المخطوفون الستة الذين تم تخليص جثثهم وإعادتهم إلى إسرائيل في عملية مشتركة للجيش و”الشاباك” في خان يونس، كانوا على قيد الحياة حتى شباط على الأقل. ظروف موتهم غير واضحة حتى الآن. يبدو أن بعضهم قتل في عمليات قصف الجيش الإسرائيلي في معارك القطاع، وربما آخرون قتلوا على يد آسريهم من حماس. المنظمة الإرهابية التي اختطفتهم أحياء أثناء قتل أصدقائهم وأبناء عائلاتهم في كيبوتس “نير عوز” وكيبوتس “نيريم”، هي التي تتحمل ذنب موتهم. ولكن حماس ليست المسؤولة الوحيدة عن ذلك.
في كانون الثاني 2023 تراجعت حماس في اللحظة الأخيرة عن الاتفاق مع إسرائيل بخصوص اليوم الأخير في صفقة التبادل الأولى. فبدلاً من إعادة المزيد من النساء، بينهن فتيات اختطفن في حفلة “نوفا” كما تعهدت، فقد طلبت تغيير الشروط وإعادة عدد من المخطوفين كبار السن، الذين أعيدت جثث بعضهم أمس، إضافة إلى جثث أخرى. رفضت قيادة إسرائيل ذلك في حينه خوفاً من فقدان فرصة إعادة الفتيات. فشلت المفاوضات، ومنذ ذلك الحين لم تتم إعادة المزيد من المخطوفات من خلال اتفاق. القرار الذي اتخذ في حينه ما زال مختلفاً عليه حتى الآن في المستوى السياسي والمستوى الأمني.
لكنا لم الفرصة الوحيدة التي تم تفويتها؛ فمنذ بداية السنة الحالية كانت هناك محاولات كثيرة لدول الوساطة من أجل التوصل إلى صفقة. وإن رفض رئيس الحكومة نتنياهو، ساهم في فشل المفاوضات إضافة إلى إسهام حماس. مات 14 مخطوفاً على الأقل في أسر حماس منذ الصفقة السابقة وحتى الآن. ومن غير الغريب أن عائلات المخطوفين لا تظهر الآن أي اعتراف خاص بفضل نتنياهو، بل العكس؛ إلى جانب شكر جهاز الأمن فقد انتقد أبناء عائلات القتلى رئيس الحكومة بشدة، واتهموه بالتخلي عن أبنائهم مرتين: مرة عند اختطافهم في 7 تشرين الأول، ومرة عندما ماتوا في الأسر في الأشهر التي أعقبت عملية الاختطاف.
يبدو أن عائلات بلدات الغلاف فقدت صبرها على مناورات وألاعيب وتبريرات أعضاء الائتلاف، الذين نشر الكثير منهم أمس بيانات مشاركة في الحزن في أماكن قضاء إجازاتهم في الخارج. ظهر الخط المتشدد أيضاً في بيان حازم من كيبوتس “نيريم” الذي رفض أعضاؤه استخدامهم كزينة قسرية للاحتفال بالذكرى السنوية المخطط لها للمذبحة، الذي تقوده الوزيرة ميري ريغف، وهي من النجوم البارزة في جوقة نتنياهو في السنوات التي أدت إلى الكارثة. بعد بضع ساعات، علم أبناء الكيبوتس بوجود جثتين لأصدقائهم من بين الجثث الستة التي أعيدت.
دبلوماسية القط الميت
ليست هناك طريقة لطمس ذلك: إعادة جثث مخطوفين من خلال عملية عسكرية هي النتيجة المفضلة للحكومة. هذه النتيجة لا ترتبط بأي تنازلات، والمخطوفون الأموات لا يمكنهم رواية ما حدث لهم في الأسر، وكيف تخلت الدولة عنهم منذ المذبحة. لا يرى نتنياهو مشكلة في تعريض حياة جنود الجيش للخطر، بموافقة من كبار القادة في المنظومة العسكرية من أجل إعادة جثث لدفنها في إسرائيل. في المقابل، يبدو أنه غير مستعد للمخاطرة بوضعه السياسي في صفقة تجبره على إطلاق سراح حشد من السجناء الفلسطينيين والانسحاب بسرعة من معظم المناطق التي يسيطر عليها الجيش في القطاع.
