الصحافي والوزير وما بينهما من مواقف

حجم الخط
0

د. انيس فوزي قاسم

بتاريخ 4/4/2012، كتب الصحافي في ‘العرب اليوم’، سميح المعايطه، مقالاً هاماً بعنوان ‘قلق مشروع من هجرة وتهجير للفلسطينيين في سوريا’، عبّر فيه عن مشاعر انسانيه تتعلق بضحايا الحروب والنزاعات المسلحه من الناس العاديين الذي يلجأون عادة الى ‘دار أمان’، وأشاد بحق وصدق- بموقف الاردن الذي كان ملجأ ‘للاشقاء’ العراقيين منذ العام 1990، والعام 2003 وحلّوا ‘على اهلهم في الاردن’، كما هو الحال الآن مع ‘الاشقاء السوريين’، مع تفاقم الاوضاع الآمنية في سوريا. ولاشك انه عبر بأمانة عن الشعور الوطني العام حين قال ‘يعتقد الاردن والاردنيون ان جزءاً من واجبهم تجاه الاشقاء تقديم كل العون… فالأمر انساني أخوي..’.. لكن الاستاذ المعايطة ما يلبث ان يطوي المشاعر الوطنيه والحسّ الانساني حين يتعلق الأمر باللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من العراق ظلماً وقهراً مع اخوانهم من اللاجئين العراقيين، واللاجئين الفلسطينيين الذي هربوا من سوريا مع اخوانهم اللاجئين السوريين، وتبريراً لهذا الاستثناء الاخوي والانساني يقول الاستاذ المعايطه انه ‘في ثنايا القضايا الانسانية هناك بعض الملفات السياسية.’. ويحاول بذلك تبرير قبول تدفق ‘مئات الالوف من العراقيين الذين دخلوا الاردن،’ أما ‘فتح الابواب لهؤلاء الاشقاء من حملة الجنسية الفلسطينية له دلالات سياسية داخلية وخارجية.’. ومثل هذا التدفق سوف يدخلنا الى ‘محيط نقاش حول التوطين والوطن البديل’. وينطبق الحال ذاته على ‘الاشقاء الفلسطينيين من حملة الجنسية الفلسطيني المقيمين ايضاً في سوريا.’.. ومن بوابه ‘الدلالات السياسية الداخلية والخارجية’ ومقولات ‘التوطين والوطن البديل’ دخل الاستاذ المعايطه الى عالم التبريرات الذي يطيح بكل مشاعر ‘الاخوة’ و’الاشقاء’ والحاجة الانسانية الى ‘الامان’ في ظروف النزاعات المسلحة، وكأن اللاجئ الفلسطيني ممنوع عليه الشعور الانساني بالخوف والهرب باطفاله نجاةً من حرب اهلية او دمار شامل، واذا خاف وطلب الأمان باللجوء، يصبح للجوئه ‘مغزى سياسياً’، ويجب الكشف عن هذا المغزى والبحث عن ‘المؤامرة’ التي تختفي وراء لجوئه، وتندلق فوراً سلّه من الدلالات السياسية التي تتجافى والاعتبارات الانسانية. ومن الواضح انه من المقبول، في نظر الاستاذ المعايطه، ان يكون الاردن موئلاً وملجأ للاشقاء العراقيين والسوريين اذا لجأوا الى الاردن طلباًَ للأمان باللجوء، اما ان يلجأ اللاجئون الفلسطينيون في العراق وسوريا الى الاردن، فالوضع يختلف فورا، فإن الاستاذ المعايطه يجهد لإيجاد المبرر لهذه الممايزة بين الاشقاء بمقولات غامضة مثل ‘الدلالات السياسية الداخلية والخارجية’ أو استعمال تعابير أقرب الى الاحجيات مثل ‘التوطين والوطن البديل’. واللافت للنظر ان الاستاذ المعايطه لم يلحظ ان اللاجئين الفلسطينيين في العراق واخوانهم من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا لم يسبق، ومنذ العام 1948، ان حاولوا اللجوء الى الاردن او غير الاردن قبل الاحداث التي اضطرتهم الى الرحيل. فقد عاش اللاجئون في البلدين ومنذ سنوات اللجوء في اوضاع مستقرّة، حتى ان لاجئي سوريا يتمتعون ومنذ صدور المرسوم التشريعي رقم 33 تاريخ 17/9/1949 والقانون رقم 260 للعام 1956، بكل ما للسوريين من حقوق وما عليهم من واجبات باستثناء اكتساب الجنسية السورية، وقد اكدت المحكمه الادارية العليا في دمشق على مبدأ مساواة الفلسطيني بالسوري في جميع الحقوق والمزايا المترتبة على الوظيفة العامة مع الاحتفاظ بالجنسية الاصلية، (قرار تاريخ 23/4/1960). وربما كان وضع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا هو افضل وضع يتمتع به أي لاجيء في اي قطر ولا أدلّ على ذلك من ان هيئة التدريس في جامعة دمشق لوحدها تضم (125) استاذاً فلسطينياً برتبة بروفيسور. وبغض النظر عن مآل الاحداث في سوريا، سواء انتهت ببقاء النظام القائم او رحيله ووصول نظام آخر بدلاً عنه، فإن وضع الفلسطينيين في سوريا سيظل ـ على الارجح- على ما هو عليه وذلك بدلالة ان وضعهم في سوريا لم يتغير منذ عهد حسني الزعيم واديب الشيشكلي وشكري القوتلي وجمال عبد الناصر وناظم القدسي وامين الحافظ ونور الدين الاتاسي ومرحلة الاسد. ولذلك ليس هناك من مبرر يقترح حدوث تغيير في المستقبل يؤثر على وضع الفلسطينيين في سوريا وحقهم في العودة اليها. فاذا عاد اللاجئون السوريون الى اوضاع مستقرة في سوريا، يعود معهم اللاجئون الفلسطينيون. وللتصحيح، فإن الفلسطينيين لم ‘يُهجّروا’ من سوريا، كما يقترح عنوان مقالة الاستاذ المعايطه، بل هم لجأوا مثل باقي اللاجئين العاديين.

