تونس «القدس العربي»:رغم الظروف الإقتصادية الصعبة التي تعيشها تونس والتي جعلت وزير ماليتها يصرح في وقت سابق بحاجة البلاد إلى التداين، فإن الإضرابات في عدد هام من القطاعات لم تتوقف. فما أن تستجيب الحكومة لمطالب هذا القطاع حتى ينتفض قطاع آخر مطالبا بالإمتيازات والزيادة في الرواتب والأجور أسوة بمن سبقه في نزيف لا يبدو أنه سيوقف حتى وإن أعلنت الدولة إفلاسها وباتت عاجزة تماما عن الإستجابة لهذه التحركات المطلبية المتفاقمة.
وما يزيد الطين بلة هو توقف الإنتاج في قطاعات حيوية هامة كالفوسفات الذي تحتل تونس مراتب متقدمة عالميا في إنتاجه وتصديره وتحويله من خلال صناعات كيميائية تعتبر من مكاسب دولة الإستقلال. وستكون لهذا التوقف التام للإنتاج، بحسب عديد الخبراء، نتائج وخيمة وكارثية على الإقتصاد التونسي خلال الفترة المقبلة خاصة فيما يتعلق بتراجع الإحتياطي من العملة الصعبة.
مجلس وزاري
ويتركز إنتاج الفوسفات في تونس في منطقة الحوض المنجمي في الجنوب الغربي وتحديدا في ولاية قفصة في مناجم أم العرائس والمتلوي والمضيلة والرديف التي عرف عن عمالها نضالهم ضد الإستعمار الفرنسي ومقاومتهم لاحقا للإستبداد. وتتركز الصناعات الكيميائية على وجه الخصوص بـ«المجمع الكيميائي» بقابس الواقعة في الجنوب الشرقي للبلاد والتي تعاني من تلوث بيئي نتيجة لهذه الصناعات التي تركزت بعد الإستقلال.
ويدعو مسؤولون من شركة فوسفات قفصة ومن المجمع الكيميائي بقابس الحكومة إلى عقد مجلس وزاري للنظر في مطالب العمال والموظفين لهاتين الشركتين الوطنيتين العملاقتين ولإيجاد الحلول التي يتم بموجبها استئناف النشاط المتوقف منذ 14 نيسان/أبريل من السنة الجارية. لكن طلباتهم لم تجد بعد الآذان الصاغية بما أن ما يرشح من أنباء يؤكد عجز الحكومة على الإستجابة لمطالب العمال والموظفين خصوصا فيما يتعلق بالجوانب المادية.
مفاوضات
ورغم ذلك فقد بادرت الحكومة بتشكيل لجنة للتفاوض مع المضربين عن العمل لكن لم يصل الطرفان بعد إلى نتائج ملموسة تعيد عجلة الإنتاج إلى الدوران. فالدولة تخسر يوميا أكثر من 6 مليون دينار تونسي ولو استمر الحال على ماهو عليه ستخسر البلاد ما تبقى لها من زبائن على مستوى العالم والذين استفاد منهم بلد مغاربي ينافس تونس في هذا المجال وفرض على بعض هؤلاء الزبائن عقودا احتكارية لا يتعاملون من خلالها إلا مع هذا البلد المغاربي في مقبل السنوات حتى لو عادت وتيرة الإنتاج في تونس إلى وضعها الطبيعي.
كما أن تواصل الأوضاع على ماهي عليه فيما يتعلق بإنتاج الفوسفات سيضطر المجمع الكيميائي في قابس إلى التوقف تماما عن العمل بالنظر إلى نفاد المخزون من هذه المادة الحيوية والتي تعتبر الأساس لعمل هذا المجمع. ويعمل المجمع الآن بطاقة تشغيلية لا تتجاوز الخمسة في المئة في محاولة منه لعدم التوقف تماما عن العمل لأن إعادة التشغيل في حال التوقف ستستغرق الكثير من الوقت وستكلف الدولة أيضا خسائر فادحة ستضاف إلى الخسائر الحالية.
حالة كارثية
وتتركز الإعتصامات في الأساس في مواقع استخراج الفوسفات وإنتاجه، وكذلك مراكز تزويد مغاسل الشركة بالمياه الصناعية وحتى بمحطات النقل الحديدي. كما تم تعليق العمليات المالية المتعلقة بالشركة ومن ذلك سداد الديون التي على الشركة لفائدة المزودين الأجانب والمحليين، وتوقف أيضا دعم بعض المنشآت العمومية ومساهمات الشركة في نشاط بعض الجمعيات وذلك بتعلة توقف الإنتاج وانعدام المداخيل.
فالحالة كارثية وتفوق التصور وهناك نواقيس خطر دقها أكثر من خبير إقتصادي خشية على الإقتصاد الوطني. وهناك أيضا دعوات لأن تستعمل الدولة قبضتها الحديدية لأن الأمر يتعلق بقطاع حيوي من قطاعات الإقتصاد التونسي ولن ينفع الندم بالنسبة لهؤلاء إذا أعلنت الدولة إفلاسها وباتت عاجزة عن سداد ديونها.
تجريم التهرب الضريبي
في المقابل فإن الإتحاد العام التونسي للشغل الذي عقد لتوه مجلسه الوطني في مدينة توزر الجنوبية الصحراوية السياحية، دعا في وقت سابق إلى تجريم التهرب الضريبي الذي عانت منه تونس على مدى تاريخها الحديث وتسبب في أزمات عديدة بين الدولة والمواطنين سواء في العهد الملكي أو بعد إعلان الجمهورية في 25 تموز/يوليو 1957. ويشمل التهرب الضريبي في الأساس القطاع الخاص، أي رجال الأعمال والأطباء والمحامين والخبراء والمحاسبين وغيرهم من المنتمين إلى المهن اـلحــرة، بما أن الدولة تقتطع الضــرائب من رواتب الموظفين قبل صرفها.
وقد رأى البعض في دعوات الإتحاد العمالي استهدافا لاتحاد أصحاب الأعمال (الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة) بعد أن ساءت العلاقات بين الأمين العام لاتحاد الشغل ورئيسة منظمة الأعراف وداد بوشماوي. كما فتحت هذه الدعوات الباب على مصراعيه للسجالات بين مختلف الأطراف حيث اعتبر البعض أنه كان على الأمين العام لاتحاد الشغل حث منظوريه من النقابيين على العمل سواء في القطاع العام أو الخاص خاصة وأن هناك إحصاء يفيد بأن الموظف التونسي لا يعمل إلا ثماني دقائق يوميا وأن الإنتاج في الحصة المسائية يكاد يكون منعدما خاصة وأن عبارة «ارجع غدوة» بالعامية التونسية (عد غدا) أصبحت مادة للتندر والتهكم على موظفي الإدارة التونسية الذين يردد كثير منهم هذه العبارة والتي تنم عن عدم الرغبة في العمل.
روعة قاسم