بات واضحا أن الجهد الذي يبذل من سلطات الدولة ـ بإيجابياته وسلبياته ـ ضاعف من المعاناة وتجاوز قدرة الناس على التحمل، وضاعت الإيجابيات؛ الناجمة عن قوة العلاقات العربية والإقليمية، وعن الانفراجات في العلاقات الدولية، وما نتج عنها من إفشال إدخال مصر في أتون الفوضى والاقتتال الأهلي، والمصريون كالعادة يضربون المثل في الصبر والتحمل، وتخيم على ما تعارفنا على تسميته بالكتل الاجتماعية الكبرى؛ تخيم عليها كوابيس السقوط من حساب الدولة.. وكنا قد حصرنا هذه الكتل في قطاعات المنتجين؛ فلاحين وعمال وفنيين وإداريين وحرفيين بالأساس، وفي مرتبة تالية يأتي المهنيون والخبراء والأكاديميون والتجار وأصحاب المحلات والورش، ونعرفهم بصغار الكسبة؛ فضلا عن الشباب العاطل.
وأنا مع الذين يؤكدون على محدودية فهم سلطات الدولة وأجهزتها لظاهرة الصبر والتحمل ومنهم من يتصورها استسلاما ويأسا أو خنوعا وخوفا، ومعنى ذلك أن هؤلاء على غير تعمق في معرفة هذه الظواهر، وإذا ما فاجأتهم التطورات يزدادون ارتباكا، ويلجأون إلى النفاق بأعلى درجاته والمزايدة بكل صورها، ويعتمدون عليها للاختباء خلفها، وتحقيق ما يريدون؛ والاستمرار في نفس المواقع.. والحفاظ على نفس المكاسب وقد يضيفون إليها.. ومع زوال الخطر يستأسدون ويستديرون على قوى التغيير فيشوهونها ويتآمرون عليها.. ويمارسون أعمالا أشبه بإعمال خفافيش الظلام.. ولا يتعلمون، ويدمنون تكرار الأخطاء والخطايا، دون قدرة على المراجعة أو التصحيح!.
سر التحمل والصبر يكمن في قدر «الوعي الكامن» والتراث المختزن في العقل الجمعي (الباطن).. ويخرج من مكمنه مع كل حراك وطني وجماهيري؛ كما حدث بعد 25 يناير 2011 وما زال في اندفاعه، بجانب ما يعتمل في النفس من خبرة حاضرة تتابع ما جرى للصومال والعراق والسودان من تقسيم واقتتال أهلي، وترى ما في ليبيا وسوريا ولبنان، والمصريون يتذرعون بالصبر والتحمل؛ تفاديا للسقوط في هاوية الصراع المذهبي والاقتتال الطائفي، وحرصا على الدولة ومنحها فرصة للتعافي والصمود والقدرة على حماية وحدة الوطن وسلامة أراضيه، ولا يقتصر هذا الوعي على من خرجوا إلى الشوارع من أكثر من أربع سنوات بل شمل دوائر أوسع أُطلق عليها اسما عبقريا هو «حزب الكنبة»، وهم في حقيقتهم «خلايا الشعب الصامتة»، التي لم تُقدر حق قدرها، وهمشها «دستور موسى» وأسقطها من حسابه، وتحملها الحكومة فوق طاقتها، برفع الدعم عن الطاقة، ورفع أسعار المواد والسلع الغذائية، وتخفيف الضرائب عن الأثرياء، وتدليلهم أيما تدليل.
وتتفاقم التفرقة لدرجة كبيرة؛ بين مواطن غير مصنف في سلم المواطنة؛ أي ليس من الدرجة الثانية أو الثالثة؛ أمام كائن متميز «مواطن سوبر» وفرت له الدولة كل فرص الحصول على الامتيازات والأموال والمكاسب، وتحرم المواطن من حقه الطبيعي والمشروع في حياة كريمة ومستقرة.. وكونت الحكومة مع القلة من «المواطنين السوبر» تحالفا لا يرحم ولا يترك الناس لرحمة الله. وحسمت الحكومة أمرها بتأكيدها في كل لحظة انحيازها لأصحاب مال وأعمال ومقاولين وسماسرة ومضاربين ولصوص أراض؛ انحازت لهم الحكومة بإداراتها وأجهزتها السيادية وغير السيادة، وفرضت على المواطن غير المصنف أن يتحمل وحده عبء المرحلة؛ من قوته واستقراره ومستقبل أبنائه، وذلك التحالف يعيش انتعاشا لم يعشه من قبل في أزهى عصور النهب؛ في العقود الأربعة الماضية. وهذا أوجد فراغا حكوميا يعاني منه المجتمع، وبدلا من أن تتحول الحكومة إلى منظومة خدمة فضلت أن تبقى سلطة جباية وضبط وربط، فحاذت على أكبر قدر من السخط والازدراء!.
عرفت فترات الحروب قلة جشعة تتاجر في الدم والموت والأعراض تلبية لاحتياجات الحروب، وعرفوا بـ»أغنياء الحرب»، ونحن في حقبة شبيهة يبرز فيها «أثرياء السلاح والدم»، وشكلوا تحالفا مصابا بسعار المال وتخمة المناصب والألقاب والامتيازات، ويعتمد على كل ما هو معروف وغير معروف من صور التمييز والتفرقة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والقانونية، وهو تحالف تخصص في بيع الأوهام، وامتهن الكلام، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.. وكأن ما جمع من مال يلقى في بئر بلا قاع.. ولو سأل أحد أين ذهب وفيما صُرف.. تصوب إليه قذائف الإعلام المنحاز، وهي نفسها التي أسقطت مبارك ثم مرسي من بعده.
وكي لا يكون كلامنا مرسلا نقول إن الفقه السياسي المعاصر تعارف على أن بناء الدولة الحديثة، يعتمد على تراث مستخلص في غالبيته من إنجازت الغرب الفكرية والفلسفية والعلمية والسياسية؛ وهو فقه يقول بسلطات ثلاث تحكم وتتحكم في الدولة؛ سلطات مستقلة وليست منفصلة.. متوازية غير متقاطعة.. متكاملة من غير تنافر.. متعاونة في غير تضاد.. منسجمة بدون تناقض.. الأولى سلطة تنفيذية.. والثانية تشريعية.. والثالثة قضائية. والدولة المصرية تعتمد على هذا الفقه؛ في هذه المرحلة، وتبني نفسها على سلطتين؛ تنفيذية وقضائية.. والسلطة التشريعية غابت وأضيفت وظيفتها مؤقتا إلى رئيس الدولة بنص الدستور؛ وكل سلطة لها وظائف ومهام، ولها آليتها في البناء والتكوين. فسلطة التشريع تأتي بالإنتخاب، وتعبر عن الكتل والقوى الاجتماعية الأكبر عددا والأكثر إنتاجا، وهي كتل وقوى همشها الدستور الحالي، وذكرنا ذلك بالتفصيل في مقال سابق ونحن نتحدث عن «دستور موسى».
السلطة التنفيذية تُختار ولا تنتخب، وذلك يتم تعويضه في الديمقراطيات الغربية بوجود حكومات وإدارات محلية منتخبة، وتُعين الحكومة المركزية من بين أعضاء البرلمان في الحزب الفائز بالأغلبية.. وإن لم يحصل حزب على الأغلبية البرلمانية يتآلف حزبان أو أكثر فتتشكل منهم حكومة ائتلافية.. وفي مصر، فهذا الوضع غير قائم.. وقد يقوم بعد الإنتخابات التشريعية المنتظرة.. رغم ما يشوبها من عوار دستوري يقوم على سلب الحقوق القانونية والمكتسبة للقوى والكتل الاجتماعية الكبرى.
كان الحكم السابق على ثورة يناير 2011 يعتمد على موظفين (بيروقراط) وفنيين (تكنوقراط)؛ على أن يلحقوا بالحزب الحاكم بعد تعيينهم في الوزارة، وغالبيتها الكاسحة كانت لا تعرف ألف باء السياسة ولا أصول الحكم، ولم تفهم في غير اقتناص الفرص والعمل من أجل المصلحة الشخصية وجمع الثروة والوجاهة الاجتماعية.. وصفتهم الغالبة افتقاد الخيال السياسي، وعدم الحماس للخدمة العامة.. وعرَّف يوسف والي نائب رئيس الوزراء وأمين عام الحزب الوطني المنحل الأسبق الحكومة بأنها مجرد «سكرتارية عند الرئيس»، وجاء ذلك في معرض رده على المحققين لتحديد مسؤوليته عن استيراد الأسمدة المسرطنة من تل أبيب، ودوره في تدمير الزراعة وفي إفساد مساعديه. وحال مصر بعد أكثر من أربع سنوات من الصراع الدامي بين الدولة والجماعات والفرق المذهبية والطائفية لم يتغير كثيرا!.
والفراغ الحكومي زاد من تعقيد الأوضاع، بسبب عمل كل سلطة من سلطات الدولة منفردة، وكأنها وحدها مسؤولة عن الدولة. وكما تعرضنا كثيرا للسلطة التنفيذية وما فيها من انحياز وعجز وعوار.. نعرج على السلطة القضائية.. وكنا نحسن الظن بها لمواقفها المشهودة قبل ثورة يناير، وبات ذلك مفتقدا الآن، بصدور أحكام البراءة على عائلة مبارك وبطانتها وشركائها والعاملين لحسابها، وتتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية في ظلم شباب الثورة؛ ممن لم يمارسوا عنفا أو تخريبا وإرهابا.. وأقصى ما يمكن أن نصف به ما حدث منهم لا يتعدى المخالفة أو الجنحة، التي تستوجب إطلاق السراح بضمان السكن أو العمل أو بالضمان المالي.. أما مساواتهم بالجناة والمجرمين بدا متعمدا وانتقاما واضحا لصالح الفلول وانتصارا مؤكدا للثورة المضادة.
أقول هذا وأنا أعلم أن مسؤولية القبض والحبس والاحتجاز حاليا من مسؤوليات السلطة القضائية وليست من مسؤولية أجهزة الأمن، وتتم بقرارات النيابة العامة.. انتهى زمن الاعتقال البوليسي العشوائي المفتوح، ومرفق العدالة يتحمل المسؤولية كاملة عن المضايقات والتعذيب، وكل ما يقع على المحتجز سواء ثبتت براءته أو إدانته.
هذه أدران أصابت مرفق العدالة، الذي يملك بنص الدستور والقانون حق معالجتها من داخله.. وللموضوع عودة.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب