فورين بوليسي: هل تستطيع إسرائيل فعلاً ردع حزب الله وتأليب اللبنانيين ضده؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
2

لندن – “القدس العربي”:

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا أعدته أنشال فوهرا تساءلت فيه عن قدرة إسرائيل على ردع حزب الله في لبنان.

وأشارت إلى أن الوضع على الخط الأزرق الفاصل بين الحدود اللبنانية وإسرائيل متقلب، ومهما كان الخطاب المتبادل بين حزب الله وإيران وإسرائيل إلا أن القلق من حرب جديدة بين حزب الله وإسرائيل يتزايد.

والحكمة التقليدية تقول إن أي مواجهة بسيطة على الحدود قد تتحول إلى حرب شاملة. ولأول مرة منذ وقت طويل فالخوف من الحرب بات ملموسا. ويقوم اللبنانيون بتخزين المواد الغذائية وملء مركباتهم بالوقود وشراء حفاضات الأطفال بكميات كبيرة. ووضعت بعض الدول الغربية قواتها في حالة تأهب من أجل القيام بعمليات إجلاء لرعاياها ودعت دول أخرى رعاياها لمغادرة لبنان قبل أن تتوقف الرحلات الجوية إلى لبنان.

 وشهد مطار رفيق الحريري، المطار الدولي الوحيد في البلد وقصفته إسرائيل في عام 2006، حالة من الفوضى عندما اخترقت المقاتلات الإسرائيلية جدار الصوت وهشمت النوافذ في وقت حلقت فيه مسيرات برسالة صوتية تدعو سكان بنت جبيل للانقلاب على حزب الله.

ويتفق كل اللبنانيين على أن احتمال الحرب مع إسرائيل بات أعلى من عام 2006، ولو كان هدف إسرائيل ردع حزب الله وللأبد، فالحرب قد لا تكون الإستراتيجية الأفضل.

احتمال الحرب مع إسرائيل بات أعلى من عام 2006، ولو كان هدف إسرائيل ردع حزب الله وللأبد، فالحرب قد لا تكون الإستراتيجية الأفضل

 وربما ناقش البعض أن الوضع القائم قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ربما كان أحسن سيناريو لإسرائيل. فقد ظلت الحدود هادئة منذ عام 2006، وفي الوقت نفسه فالمعارضة تتزايد داخل لبنان ضد حزب الله، وتحالفه مع إيران الذي أغضب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فالسعوديون هم من كبار المستثمرين في لبنان، كما أن انفجار مرفأ بيروت أغضب الرأي العام.

ومن الإستراتيجيات التي يفكر بها الإسرائيليون حاليا هي تحديد القتال في المناطق التي يهمين عليها الحزب في جنوب لبنان، الضاحية الجنوبية لبيروت وسهل البقاع. وسيؤدي هذا إلى تعطيل اقتصاد لبنان المنهار بالفعل. ولكن الهدف الاستراتيجي الرئيسي لهذا هو دفع أنصار الحزب الشيعة إلى مناطق أخرى من البلاد التي تعيش فيها الطوائف الأخرى وبالتالي زيادة التوترات الاجتماعية.

ويعتقد الإسرائيليون أن هذا من شأنه أن يردع حزب الله محليا. ونقلت الكاتبة عن عيران ليرمان، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق قوله: “أشعر بالقلق بشأن الشيعة. هناك الكثير من الناس لديهم حسابات لتسويتها مع حزب الله منذ انفجار بيروت أو منذ عمليات قتل السنة في الحرب السورية”. وقال إن الإسرائيليين ليس لديهم أي شيء ضد اللبنانيين، وحتى لو اندلعت حرب شاملة فلن تحاول إسرائيل ضرب البنى التحتية للبنان أو ملاحقة الناس الذين يعملون على الأرض، في إشارة للاعبين المعادين لحزب الله في البلد.

ومع خسارة العملة اللبنانية معظم قيمتها وبعد انفجار ميناء بيروت الذي خلف دمارا واسعا وقتل فيه 200 شخص، زادت المعارضة لحزب الله، ولكن لا توجد هناك نسب واضحة، كما أن بعض المحللين ليسوا متأكدين من الطريقة التي سيرد فيها اللبنانيون على الحرب مع العدو الإسرائيلي.

