في الخامسة من عمرها، فقدت صوتها. السكين الذي أراد قطع عنقها لم يتم عمله. نجت من الموت في الليلة التي شهد فيها العالم انتقاله من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين. بينما كان الناس في بقاع أخرى في احتفال برأس عام جديد، كانت تصارع الموت في عربة الإسعاف ثم في المستشفى. صار اسمها «فجر» لأن ملاك الموت عفا عنها في فجر ذلك اليوم الذي سال فيه دم رقبتها. وفي السادسة والعشرين من عمرها، ودت أن تستعيد صوتها، أن تصلح حبالها الصوتية التي أخطأها سكين الجماعات الإرهابية. أمها طارت إلى بلجيكا تبحث لها عن جراح يشفيها، ينقذها من بكمها، وهي ظلت في وهران، مصرة أن تسرد حكايتها. حكايتها هي حكاية الجزائر الخفية، جزائر الحارات، التي يطوقها الصمت، وحكاية الأرياف والقرى النائية، التي لا نسمع حسيسها في الجرائد أو نشرات الأخبار.
تشرع «فجر» في نثر قصصها ويصغي إليها القارئ مثل من يصغي إلى شهرزاد معاصرة. إنها تحكي ليلاً في مدينة ظلمتها أهون عليها من ضوء نهارها. وفي الليل كذلك تحيي الموتى الذين يطوفون في رأسها. تخبرنا عن تيهه في وهران، من جاداتها إلى بحرها، عن عملها في صالون حلاقة، تنزل عليه لعنات رجال يظنون في سفور المرأة من علامات القيامة. وفي كل مرة ينقسم لسانها نصفين: نصف يوشوش لغة داخلية، تعلمتها في ما مضى، ونصف آخر يوشوش لغة خارجية، تصد بها من ينوي شراً بها. هكذا هي «فجر» تعيش في انفصام، مثل غيرها من الجزائريات. بين عالم أنشأته بيديها يعصمها من الناس، وآخر أنشأه غيرها يريدون حبسها فيه. تدخل محبسها وتخرج منه مستعيناً باللغة، بلغة داخلية وأخرى خارجية. لكنها لغة بكماء، يصغي إليها القارئ على الورق فحسب. لأن المرأة عورة أو فتنة، كما سمعت «فجر» لا يحق لها أن ترفع صوتها، يرجى منها أن تتكلم في صمت بلا ضجيج. ملزمة على السير في السبيل الذي رسمه الآباء من قبلها ولا تحيد عنه. لكن «فجر» حادت عن السبيل، وهي لم تنو أن تفصح عن حكايتها للقارئ، بل إلى الجنين الذي يسكن بطنها.
نزداد تطفلاً في معرفة حكايتها، عندما تخبرنا أن في جوارها قرصين من الصيدلية، تريد ابتلاعهما فتتخلص من الجنين الذي علق في رحمها. تحكي له كي تطيل في عمره. لا تخبرنا بوالده في الحين، بل تؤجل أمره، لكن نود أن تتأخر ساعة الإجهاض إلى أن تتم حكايتها، وهي مصرة على ابتلاع القرصين بكل تطرف، فالحياة التي عاشتها ونجت فيها من قطع عنقها علمتها أن تتعصب في رأيها، أن تتمثل صورة الجلاد الذي كاد أن يودي بها إلى آخرتها. «فجر» التي عاشت ضحية تكاد أن تصير بدورها جلاداً، وتدخل في سؤال يتعسر عليها الإجابة عنه: هل تنجب رضيعاً في بلد نسي موتى العشرية السوداء، ومحا أسماءهم؟ أم تتناول القرصين وتعفيه من مشقة العيش؟ تخاطب جنينها ﺑ «حورية» وأمثال حورية كثيرات، لذلك عنون كمال داود روايته الأخيرة «حور العين» (عن دار غاليمار، باريس 2024) في كتابة تتماهى مع ألف ليلة وليلة، تحكي عن السكاكين والسواطير، عن الموتى والناجين، عن سنوات الجنون في جزائر التسعينيات وما تلاها. رواية تنصت إلى أشخاص حرموا من الكلام، وتتيح لهم الحق في البوح بما يدور في صدورهم.
كتابة شعرية ضد النسيان
في رواية «حور العين» لن ندخل جنة، بل نقيضها، فالموتى أكبر عدداً من الأحياء، الجلادون أكبر عدداً من الضحايا، الحزن يطغى على الفرح، لكن هناك عنصرا يجعل من قراءتها فعلاً سلساً، وهي لغتها الشعرية وجملها القصيرة. في كتابة يتغلب فيها الشعر على النثر، ويتداخل فيها الواقع والمتخيل عن قصد أو غير قصد. تبدو في مفاصل منها كأنها قصائد هايكو مجتزأة من ألسنة شخصياتها. تمسك «فجر» بيد قارئها وتجوب به وهران. هذه المدينة التي كُتب عنها كثيراً وصورت في أفلام، لكننا في كل مرة نصادف هامشاً غير مرئي منها. هذه المدينة التي ازدادت ذكورية وتوحشاً، مع مرّ السنين، لكنها تصير بقعة ناعمة ونحن نراها بعيني «فجر» بعيني تلك الفتاة التي علمتها حلاقة النساء، أن الجمال بوسعه أن ينقذ الأمكنة من قبح الأزمنة. وعندما تسافر أمها بحثاً عن جراح يعيد إليها صوتها، تسافر «فجر» بدورها إلى بلدة «حد الشكالة» (غرب الجزائر) التي كادت أن تفقد فيها عنقها في رأس عام 2000.
في الطريق سوف تصادف شخصية كأنها خرجت من جلد سندباد، تصادف عيسى الذي سافر في البلاد بأكملها، وهو يسوق شاحنة توزيع كتب. عيسى الذي لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يفهم في شؤون الكتب، ويوزع المعرفة لمن يرغب فيها. عيسى واحد من الناجين من سنين السكين، وتنبت بين الشخصيتين حدائق من الحكايات. سوف ينقذها كذلك من ورطة أخرى وقعت فيها في حد الشكالة، لكن قبل ذلك سوف يوسع من رؤيتها، ويحكي لها عن جزائر لا تعرفها، يخرجها من وهران ويسرد عليها وعلى القارئ جغرافيا البلاد من ساحلها إلى صحرائها. يغوص في أمكنتها المجهولة، بعيداً عن أنوار عاصمتها وكبريات مدنها.
رقعة التاريخ
بين «فجر» وعيسى تتسع رقعة التاريخ كذلك، نعود إلى سنين حرب التحرير، ثم ننخرط مرة أخرى في سنين العشرية السوداء، أو ما يطلق عليه الحرب الأهلية، التي دامت عشر سنوات في تسعينيات القرن الماضي. وإن كانت «فجر» مجرد طفلة في تلك الحقبة، لم تشهد تفاصيلها، يصير عيسى مثل علبة سوداء إلى جوارها، يتلو عليها كرونولوجيا الأحداث، كيف بدأ العنف وكيف تطور ولماذا، يتلو عليها أسماء الموتى وأعدادهم، ونشاهد هول المأساة التي تقاسمها الجزائريون في ما بينهم بالتساوي. في اللقاء بين الطرفين، ينتقل السرد من شخص واحد إلى اثنين، لا نعرف من منهما صار شهرزاد ومن صار شهريار، كلاهما يتناوب في الحكي، وبينهما جنين ينمو على وقع القصص. وبينما نحن نصغي إليهما قد يطرأ في بال القارئ ما جرى من عنف مماثل في دول عربية أخرى، في السنين الماضية. قبل أن تصل «فجر» إلى حد الشكالة وتستذكر شقيقتها طيموشة، التي رفرفت إلى السماء في الليلة التي نجت هي فيها. وتدرك أن أهل بلدتها يحيون بلا ذاكرة، إنهم مثلها امحت ذاكرتهم إزاء الدماء التي سالت فيها. في هذا السياق يضع الكاتب قارئه في مسألة حرجة، تتعلق بإسرافنا في طمر الماضي. نمحو ماضينا خجلاً من مواجهته، فيتحول هذا الماضي إلى حكايات. لكن الحكايات مآلها النسيان في غياب الرواة، فهل هذا ما أرادته السلطة: أن تمحو العشرية السوداء من الذاكرة بعدما أقرت قانوناً عام 2005، يمنع العودة إليها ويعفو عن الجماعات المسلحة؟ وهل الخوف من النسيان هو ما حتم على المؤلف أن ينشر «حور العين»؟ استعان بالأدب في حفظ الماضي المبتور من الذاكرة. لم ينشغل بالرد على طرف ضد الآخر، بل التزم الحياد، يسرد الحكايات، ممتثلاً إلى حق القارئ في متعة النص.
عندما تنجب «فجر» نشعر بأنها تخلصت من حمل أثقل بدنها، مثلما أثقل ذاكرتها، نرى في ابنتها خيط ضوء قد يحيلنا إلى حكاية أخرى. قد يحيلنا إلى الليلة الثانية بعد الألف. بما إن النساء كنّ ضحايا العشرية السوداء، لمجرد كونهن نساء، فهل ابنة «فجر» هي الأمل المرجو؟ مثلما تكبدت النساء مأساة التاريخ، نشعر في خاتمة الرواية أن مستقبل الجزائر سيكون امرأة.
كاتب جزائري