محمود الرحبي ‘كنت أكتب خطاباتي أثناء الليل وأنا عارٍ حتى الخصر بسبب الحرارة المرتفعة التي كانت تجعل جسدي يتصبب عرقاً، وذات ليلة خرجت من انشغالي لكي أتحقق من إحدى قطرات العرق وكانت تجري فوق ظهري ولكن الغريب أنها كانت تجري لأعلى مما دعاني لتحري الأمر، وأشد ما كانت دهشتي حين شاهدت حشرة صغيرة تتسارع ضد تيار العرق، واتضح أنها سيئة الحظ ولذلك أنقذتها وتركتها تذهب، لأني تأكدت بأنها تجد صعوبة في مناخ مسقط’. من كتاب الطبيب الأمريكي هاريسون ‘رحلة إلى عمان والجزيرة العربية’في بحر الزحام وكتل السيارات المسعورة، وقت انتهاء الدوام الرسمي، والشمس في أوج سطوتها، خرج موظف راجلاً من مكان عمله، كان الوحيد الذي يتحرك في الشارع، حيث الجميع في سياراتهم مُسمَّرين بقسماتهم الجامدة أمام أجهزة التكييف، ولأنه لا يوجد شيء متحرك غير الموظف يمكن النظر إليه، فإنهم أخذوا يرمقونه بفضول، بينما كان هو منكساً رأسه إلى الأرض ومتذكراً رؤساءه الَّذين تعاقبوا عليه في العمل طوال حياته، وأوامرهم العمياء وعقدهم ومحاسبتهم له حتى على النظرة الشاردة، وراتبه الذي ما أن يستلمه حتى تتناهشه الأيدي والديون. كان داخله يغلي والشمس في الخارج تأكل جسده ببطء. لا يمكن العيش هنا بدون سيارة، إن ذلك يشبه أن تعبر من ضفة النهر إلى ضفته الثانية بدون قارب في وقت تعصف فيه الريح. إن السيارة هنا هي المحرك الذي تتحرك به الحياة، وأول ما يفعله الموظف عقب تعيينه هو شراء سيارة، لأنه لا يمكنه الاستمرار في الوظيفة بدونها، ولأن أكثر من ثلثي أحياء المدينة لا تصلها خطوط مواصلات الأجرة. العيون تتلقفه، تتفحصه، والَّذين لم تمكنهم سرعة سياراتهم من رؤيته كاملاً، فإنهم يرتقون مشاهداتهم و بشكل خاطف، من المرايا المعلقة فوق عيونهم، بدون أن يقف له أحد منهم، وذلك لأنه شرع برجليه كثيراً، ولأن شآبيب العرق التي تنز من جسده جعلت مظهره مقززاً وشعر رأسه سميكاً متفرقاً في حزم لزجة متدلية. الإبر الخفية توخز جسده الرطب، فينسكب العرق خيوطاً تتدفق من نبع خفي، تزحف بداية من خلل الشعيرات الملتصقة بالجلد، هابطة في انزلاقاتٍ بطيئة من جبهة الرأس مروراً بالظهر وخلل الأصابع حتى الفخذين إلى أن تصل قاع القدمين وتتبخر في الهواء. شعر الأهداب يتراخى نحو الوجنتين كدموع سوداء، وشعر الرأس يسيل خلف الأذنين والرقبة، تدفعه دفقات العرق المتتابعة فيموج بنعومة ماراً في طريق الظهر والصدر ساحباً شعر السُرَّة، مندفعاً بتيار أشد أمام شعر العانة، منساباً بين شعر الساقين نتفاً لا تلبث وأن تتبدد. يقل عدد السيارات، فالطلقات الأعنف منها تبدأ في حدود الساعة الثانية والثلث وهكذا فكل دقيقة هي قذيفة أنشط من سابقتها،تبدأ بالسريعة ثم الأقل سرعة، لينتهي الزحام بسيارات الميكروباص المتراصة ثم الحافلات الضخمة التي كانت تنتظر دورها للعبور، بعد ذلك يهبط الصمت الذي لا بد أن يبدده مروق سيارة بين هدأةٍ وأخرى. يلهث الموظفُ مُسرعاً كمن يطارد أنفاسه، عيناه غائمتان من التعب، والجلد العاري بدأت تغطيه سحابة قانية بعد أن فارقه الشعر. كانت هيئته تشبه ألواناً مختلفة تسيل على جدار في طريقه إلى الانهيار، سالت شرائح الجلد، جلد الوجه متبوعاً بأغطية الرقبة والردفين والبطن والرجلين إلى أن تبددت ذائبة في الفضاء الحارق. في هذه اللحظة لا يجرؤ أشد الناس جسارة على الخروج، سوف يبدو الأمر وكأنما يصارع وحشا بجلدتي حذاء، ولن تكون ملابسه سوى خرق لشفط العرق تحت الفضاء الخادع الذي يبدو صافياً للوهلة الأولى، ولكن خطوات قليلة في حرارته كفيلة بأن تحرك سلاسل النار الخفية التي تسوط الجلد. أنفاسه تصَّاعد وهو يلاحقها، تجاهد في الفرار من جسده الذي يتبعها بشغف في اللحظة التي بدأت فيها شرائح اللحم الحمراء تنبض هابطة في ذوبانها، ساحبة في طريقها ثقل الرقبة والردفين والبطن والمؤخرة والفخذين.. .. .. هبطت تلك الكتل في انزلاقٍ هادئ نحو الذوبان، إلى أن تماهت في حقول الشمس.. .. .. ثم تهاوت عظام الجمجمة وهبطت ساحبة في طريقها الردفين والكوعين وقفص الصدر وحوض المؤخرة وعظام الركبتين.. .. .. .. .. .. .. ذاب الراجل الوحيد في ذلك الشارع ولم يبق منه سوى أنفاسه التي واصلت بعناد تبخرها الملتهب تحت الشمس.