كما ان اللاجئين في العراق لم تتغير اوضاعهم الاّ الى الافضل منذ العهد الملكي الى عهد عبد الكريم قاسم الى حكم البعث، حتى ان العراق لم يكن ضمن مناطق نشاط الانروا بسبب ان الحكم في العراق منح اللاجئين الفلسطينيين الكثير من الحقوق والمعونات والحمايات. وربما كان العراق البلد المضيف الوحيد الذي كان يدفع مخصصات شهرية نقدية لكل عائلة فلسطينية بالاضافة لمخصصات محددة عند الولادة (اعانة ولادة) وعند الوفاة (اعانة وفاة) ولاصحاب العاهات وطلاب الكليات وغير ذلك من الاعانات (التعليمات رقم 7 لسنة 1961). وعومل الفلسطينيون معاملة العراقي عند التعيين والترفيع والتقاعد والبعثات والاجازات الدراسية وعند اقتراضهم اموالاً من مصرف الرهون، ولهم حق التمتع بمخصصات السكن المقررة للعراقي وغير ذلك من الميزات.

من هذا الاستعراض لأوضاع الفلسطينيين في سوريا والعراق يمكن الاستنتاج انه لا سبب لأي لاجيء فلسطيني في سوريا او في العراق لكي يطلب اعادة انتاج لجوئه (الاّ في حالات قليلة مثل حالة لم الشمل العائلية) ما لم تكن هناك ظروف قاسية تضطرهم الى اللجوء ليس فرادى بل جماعات، مما يقطع بأن ظروف اللجوء تكون عامة وشاملة ولم تكن تتعلق بفرد او عائله. وهذا ما قامت به بعض العصابات المشحونة بأحقاد دفينه باضطهاد اللاجئين الفلسطينيين في العراق حيث تسببت في اضطهادهم والاعتداء عليهم مما اضطرهم الى النزوح مرة اخرى. وعلى اي حال، لا يتجاوز عددهم 30-40 ألف لاجيء، ومن هُجّر منهم كان حوالي نصفهم (العرب اليوم، 18/3/2007). اما وضع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، فإنه، بالاضافه الى ان عددهم يصل الى نصف مليون لاجيء تقريباً، الاّ ان ما وصل منهم الى الاردن لم يتجاوز (500) فرد حتى تاريخه. ورغم اتهامات الدكتورة بثينه شعبان للفلسطينيين في سوريا بالتورط في احداث اللاذقية، وهذا موقف مستهجن للغاية من مسؤول سوري، وهو اشبه باتهامات جماعة 14 آذار اللبنانيه للمدعو احمد ابو عدس (اللاجيء الفلسطيني في لبنان) باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الاّ ان تلك الاتهامات لم تجد اذناً صاغية، وبلغت هذه الاتهامات درجة من الفجاجة حتى اصبح تكرارها مدعاة للتندر. وهذا يدلل على ان بعض مراكز القوى تجد في الفلسطيني مبرراً لتغطية فشل او قصور. او كما يقول المثل الكويتي ‘طوفه هبيطه’ ( أي حيط واطي). وللعلم فقط، وعلى المستوى الانساني البحت، فإن تجربة اللجوء، مثل تجربة اللجوء الفلسطينية، ليست من التجارب التي يود الانسان تكرارها او اعادة انتاجها او ادخال عائلته في مثل تلك التجربة، لأنها تجربة تنطوي على انكسارات انسانية عميقة لا يسبر غورها إلاّ من كابدها.

ومن هنا يمكن الرد على مخاوف وشكوك الاستاذ المعايطه من مقولات التوطين والوطن البديل، والتي هي تعابير أقرب الى الاحجيات منها الى تعابير سياسية محددة. ولا شك ان الاستاذ المعايطه، وهو صحفي عتيق قادر على تفكيك رموز الوطن البديل والتوطين وكيف يمكن تنفيذه وكيف يمكن محاربته، وهل يستطيع الاردن بمفرده مواجهة هذا الخطر؟! ومع ذلك، لاشك أنه يعلم ان الحكومة الاردنية (وهو الآن من اعضائها) دخلت في التزام دولي تسمى ‘معاهدة وادي عربة’ التزمت بموجبها بتوطين اللاجئين. واذا كان من مخاوف لدى الاستاذ المعايطه من التوطين والوطن البديل، فعليه ان يتمعن بما قالته الاردنية الاصيلة، نعمت الحباشنه، حيث صرخت قائله ببساطة ووعي: من يخشى من التوطين عليه ان يلغي وادي عربه.

وبعد ثلاثة أشهر من مقالته الاولى، نفى معالي الاستاذ سميح المعايطه، وقد أصبح الآن وزير الدولة لشؤون الاعلام والاتصال، ما اوردته منظمة ‘هيومن رايتس’ في تقريرها الذي يتهم الاردن بالتمييز في معاملة اللاجئين الفلسطينيين الفارين من سوريا (الغد 5/7/2012)، حيث ورد عنه قوله ‘ان الاردن يتعامل مع كل اللاجئين القادمين من سوريه بطريقة واحدة، وعلى اسس عادلة فيما يتعلق بلجوئهم الانساني من حيث ‘توفير المأوى والخدمات بغض النظر عن جنسية اللاجيء او الوثيقة التي يحملها’. ويؤكد معاليه ان ‘اي زائر لمناطق استقبال اللاجئين يرى ويشعر بعدم وجود تمييز بين لاجيء سوري وغيره باعتبار انه ‘لاجيء انساني’. اي ان معاليه ـ على ما يبدو- لا يتفق مع ما سبق وان كان يدافع عنه حين كان صحافياً واعتبار التمييز في المعاملة له اسبابه ومبرراته. وهذا موقف مفهوم بإعتبار انه الآن يدافع عن موقف حكومته الرشيدة.

ومع ذلك، فإن الوقائع على الارض تجافي ما يقوله معاليه او ترغب الحكومه الرشيدة في قوله، إذ يبدو ان الوقائع تؤكد ما كان يقلق الصحافي سميح المعايطه لأن اللاجئين الفلسطينيين الفارين من سوريا قد حشروا في سكن خاص بهم في مكان يسمى ‘سايبر سيتي’ وبلغ عددهم (350) شخصاً، وقد وصف هذا المكان بأنه أقرب الى معسكر اعتقال (‘في المرصاد’ الالكترونية، 1/6/2012، الساعه 8:21 مساء)، وهناك تقارير تقول ان بعضهم يحمل وثائق اردنية ومنهم من يحمل رقماً وطنياً، وجزءاً من عائلته يعيش في عمان، وقد ورد في تقرير آخر قصة ليان (خمس سنوات) ولين (سنتان) مع امهما الاردنية المقيمة في حلب، وجدهما الاردني المقيم في الرمثا، وحاول الجد عبثاً ان يستصدر تصريحاً من وزارة الداخلية لكي تنضم الأم وابنتاها الى جدهما، الاّ ان العائق الاوحد لهذه المأساة هو ان الاب فلسطيني يحمل وثيقة لاجيء سوري، ولم يتم لم شمل العائلة. (‘في المرصاد’، 17/7/2012، الساعه 11:27). واعلن لاجئو ‘سايبر سيتي’ انهم يقاطعون كل المعونات المقدمة من المنظمات الدولية احتجاجاً على سوء المعاملة التي يلاقونها وبعثوا ببيان احتجاج الى متصرف مدينة الرمثا (‘القدس العربي’، 18/7/2012). هل هذه المعاناة هي تطبيق للمخاوف والقلق الذي تحدث عنه الاستاذ المعايطه الصحافي ام هو تطبيق لسياسة ‘الدلالات السياسي الداخلية والخارجية’؟! ان تقرير منظمة ‘هيومن رايتس’ يذكر ان الطريقة التي يحتجز فيها الفلسطينيون في ‘سايبر سيتي’ يتطابق مع تعريف ‘الاحتجاز’ كما تعرفه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. فهل هذا ‘الاحتجاز’ مخصص ‘للاجيء الانساني’ كما وصفه معالي الوزير المعايطه؟! أم ان ‘السايبر ستي’ هي معسكر مخصص لاحباط المخططات الصهيونية في التوطين وانشاء الوطن البديل؟!

يبدو ان معالي الصحفي سميح المعايطه قد قرر ان يلبس طاقية جورج اورويل ويعلن بصراحة وبلا تردد: ‘جميع اللاجئين في الاردن متساوون، الاّ ان بعضهم اكثر مساواة من البعض الآخر.’ خبير في القانون الدولي من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية