لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعدته بيثان ماكرنان وسفيان طه حول الظروف الاقتصادية الخانقة التي تمر بالضفة الغربية.
وقالا إن معدلات البطالة العالية والفقر يثيران الاضطرابات حيث تعاني الشركات الفلسطينية والعاملون فيها من حالة حصار. ففي مصنع السلام للزجاج والسيراميك في ضواحي مدينة الخليل، لا أحد يستخدم فرن نفخ الزجاج أو عجلة الخزاف فيما تبدو الغرفة التي يزخرف فيها الفنانون الأوعية والبلاط بالألوان الزرقاء والصفراء والحمراء المعروفة في الحرف التقليدية الفلسطينية- خالية.
ويبدو زجاج النوافذ والأبواب مثقوبا بما يشبه شبكات العنكبوت نتيجة لإطلاق النار. وقال صاحب المصنع سامي النادر إن جنودا إسرائيليين عند نقطة تفتيش قريبة أطلقوا الرصاص الحي على مراهقين وشبان كانوا يلقون الحجارة في مواجهة قبل بضعة أسابيع.
ومع أن الخليل الواقعة في جنوب الضفة الغربية المحتلة تبدو بعيدة عن الحرب الدائرة في غزة منذ عشرة أشهر إلا العنف بين الفلسطينيين من جهة والمستوطنين والجيش الإسرائيلي من أخرى، وصل إلى مستويات عالية لم تر منذ 20 عاما، وأدت القيود الجديدة وإغلاق الطرق وإلغاء آلاف تصاريح العمل للفلسطينيين إلى خنق الاقتصاد الفلسطيني والحياة اليومية.
وقال النادر، 47 عاما: “لا يقارن الوباء بما تمر به أعمالنا الآن. اعتدنا على الترحيب بالسياح كل يوم، والآن، إذا كنا محظوظين، نبيع الأشياء يوم السبت فقط. حتى إننا لا نتلقى طلبات عبر الإنترنت، لأن لا أحد في فلسطين لديه أموال”. وأضاف أن عائلته تدير المصنع منذ 70 عاما و”لا أريد أن يغلق وأنا أنظر إليه”.
وتقول الصحيفة إن الاقتصادين الإسرائيلي والفلسطيني متشابكان، فمن جهة تعتمد إسرائيل على العمالة الفلسطينية الرخيصة، وبخاصة في مجالي البناء والزراعة. وقبل الحرب ساهمت الأجور الإسرائيلية العالية بنسبة 20% من الناتج المحلي العام للسلطة الوطنية. وساهم هؤلاء العمال في عام 2022 بـ 3.05 مليار جنيه استرليني، أي ثلثي الميزانية الفلسطينية. وبعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر علقت إسرائيل تصاريح 140,000 عامل فلسطيني من الضفة الغربية، ولم يسمح إلا بعودة نسبة صغيرة جدا منهم، حيث تحاول إسرائيل تعويض النقص في العمالة الفلسطينية بجلب العمال من الهند.
وبسبب هذا الوضع ارتفعت معدلات البطالة ومستويات الفقر في الضفة الغربية غير المستقرة أصلا ووضعتها على حافة الانهيار المالي وأدى ذلك إلى تأجيج الاضطرابات.
ارتفعت معدلات البطالة ومستويات الفقر في الضفة الغربية غير المستقرة أصلا ووضعتها على حافة الانهيار المالي
وفي مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، والتي لا تزال أشبه بالأحياء الفقيرة، قال الشباب لصحيفة “الغارديان” إن الجماعات المسلحة مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني هي المصدر الرئيسي للعمل الذي يمكنهم الحصول عليه اليوم.
وارتفع معدل البطالة في الربع الأول من عام 2024 بنسبة 11% إلى 35% على أساس سنوي، حسب تقديرات منظمة العمل الدولية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى حدوث انتكاسة في التنمية البشرية تتراوح بين 13 و16 عاما. كما وارتفع معدل التضخم حيث خفضت السلطة الوطنية الفلسطينية الرواتب وقلصت أعداد العاملين.
كما قرر وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش حجب أموال الضرائب عن السلطة الوطنية كإجراء عقابي لتعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وهدد سموتريتش أكثر من مرة بقطع علاقات البنوك الفلسطينية بالنظام المصرفي الدولي، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى انهيار السلطة الوطنية بالكامل.
ونقلت الصحيفة عن تهاني مصطفى من مجموعة الأزمات الدولية قولها “استخدمت كل الحكومات الإسرائيلية سياسة العصا والجزرة مع السلطة الوطنية، إلا أن الحكومة الحالية تمارس سياسات متناقضة بشكل واضح. وتحتاج إسرائيل إلى السلطة الوطنية للحفاظ على الأمن في الضفة الغربية، لكنها تقوم باستخدام ما لديها من نفوذ قدر الإمكان”. وتضيف: “أما المنطق الآخر فهو العقاب الجماعي: ورغم أن هذا المنطق لم ينجح في الماضي فإنهم ما زالوا يعتقدون أن فرض الحصار الاقتصادي وتضييق حرية الحركة والضغط على الناس بقدر كاف من شأنه أن يؤدي إلى استسلامهم”.
ففي بلدة نحالين، وهي قرية فلسطينية في جنوب القدس، يقضي محمود الدودو وابنه يعقوب، وكلاهما من عمال الرخام والحجر المهرة، معظم أيامهما في تنفيذ مشاريع في الحديقة. والأضواء مطفأة في مستودع محمود الضخم للمواد المستخدمة في المطبخ والحمام؛ حيث كان يزود الإسرائيليين من مستوطنة بيتار عيليت القريبة بشكل أساسي، ولكن لم يأت أي عميل واحد منذ ما يقرب من عام. وقال يعقوب، 29 عاما، والد ابنتين صغيرتين، إن لديه دينا بقيمة 16,000 شيكل من مشروع في إسرائيل ألغي بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر ويرفض المقاول الرد عليه.
وقال: “لقد بعنا كل الذهب والمجوهرات. كان من المحزن أن أطلب من زوجتي أن تفعل ذلك. أعتقد أننا نستطيع أن نتدبر أمورنا بمدخراتنا لمدة شهرين آخرين. وبعد ذلك ليس لدي أي فكرة عما سنفعله”.
وتقول الصحيفة إنه لا توجد بيانات حقيقية، إلا أن العمال من الضفة الغربية بدأوا يعثرون على طرق للعودة إلى إسرائيل من خلال حواجز أمنية بحثا عن عمل أفضل. وهي عملية خطيرة، لكن هناك حوالي 40,000 عامل فلسطيني يقومون بالرحلة ويظلون هناك في إسرائيل عدة أسابيع بدون أوراق. وقال الدودو إن قريبا له وجد عملا في شركة بناء، جنوب إسرائيل قبل عدة أسابيع. وهو هناك بدون حقوق ويخاطر بالقبض عليه، لكنه يستطيع إرسال بعض المال إلى عائلته. وقال داوود: “أعتقد أن الوضع غير قابل للاستمرار” مضيفا: “هم لا يريدوننا بعد الآن، إذن أنهوا الاحتلال ودعونا نعمل لأنفسنا”.