وربما نجحت استراتيجية إسرائيل في التعويل على المعارضة المحلية، وقد لا تنجح حالة احتشد اللبنانيون خلف الحزب في تضامن وطني. لكن العامل الوحيد الذي سيمنع اللبنانيين غير المنحازين للثورة على الحزب هي حقيقة أنه مسلح حتى أسنانه ولديه جيش من الأنصار الملتزمين. فخلال احتجاجات بيروت وجد عدد من اللبنانيين الشجاعة لوضع اسم زعيم الحزب، حسن نصر الله على قائمة الزعماء اللبنانيين التي أدانوا فيها سياسيين آخرين لكونهم غير فعالين ومذنبين. ورد حزب الله دون تردد حيث قام مئات من أنصاره الشباب بمسيرات بالدراجات في وسط المدينة لإظهار القوة ونقل رسالة عما يمكن أن يندلع في الشوارع إذا شعر حزب الله بالتهديد.

 وتعتبر القوات اللبنانية التي كانت ميليشيا مرة من أكبر أعداء الحزب السياسيين في لبنان، ولا تزال الخصم السياسي الرئيسي لحزب الله في لبنان، وهي تتحرك بحذر. واستبعد جورج عقيص، وهو عضو في البرلمان اللبناني اندلاع حرب أهلية. وقال: “حزب الله وحده هو المسلح. ولا توجد حرب بين أطراف غير متكافئة”.

وهذا لا يعني أن كل اللبنانيين يدعمون حزب الله، لكنهم لا يستطيعونه مواجهة الحزب. ولو أرادت إسرائيل خلق الظروف المناسبة لتدمير الحزب على يد اللبنانيين، فعليها التفكير بما ستفعله بأسلحة حزب الله وأنصاره وكيف يمكن أن تتجنب المبالغة في الرد بطريقة لا تؤدي حملتها لنتائج عكسية، فهذه مهمة صعبة. ففي أوقات الحرب، من الصعب أن تتجمع كل القطع في مكانها الصحيح حتى تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها. ذلك أن حزب الله ليس مجرد جماعة مكونة من عدة آلاف من المقاتلين، فهو جزء من مجتمع يرى الحزب حاميا له ويثق بزعيمه حسن نصر الله. ويحظى الحزب بدعم غالبية شيعة لبنان وربما وقف معه آخرون لو شاهدوا غزوا إسرائيليا شاملا للبنان.

لا يدعم كل اللبنانيين حزب الله، لكنهم لا يستطيعونه مواجهة الحزب. ولو أرادت إسرائيل خلق الظروف المناسبة لتدمير الحزب على يد اللبنانيين، فعليها التفكير بما ستفعله بأسلحة حزب الله وأنصاره

ويقول المحلل السياسي اللبناني سامي نادر “عارض السنة حزب الله عندما قاتل إلى جانب بشار الأسد الذي كان يقتل الثوار السنة، لكنهم يدعمون حزب الله الذي يساعد حماس الآن، وهي حركة سنية، وغزة وهي سنية”.

وفي الوقت الذي يناقش فيه محللون أن حزب الله لديه ما بين 20,000 -100,000 مقاتل كما يزعم حسن نصر الله إلا أن الحزب لديه أنصار موزعون في كل أنحاء لبنان. كما أن شبكة الدعم والجواسيس التابعة له متشعبة وقوية وتعمل بسرية. ومعظم عناصر الحزب يمارسون حياتهم العادية ولديهم أعمال يومية وملتزمون بالعمل العسكري عندما يستدعون إليه وهم حريصون على إخفاء هوياتهم.

ولأن من الصعب تحديد هوية مقاتلي حزب الله، فلن تعرف إسرائيل كيف تميزهم عن المدنيين حتى لو غزت لبنان.

وتقول إنها اكتشفت هذا، عندما تلقت في عام 2020 معلومات عن موقع أسلحة لحزب الله، ووجدت نفسها في قرية شيعية عند الحدود مع سوريا وكانت الجدران مغطاة بصور مقاتلي حزب الله الذين سقطوا في الصراع السوري، وملصقات آيات الله الإيرانيين، وقاسم سليماني – زعيم فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الذي اغتيل في بغداد في ضربة أمريكية.