في الفترة الأخيرة، تسرب من مقربيه رسائل متناقضة إلى وسائل الإعلام، رسالة كل بضع ساعات. ثمة نشرات أخبار بدأت بضجة كبيرة حول صفقة في القريب، وقدم لمراسلين سياسيين إحاطات بأن نتنياهو قد وجد طريقة لإبقاء شركائه في الائتلاف واليمين المتطرف رغم نيته التوصل إلى الاتفاق. في المقابل، تسربت تفاصيل حول طلبات مستحيلة قدمتها حماس.
هذه القصة انتهت، كما يبدو، بالأقوال التي نشرت بعد اللقاء ظهر أمس، مع “منتدى البطولة” و”منتدى الأمل”، وهي تنظيمات يمينية لعائلات ثكلى وآباء بعض المخطوفين التي شجعها مكتب رئيس الحكومة منذ اليوم الأول للحرب بهدف التشويش على نشاطات الاحتجاج ضد سياسته. صمم نتنياهو في هذا اللقاء عندما قال “لن نتنازل عن السيطرة على محور فيلادلفيا على الحدود مع مصر، وعن ممر نتساريم، وسنعود للقتال في كل الحالات بعد 42 يوماً عند انتهاء المرحلة الأولى للصفقة”. ظهرت هذه الأقوال وكأنها عملية تصفية مركزة أخرى متعمدة لجهود دول الوساطة من أجل التوصل إلى اتفاق. نتنياهو في الحقيقة يلمح لرئيس حماس يحيى السنوار بأنه “خسارة على الوقت، لن تكون هنا صفقة”.
حماس من ناحيتها لم ترد بشكل رسمي حتى الآن على الاقتراح الأمريكي المحدث، ولكنها عارضته بذريعة (ذريعة ليست بدون ثقل) أن الولايات المتحدة أظهرت المرونة لصالح طلبات إسرائيل في المفاوضات. ربما لا يريد السنوار التقدم الآن، حيث فرصة لشن إيران وحزب الله هجوم انتقام ضد إسرائيل، وبذلك يقربون الشرق الأوسط من الحرب الإقليمية، كما أمل عندما خطط لهجومه الإرهابي ضد بلدات الغلاف. وزير الخارجية الأمريكي، الذي غادر أمس إلى مصر، أعطى الخاتم بالقول إن إسرائيل وافقت على اقتراح الوسطاء الجديد. رئيس الحكومة ربح مرتين؛ فحماس هي التي تفشل الصفقة، وهو معفي من التنازلات بعد تشوش الصفقة.
مصدر رفيع سابق في الإدارة الأمريكية له عشرات سنوات من التجربة في المفاوضات السياسية في الشرق الأوسط، ذكّر في هذا الأسبوع بما تعود جيمس بيكر، وزير الخارجية السابق في فترة ولاية جورج الأب، على تسميته بـ “دبلوماسية القط الأسود”. أحياناً يكون الهدف من المفاوضات، قال بيكر، ليس التوصل إلى اتفاق، بل إزاحة التهمة، القط الميت، إلى سطح بيت الخصم. نتنياهو والسنوار يلعبان هذه اللعبة الآن. يبدو أن نتنياهو يفعل ذلك بنجاح أكبر. الجمهور في إسرائيل، الذي حسب جميع الاستطلاعات في أغلبيته الساحقة يؤيد الصفقة، يذرف الدموع مع عائلات المخطوفين، لكنه في معظمه لا يتجند من أجل إنقاذهم.
عاموس هرئيل
هآرتس 21/8/2024