«أنطولوجيا غاليري للقصة القصيرة جداً»، من إعداد السعدية باحدة ومصطفى لغتيري، وترجمة الطاهر لكنيزي وسناء عليوان، وتقديم حسنة أولهاشمي، كتاب يضع نصوصه على جرح عميق في حركة الاختيارات الأدبية، حيث يثير أسئلة حول جدوى الاختيار والعوامل التي تتحكم به. ذلك لأنَّ ضَمّ عددٍ من النصوص في كتاب واحد لفريق من الكُتَّاب عملٌ لا يخلو من مغامرة، وقد تكون المغامرة أكبر إذا كان ذلك يخص عالم القصة القصيرة جدَّاً، لأنَّ مسؤولية الاختيار تصبح أكثر إشكالية، نتيجة قصر شريط السرد، وخصوصية القصة القصيرة جدّاً.
وأحسبُ أنَّ نصوصَ عددٍ كبير من الكُتَّاب المشاركين في هذا الكتاب، ليست نصوصُهم الأفضل، لأنها إن كانت أفضل نصوصهم، فهذا يعني أن القصة القصيرة جدّاً ليست بخير وأن آفاقها تبحث عن المسدود من الطرق.
يتكرّر عددٌ من الثيمات في النصوص، مثل قصص الحب بين المرأة والرجل، التي تشغل نحو نصف قصص الكتاب، غير أنها تتلبَّس باللبوس الثيمي التقليدي: الرجل الظالم والمرأة الضحية، إضافة إلى موضوع كسر المقدس الديني والاجتماعي عند كثير من الكتاب المشاركين، إذ يبدو أن الحماس لكسره فاق التأنّي الفني المأمول، أو اللعب الفني المنتظر، مَّما جعل الكثير من تلك النصوص يتلبَّس بلبوس المباشرة.
ضمَّ هذا الكتاب خمسة وخمسين نصاً، للعدد ذاته من القاصين مع مقدمات نقدية وتعريفية غلب على بعض أسطرها الجانب الاحتفالي بالكُتَّاب، وهو أمر مألوف في مثل هذا النوع من الكتاب كون الغاية من إصداره يختلط فيها الذاتي مع الأدبي مع الاجتماعي والشخصي.
يقدِّم القاص أيمن منصف في «استقرار» إشارة إلى انكسار الحلم وخيبة الأمل، من خلال ثنائية البحر واليابسة، مفسحاً المجال للمكان كي يكون العنصر الأكثر فاعلية، موظِّفاً نصاً قديماً في نصه المعاصر، مشيراً إلى أرض اليباب. ويبدو في النص أنَّ الدلالة التي أرادها الكاتب والازدحام التوظيفي كانا أكبر من قدرة ذلك الشريط اللغوي القصير، فهو يريد أن ينقل حالة الضياع التي يعيشها الإنسان المعاصر وهو يجد نفسه ضحية لتلاطمات كثيرة تتحكم في مسيرته.
أما انتصار السري في «سواد» فتنشغل برمزية السواد وقد احلولك واقعنا، وكيف أن عدم الاكتراث بالآخر يكون مدخلاً للحياة أحياناً، مؤكدة استطاعة الفرد مواجهة الجماعة، وأن السلطة مهما كانت قوية يمكن أن يخلعها الفرد، ليشتغل على اختياره الخاص به. طبعاً القاصة تقدِّم مقولاتها من خلال إشكالية علاقة الرجل بالمرأة، حيث يفتح هذا النص الرؤية نحو إشكالية العلاقة بالآخر.
ويحرص إسماعيل مشرعي في «تحكيم» على النمط الحكائي التراثي الخبَري لإيصال رسالة وحكمة، وضرورة إيجاد حلول داخل البيت الواحد، قصةٌ بأفق يقيني، تختلط فيها الحكمة مع الجانب التوصيلي، عبر الاحتيال الذي يمارسه الآخر على طرفيْ اختلاف، كأن القاص يسخر من مثل هذه الحلول التي تُدْخل الآخر ليزيد النار اشتعالاً.