 وكانت قرية بسيطة ذات منازل من الخرسانة وفيها متاجر تبيع الدقيق والسكر والحلوى. وعندما توقفت لأخذ قسط من الراحة وانخرطت فيما اعتقدت أنها محادثة عادية مع أحد المزارعين المحليين، بدا وكأنه يحقق معها. وبعدما سمح لها بالمضي، لاحقتها سيارة ومنعت تحركها. ونظر إليها السائق الذي كان يرتدي زيا أصفر متسخا ويعتمر قبعة، نظرة فاحصة وسألها عن هويتها وطلب رؤية جوازها قبل السماح لها بمواصلة السير. لكن المغامرة لم تنته هنا، فبعد يومين، تلقت مكالمة من المباحث اللبنانية العامة تدعوها للتحقيق.

وبعد ساعات من التحقيق أخلي سبيلها مع تحذير بعدم التجول كثيرا. وكان ذلك مؤشرا على مدى عمق شبكة دعم حزب الله في لبنان، وكيف يقيم مقاتلوه بين المدنيين ويعملون تحت غطاء أجهزة الدولة.

ولو قررت إسرائيل قصف مناطق حزب الله فسيؤدي هذا لسقوط ضحايا كثر ولن تتمكن من السيطرة على المناطق إلا حالة احتلال لبنان، مما سيؤدي إلى حرب طويلة، على الأرجح، وتضرب عميقا داخل إسرائيل.

 وتعلق الكاتبة أن حزب الله ليس مجموعة من الناس يرتدون الزي العسكري ويحملون البنادق ولكنه مجتمع يسكن القرى والأحياء والمدن. فهل ستلجأ إسرائيل إلى القضاء على شعوب بأكملها لهزيمة خصمها؟ وهل سيجلب لها ذلك الأمان أم سيطيل أمد الصراع؟

وتشير الكاتبة إلى ما قاله الجنرال اللبناني السابق إلياس فرحات: إسرائيل قوية من ناحية القدرات العسكرية والجيش التقليدي إلا أن حزب الله “سيلجأ إلى الحرب غير المتكافئة”. وأضاف: “إنه ينشر وحداته في مخابئ وأنفاق وكهوف بدون علامات”، في إشارة إلى أن إسرائيل لن تعرف من هو العدو. وقال إن “إن الغزو الكامل يسمح لحزب الله بالتسبب في أضرار جسيمة في قلب إسرائيل بين تل أبيب وحيفا والقدس… ولا نستبعد تقدم حزب الله في الجليل”.

ومن جانبه قال ليرمان إن إسرائيل تفهم الثمن، لكن إن لم يتراجع حزب الله، أي وقف هجمات والتراجع إلى خط الليطاني بحسب قرار الأمم المتحدة 1701، فستجبر إسرائيل على القيام بعملية عسكرية. ويجد الإسرائيليون أنفسهم في موقف حرج، فبإمكانهم إضعاف حزب الله إذا هاجموه، ولكنهم لا يستطيعون هزيمته بشكل نهائي. ومن ناحية أخرى، فإصرار حزب الله على البقاء على الخط الأزرق وإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل يشكل مصدرا دائما للتوتر والقلق بين الإسرائيليين. وحتى الآن اتسم رد حزب الله بضبط رد فعله، وهذا بسبب إدراكه جزئيا أن إسرائيل تمتلك قوة عسكرية أكبر، مع أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو أن الشعب اللبناني لا يريد الحرب. فقد قال إن الجماعة لا تريد “حربا شاملة” وإنها لن تغزو شمال إسرائيل إلا “في سياق حرب تفرض على لبنان”.

وحتى حزب الله يحتاج إلى بعض الشرعية للعمل في لبنان والبقاء في السلطة وهو ما يعتبر الجائزة الكبرى لكل من حزب الله وإيران راعيته. ومع ذلك واصل الحزب رده المضبوط وأكد أنه سيواصل ضرب إسرائيل طالما لم تتوقف الحرب في غزة. وهناك سبيل واحد للخروج من هذا المأزق وهو السياسة: أي حل المسألة الفلسطينية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية