المهاجمين كانوا منظمين يقول: «لقد هجموا بسرعة خيالية، كانوا يرتدون لباسا أسود، وأقنعة سوداء، كانوا منظمين حيث هجموا دفعة واحدة، خلال دقائق».
يكمل عرمان: «كنا أربعة شبان مقابل نحو 100 مستوطن يحملون السلاح والعصي وغاز الفلفل وأدوات اشعال الحرائق، وزعنا حالنا من أجل المواجهة، لقد واجهت ما يقرب من عشرة مستوطنين خارج المنزل، بين كر وفر».
ويضيف: «عندما دخلوا المنزل هجمت عليهم كي لا يدخلوا إلى داخل الغرف حيث كان هناك أطفال، فتكاثروا علي وضربوني بالعصي ورشوا على غاز الفلفل».
يكمل عرمان: «أثناء الانسحاب حرقوا منزلا آخر قريب، فيما كانت مواجهة كبيرة في الحارة المجاورة».
وعن الفرق بين الهجمة الأخيرة والهجمات السابقة يشدد عرمان: «هذا نوع جديد من الهجمات المنظمة، لم نكن نتوقع أن يحدث هذا النوع من الهجمات وبهذه الطريقة، ما اعتدنا عليه هو أن يأتي المستوطن على أطراف القرية، يضرب ويهرب، لكن البارحة كانوا منظمين ومخططين للقتل، وفعلا قدمت القرية أحد أبنائها شهيدا، فيما كانت هناك إصابة خطرة، وعشرات الإصابات بالعصي والحجارة والغاز».
ويختم: «الجيش لم نره إطلاقا، بعد ساعة وأكثر حتى وصل للمكان».
ويظهر مشهد فيديو مصدره كاميرا مراقبة منزلية دخول المستوطنين إلى داخل أحد المنازل ومن ثم يقومون برش سائل ومن ثم يشعلون النار في المنزل ويهربون».
بشاعة ما حدث في جيت دفعت بالفلسطينيين إلى استحضار فجائع إحراق الفتى محمد أبو خضير في العام 2014 وإحراق عائلة دوابشة في العام 2015 إلى جانب عشرات محاولات الحرق الممتدة بطول الضفة الغربية وتحديدا في المناطق القريبة من المستوطنات.
وتقع قرية جِيْت على تلة صغيرة، فيما يقطعها شارع رئيسي يعتبر ممرا لسيارات المستوطنين، وهي تقع في منطقة تحمل التصنيف «ج» أي سيطرة إدارية وأمنية إسرائيلية، كما يحيطها مجموعة من المستوطنات وأبرزها «كدوميم». وبلغ عدد سكانها حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حوالي 2.405 نسمة حسب التعداد العام للسكان الذي أجري عام 2017.
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، وثّق المجلس القروي مصادرة آلاف الدونمات من أراضي القرية، بالإضافة لحرق قرابة 500 شجرة زيتون في القرية.
وحسب معطيات فلسطينية فقد أدت هجمات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية إلى استشهاد بفعل 21 فلسطينيا بفعل هجمات مباشرة من المستوطنين، و18 فلسطينيا خلال اعتداءات المستوطنين.
فلسفة الحرائق
وتعكس تصريحات رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير مؤيد شعبان فهما لاتجاه المستوطنين في هجماتهم من خلال الحرائق حيث قال: «تنويعات جرائم المستوطنين أخذت الحرائق أبرز أشكالها، في إمعان واضح على استعادة وإعادة إنتاج سلوك إرهاب الدولة الرسمي بترويع الآمنين وتخريب ممتلكاتهم بهدف إحداث عملية واسعة من التهجير القسري وحصر الوجود الفلسطيني في كانتونات معزولة ومحاصرة».
وبين شعبان، أن إشعال الحرائق كآلية ثابتة ومتصاعدة تتسبب بأضرار بالغة، تمعن دولة الاحتلال بانتهاجها ورعايتها لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها وسيلة للإرهاب وترويع الآمنين ومحاولة فاشية لتكبيد المواطنين خسائر فادحة تمسّ النمط الاجتماعي والاقتصادي للفلسطينيين.
وحذراً من إمعان الجهات المختلفة في دولة الاحتلال في تكرار هذه الحرائق في قرى وبلدات ومدن فلسطينية بغطاء الحرب وقوانين الطوارئ هذه الأيام.
كما وتعكس الهجمات، حسب الوزير شعبان، حجم الصلاحيات الممنوحة للجماعات الإرهابية التي تتلقى دعماً رسمياً يتمثل بالتمويل والحماية والحصانة لا يمكن النظر لها إلا في كونها تشكل تحدياً صارخاً للموقف والشرائع الدولية التي تدين المشروع الاستيطاني الاستعماري والمؤسسة الرسمية في دولة الاحتلال التي ترعاه وتتغذى على تمدده في الأرض الفلسطينية.
ويختم: «الجرائم بالحرائق لا تنفك تدلل على فاشية المركبات الفكرية التي تتكئ عليها جماعات المستوطنين، هذه الجماعات لم تغادر هذه العقلية ولم تتوقف عن محاولات إحراق الفلسطينيين أحياء أمام مرأى ومسمع العالم كله».
وجاء في بيان هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن جيش الاحتلال والمستعمرون قاموا بإشعال 273 حريقاً استهدف أراضي المواطنين وممتلكاتهم بعد السابع من أكتوبر.
وأظهر البيان تركز الحرائق في محافظات نابلس بـ 120 حريقاً، ثم رام الله بـ 42 حريقاً وجنين بـ 26 حريقاً. وتنوعت هذه الحرائق ما بين 77 حريقاً طالت أراضي وحقول ومزروعات المواطنين، في حين استهدفت 196 حريقاً ممتلكات المواطنين، من شقق سكنية ومبانٍ وسيارات وغيرها.
لا تحول حقيقيا
المختلف في هجمات المستوطنين على جيت مقارنة مع هجمات سابقة على حوارة والمغير وترمسعيا..الخ هو مسارعة العديد من قادة دولة الاحتلال إلى انتقاد هجوم المستوطنين. لقد علق مكتب رئيس حكومة الاحتلال على الهجوم الإرهابي، بأن نتنياهو «يأخذ على محمل الجد أعمال الشغب التي وقعت في قرية جيت».
وأضاف مكتب نتنياهو: «أن من يحارب الإرهاب هو الجيش وقوات الأمن، وليس أي أحد آخر. وسيتم القبض على المسؤولين عن أي عمل إجرامي ومحاكمتهم».
أما رئيس معسكر الدولة بيني غانتس فقال: «ثلة من الخارجين عن القانون ارتكبوا أعمال عنف اليوم في بلدة جيت يجب أن يكونوا وراء القضبان. إنهم يضرون بالأخلاق الإنسانية والقيم اليهودية. إنهم يؤذون دولة إسرائيل. إنهم ليسوا جزءا من موطني المستوطنات الملتزمين بالقانون، ويستحقون إدانة حادة من جميع شرائح المجتمع والقيادة الإسرائيلية».
وهو ما وصفته فصائل فلسطينية «محاولة لذر الرماد في العيون وامتصاص الانتقاد والإدانة الدولية الخجولة التي بدأت بعض الدول بما فيها الغربية بإصدارها».
وحسب الجبهة الديمقراطية فإن المسارعة لانتقاد رئيس وزراء العدو ووزير دفاعه وغيرهم، لن تحجب حقيقة أن هكذا هجوم كبير ومخطط لم يكن له أن يتم بدون معرفة ومشاركة اجهزة الأمن الإسرائيلية والمستوى السياسي.
المحلل السياسي للشأن الإسرائيلي عصمت منصور عقب على سؤال الموقف الرسمي الإسرائيلي المفاجئ، حيث قال إنه لا يمكن القول إن هناك «تحول حقيقي».
ورأى منصور أن الاعتداء على جيت جاء دون أي سبب حقيقي مثلما كان يحدث سابقا في هجمات المستوطنين التي كانت تأت من أجل الانتقام، بل جاءت هذه المرة بمبادرة وهو ما جعله يظهر بهذه الخطورة ويلاقي هذا الاستنكار الرسمي المعلن، حيث كان من الصعب تبريره.
وخلص منصور: «بالنسبة لنا هذه بروڤة للنكبة القادمة ومستقبل الضفة».
أما الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة فرأي محاولة رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي التنصل من جريمة المستوطنين في قرية جيت وإدانتها والتعهد بمحاسبة مرتكبيها بمثابة «رسالة زائفة للمجتمع الدولي وبأنه ضد عنف المستوطنين، وفي محاولة منه للتأثير على محكمة الجنايات الدولية بعدم إصدار أوامر اعتقال ضده وضد وزير حربه غالانت».
وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية فإن جهاز المخابرات الشاباك وجيش الاحتلال الإسرائيلي حذرا منذ أشهر من تفاقم الوضع الأمني نتيجة تراخي الشرطة في الضفة الغربية، حيث تحول الإرهاب اليهودي من عمليات فردية إلى مجموعات منسقة تضم عشرات الناشطين اليهود، الذين يتم تنظيمهم وتنفيذ الهجمات بشكل منسق. وكشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تفاصيل التحقيق الأمني الأولي المتعلق بالهجوم على قرية جيت، ووفقًا للتحقيق، فقد تواجد جنود الاحتياط إلى جانب المستوطنين خلال الهجوم العنيف دون أن يتخذوا أيّ إجراءات لوقف الاعتداءات.
وشهد الهجوم مشاركة عشرات المستوطنين الملثمين، معظمهم من بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية ومستوطنات أخرى مثل شيلو. واستخدم المستوطنون سيارات لنقلهم إلى القرية، حيث أحرقوا المركبات وخربوا الممتلكات واعتدوا على السكان، وأظهر تشريح الشهيد أن الرصاصة اخترقت جسده.
وفقًا للتحقيق، وصل جنود الاحتياط، الذين يعتقد أنهم من قيادة الجبهة الداخلية، إلى القرية بعد بدء الهجوم. وقد وصف مسؤول أمني كبير أنهم وقفوا إلى جانب المعتدين دون أن يتدخلوا، حتى عندما أطلق أفراد وحدة الطوارئ النار، أفادوا أنهم أطلقوا النار في الهواء فقط. وتم العثور على رصاص فارغ من أنواع مختلفة في موقع الحادث.
وتعكس هجمات المستوطنين ونجاحهم في تنفيذها وإيقاع الخسائر في صفوف الفلسطينيين أن القرى الفلسطينية القريبة من المستوطنات أصبحت مكشوفة الظهر أمام اعتداءات المستوطنين بالضفة فيما «لجان الحماية» التي أعلن عن تشكليها بحاجة إلى حماية، فهي لجانٌ بلا أدوات، ولا دعم، ولا خطط عمل واضحة، فالفلسطينيون يواجهون الهجمات وفق عقلية الفزعة وبصدور عارية وليس أدل ما كشفته الفيديوهات المنزلية بعد الهجوم الحارق على «جيت».
والمؤكد أن الفلسطينيين يرون أن هجوم المستوطنين على جيت، وعربدتهم وإحراق عشرات المنازل والمحال والسيارات وإطلاق النار على المواطنين العزّل بإنه جزء من سياق عام جزء من حرب الإبادة التي تشنها دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وهي ترجمة لدعوات العديد من الوزراء وآخرهم وزير خارجية الاحتلال يسرلئيل كاتس الذي طالب بإبادة وتهجير سكان مخيم جنين، وقبلها دعوة سموتيريش لمحو حوارة، وقيام وزير الأمن القومي المتطرف ايتمار بن غفير بتسليح مليشيات المستوطنين، ومشاركة الجيش للمستوطنين في كل الاعتداءات التي قاموا بها بشهادة ما تنشره الصحافة العبرية، أما رد الفعل الفلسطيني على ذلك فلا يخرج عن المألوف أبدا.