ويقدم جمال الكداوي في «عودة» حكاية تقوم على المصادفة، التي تُضْعِف حكائية النص، تريد إدانة الموت، وتغليب الإنساني على المنجز الشخصي ولا تخلو من بعد درامي بوجه بُكائي، غير أن إنسانيّة ما أراده كاتبها لم تستطع أن تجعلها النصَّ المأمول من كاتبها.
ويصف حسن بواريق في عنوان مكرّر جداً هو «حرية» البحث عن فضاء خاص بالقيود، ويكتشف المتلقي أن هذه الأشياء الجميلة تقع في دائرة الحلم، وليست في الواقع مما يولِّد لديه دهشة بدرجة ما، عمل الكاتب على تكريسها من خلال إحضار ابن سيرين، حيث إن الطبيعة التي كان الإنسان يلوذ بها، إذا ما أراد تفريج همومه، لم تعد متاحة له، وصارت العوازل كثيرة بينه وبينها.
وتعيد رجاء قباج المتلقي في «إدمان» إلى إشكالية علاقة الرجل بالمرأة من حيث القوة والضعف، إذ إن تلك العلاقة في عدد من النصوص لا تميل نحو التوازن، بل ترجِّح كفة السخرية والتملك والرغبة بالاستهزاء، ولعل كون كُتَّاب الكثير من هذه القصص من الجيل الشاب، يجعل توتر تلك العلاقة مألوفاً، ضمن ارتباطها بسياقها الثقافي والمعرفي والبيئوي.
وتنشغل رشيدة خيزيوة في «قيد» بالحديث عن الأم المضحِّية والزوجة (المثالية)، التي لا تكترث بما يجري أمامها، تسعى نحو رسالتها في مساعدة زوجها وأطفالها بتعبها وكدّها، دون إمعان النظر في ماتتعرض له، أو الجو المحيط بها إبَّان قيامها بعملها، إذ كرَّستْ نفسها لخدمة زوجها وأطفالها، ونسيتْ ذاتها، مفارقةٌ تنشأ بين قمة التضحية وأدنى الظروف الملائمة للعمل.
أما زبيدة أوبحو في «الجميلات» فتلفت النظر إلى وجود نمطيْن من التفكير، نمط يدعو للالتزام بطروحات المجتمع، وهو مادعتْ إليه الجدة إبان تربيتها لابنتها، ونمط يدعو إلى الخروج عليها كما فعلت الابنة، فالجميلات هنَّ اللاتي لا يكسرن الصحون، والجميلات في زمان آخر، وربما في مكان آخر، هنَّ اللاتي يكسرنها.
ويقدِّم عبد الرحيم هري في «رعايا» تفسيراً جديداً للعلاقة مع المطر من خلال صلة كل من إيزيس وأوزيريس، يمكن أن تحمل دلالة رمزية على الرغبة بتناول المقدس بطريقة مختلفة من خلال صلاة «الاستنشاف»، نظراً لكثرة هطول المطر على عكس الدعوة لصلاة الاستسقاء، نتيجة الجفاف الناجم عن قلة المطر.
ويرصد عبد الله البحر في «اللمسة الأخيرة» التفاعل بين الفنان وشخصيّاته، حتى إنه حين يصل إلى رسم فمِ إحدى تلك الشخصيات تضحك دون أن تستأذنه، كأنها تمارس معه لعبة الميتا رسم (تأسيساً على مقولة الميتا قص) فتريد أن تخرج عن صمتها لتصبح شخصاً ينفعل ويعبر عن حالته، كأن الفنان نفخ فيها من روحه.
وتنسج غزلان قتور في «إنسانية» عالماً من التناص مع حكاية بروميثيوس إذ تحاول تقديم قراءة أخرى لها، وهو منهج سلكه قاصون كثيرون في هذه المجموعة لإيصال رسائل عدة، المشكلة في هذا حين نتحدث عن القصة القصيرة جداً أن المجال محدود لإظهار قدرة الكاتب، فيبقى التعويل على الفكرة والإدهاش الذي يمكن أن تحققه نظراً لقصر شريطها اللغوي.
وينبِّه مصطفى سكم في «ميكيافيليا» إلى مركزية القتل لدى الكثير من الحُكَّام في التاريخ البشري، بحيث إن أرواح القتلى تغدو حارسة لقصر السلطان، وكيف أن التاريخ يكتبه القوي، حيث يتذكر طبقة الملوك والأمراء وينسى الناس البسطاء، وهكذا يحدث التماهي بين سيرورة الإنسان البسيط، إذ يمضي عمره وسط النحاس.
ويطرح نورالدين الصغير في «الحلقة» مشكلة الفُرجة التي نجدها على بعض الأرصفة، بصفتها لوناً من ألوان الأحاييل، التي تحكي عن بسطاء يقدمون أنفسهم على أنهم مظلومون مغفلون، لكنهم يكونون قد اتفقوا /سراً/ مع آخرين لاستغلال الازدحام من أجل السرقة. هي رحلة الإنسان وهو يحاول العيش بطرق مختلفة، بعضها مسوَّغ وبعضها يعتمد على المكر، طرائق في التفكير والفهم، تكشف عن أنماط من البشر، مختلفي المشارب والأهواء والأفكار.
وينشغل ياسين كني في «مقامات» بإدانة ما يسمَّى بـ «الدساتير العربية» وهي تستمدّ روحها من روح المقامات، حيث البطل الخارق، وفي الوقت المعاصر القائد الخارق، الذي يُصدر الدساتير التي تعجبه، نصٌّ يكرّس نفسه للشأن العام، لكن ربما صياغته اللغوية ليست أفضل ما عند كاتبه.
ويمكن الإشارة، أخيراً، إلى الملاحظات التالية التي ظهرت في عدد من النصوص بحيث شكلت ظواهر ملفتة:
– غياب النصّ المَثَل عن نصوص القصة القصيرة جدَّاً جعل الكثير من الكتاب يجرّبون المكرّر، ولا يجهدون أنفسهم في البحث عن خصيصة تتميز بها نصوصهم، أو أن يحاول بعضهم النظر في تجارب السابقين ومحاولة هضمها ثم صنع الخصوصية. وغياب المثل مردّه إلى السرعة، وعدم التعويل على القراءة، والاستسهال، وربما غياب الهاجس الإبداعي لدى كثيرين.
– العناوين المكررة، يمكن أن نجد عشرات العناوين في مجموعات صدرت في سوريا أو المغرب أو دول عربية أخرى مقاربة لهذه العناوين، وهذا يضع جهداً مضاعفاً على كتاب القصة القصيرة جداً للتخلص من هذه المشكلة، أو أن يستسلموا إلى فكرة مؤداها أن تكرار العناوين من قدر القصة القصيرة جداً.
– التسرّع في الصياغة اللغوية في عدد من النصوص، وظهر ذلك بمظاهر عدة منها: الاختيار غير المناسب للمفردات بحيث توصل الرسالة المرجوة، الارتباك في صياغة الجملة، وتشتت الدلالة.
– التسرع في اختيار الأسلوب الأنجع لمعالجة الفكرة، التي يريد أن يقف عليها الكاتب، وقد وصل ذلك إلى التسرع في اختيار الحكاية الحاملة للمضمون.
– جدوى ترجمة النصوص إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية مادامت لم تتبناها دار نشر وازنة لها اسمها في عالم النشر، بخاصة أن معظم المشاركين قدموا نصوصاً غير ملفتة رؤية أو معالجة أو إدهاشاً.
«أنطولوجيا القصة القصيرة جداً:
جيل جديد».
إعداد السعدية باحدة ومصطفى لغتيري دار غاليري، الدار البيضاء 2015
أحمد الحسين