وأرعدتِ السماءً، فطار منها ثُمَّةَ انفجرا
شناشيل ابنة الجلبي..
ثَمَّ تلوحُ في الأفقِ
ذُرى قوس السَّحابِ.. وحيث كان يُسارق النَّظرا
شناشيلُ الجميلةُ لا تُصيبَ العين إلا حمرةَ الشفقِ
لم يكن الشاعر بدر شاكر السياب ينظر إلى الشناشيل مجرَّد معمار بارد لا معنى له، بل جعل منه مكاناً لابنة الجلبي، العائلة الغنية المعروفة في البصرة خصوصاً وجنوب العراق عموماً. فلا مكان يناسب هذه الفتاة الرقيقة والمدللة إلا شناشيل فخمة يمكن أن تضيف لها جمالاً آخر فوق ما تتمتع به من جمال.
هكذا تمكَّن السياب من أن يخلق موازنة بين تلك الفتاة، التي لم يسمها، وبين مكانتها الاجتماعية في البصرة. ربما المثال الذي أعطاه السياب يجرنا إلى أمثلة أخرى، مثل بيت النقيب الشهير وسط مدينة البصرة، والذي ما زال عامراً بشناشيله، وقد اتخذته إحدى المؤسسات الفنية مقراً لها. فعائلة النقيب من العوائل الغنية والسياسية المعروفة في البصرة، لكن كيف يمكن أن نُفرِّق بين بيت غني وبيوت الناس العادية إذا كان جلّ ما في مركز المدينة مبنياً على شكل شناشيل؟
يقول الحاج أحمد هاشم (76 سنة) إن الاختلاف كان واضحاً للعيان، فالعوائل الغنية لم تكن تسكن ضمن سلسلة بيوت كان طابقها العلوي من الشناشيل جميعاً، بل كانت تفرد لها مساحات خاصة، وهو ما كنا نراه في بعض بيوتات البصرة، مثل النقيب وعائلة عبد الوهاب وعائلة الزهير وغيرهم الكثير. «لكن بيوتنا نحن كانت متجاورة، حتى أنك ترى شارعاً كاملاً وكأنه بيت واحد له عدَّة أبواب، هذا إذا كانت واجهته على الشط أو أمامه شارع عريض، أما إذا كان في زقاق ضيِّق، فقد كانت البيوت وكأنها بيت واحد، من الطابق الأرضي لا ترى سوى أبواب من الخشب تخرج من فم الحائط، أما الطوابق العليا فقد كانت متداخلة وكأنك إذا جلست في مشربية بيتك تمد يدك لتصافح جارك المقابل لك».
ويضيف هاشم، أن هذا الطراز العمراني لم يكن في مناطق البصرة جميعاً، بل تمركز في وسط المدينة، وخصوصاً مناطق النظران والسيف والصبخة والبصرة القديمة، إضافة إلى بعض أزقة منطقة العشار، وهي المركز التجاري في البصرة، فضلاً عن مناطق أقضية أبو الخصيب والزبير.
ما الشناشيل؟
حسب التعريفات الشائعة، فإن الشناشيل (ومفردها شنشول) عنصر معماري يتمثّل في بروز الغرف في الطابق الأول أو ما فوقه، يمتد فوق الشارع أو داخل فناء المبنى (في البيوت ذات الأفنية الوسطيّة). تُبنى الشناشيل من الخشب المنقوش والمزخرف والمبطّن بالزجاج الملون.
الدكتور أنور جاسب، أستاذ الدراسات التاريخية في جامعة البصرة، يقول إن الشناشيل تعدُّ من أبرز المعالم التاريخية في البصرة، وتمثل الشرفات الخشبية المزخرفة التي تمتاز بها المدينة، وتعتمد على إبراز واجهة الطابق الثاني بأكمله أو غرفة من غرفه بشكل ناتئ إلى الأمام، ويكون هذا البروز بالخشب عادة وبزخارف هندسية، وتعتبر من الظواهر الرئيسية والمألوفة في البيوت البصرية وهي دلالة على الثراء المادي لساكنيها في تلك المرحلة.
أما أصل مفردة (شناشيل)، فيرى جاسب أنها فارسية الأصل مركبة من «شاه نشين» التي تعني محل جلوس الشاه ومن البصرة انتقل هذا الطراز إلى بغداد وباقي المدن العراقية.
لكن الدكتور نبيل الأمير التميمي يشير إلى أن البصرة عرفت عمارة الشناشيل في أيام الاحتلال العثماني في القرن الـ17م، مع ظهور عدد من الفنون الأخرى، وتعني الكلمة موضع جلوس الملك، وكان البصريون كثيري الاهتمام ببنائها مما زاد من انتشارها في السنوات التالية.
في حين تباينت الآراء حول ما إذا كان تأثير البناء على الشناشيل تركياً أو هندياً، إذ تبين الدكتورة جنان محمد علي في كتابها (ذاكرة البصرة.. من ذاكرة المعمار) أن الكثير من الآراء التي تنسب إليها نشأة وابتكار هذا النوع من البناء جاء من التأثير التركي أقرب منه إلى التأثير الهندي، مشيرة إلى أن المصطلح جاء في لسان العرب بمعنى الشـرفة التي هي أعلى الشيء وهـي مـا يوضـع على أعالي القصـور، وتذكـر بـعض المصــادر الـعربية بأن الـ»رواشن» ومفردها «روشن» وهو الخشب الذي يخرج من حائط الدار إلى الطريق ولا يصل إلى جدار آخر يقابله وهو ربما يدل على مصطلح «بالكون» أيضاً.
لكن بعض الآراء تؤكد أنه خلال فترة الانتداب البريطاني على العراق التي بدأت في العام 1917، انتشرت الشناشيل بصورة لافتة للنظر في مدينة البصرة والمدن العراقية الأخرى، وذلك نتيجة استقدام عدد كبير من الهنود المهرة والفنيين في صناعة وزخرفة الخشب الذي كان يستورد من الهند.
عمارة البيئة
تختلف العمارة بين مدينة وأخرى، فالمدن التي تقع على الأنهار لا تشبه في عمارتها المدن الصحراوية أو التي تحيطها اليابسة من الجهات جميعاً، وربما كان لطبيعة البصرة وبغداد والنجف تأثير مباشر في اختيار هذا النوع من العمارة، إذ إن التربة في البصرة تمتاز بكونها تربة مستنقعات ممتدة من محافظة ميسان، ومحافظة ذي قار المحاذيتين لها. ويذكر المؤرخون بأن خشب «الجاوي» كان يستخدم في بناء الشناشيل، وهو النوع المفضل في العمارة البصرية، وكان سكان البصرة القدامى الأغنياء يعمدون إلى طلاء شبابيك الشناشيل بالدهان العطري، ويلاحظ أن شريطا «إبْزيما» يربط أجزاء الشناشيل بعضها ببعض لكي تكون ذات متانة قوية تستمر عقود من الدهر. إضافة إلى أنها تعتمد على أعمدة ملساء ومضلعة وتعلوها تيجان مقرنصة، في حين عمد الفنانون إلى تزويدها بفصوص مدببة أو مسننة وأحيانا ثلاثية الفصوص وهذه الأشكال تتباين حسب الإمكانية المادية والذوق لصاحب البناء، وقد تأخذ نقوشاً شبكية، ويلاحظ أن الفتحات العليا للأقواس أوسع من الفتحات السفلى ذلك لأنها تحتضن أنواع الزجاج المشجّر والملوّن، ويلاحظ في بعض الشناشيل أن السقوف والسلالم تُشْمل بالزخرفة والتلوين.
وعلى الرغم من تخصص «أسطوات» بهذا النوع من العمارة في مدينة البصرة، غير أن بعض بيوت الشناشيل استغرق العمل على بنائها أكثر من 3 أعوام لكثرة تفاصيلها، وقد اعتمد في ذلك على خشب التوت (التكي) أو خشب السدر (النبق) وغيره من الأخشاب المحلية المتوفرة والتي تعرف في البصرة بالاسم المحلي الـ»جندل» نظراً لغلاء الحديد أو «الشيلمان» إضافة إلى أن هذا الخشب، يوضع فوقه الـحصير والذي يحاك من خوص النخيل وكذلك يعرف بالبصرة بـ»البارية».
وكشف الباحث أنور جاسب أنه لا يمكن تجاهل دور المعماري البصري وتعديلاته وإضافاته للوصول بالشناشيل إلى ما وصلت إليه، وقد عمد البصريون إلى إغنائه بالعديد من المفردات سواء في مجال العمارة ومواد البناء أو في مجال النقوش والزخارف. مضيفاً: تنوعت الشناشيل في الشكل والمحتوى وجاءت متطابقة مع الذوق العام، وجاء هذا بسبب حرية الحركة في الخشب، وسهولة التصرف به، فقد حافظت شناشيل البصرة على طابعها الخاص، فهي مطعمة بالزخارف المتناظرة مع الفسيفساء.
المهندس المعماري حيدر جبار يرى أن الاكتشاف الأهم في مادة بناء الشناشيل هو الخشب، فمن المعروف أن الطابق الأول (الأرضي) في البناء كان يعتمد بدرجة كبيرة على الحديد (الشيلمان) والطابوق والجص، في حين يعتمد الطابق الثاني على مادة الخشب، إضافة لرخص الخشب وسهولة توفره، فهو يحافظ على البرودة ويكون حاجزاً أمام أشعة الشمس الحارة، مبيناً أن مادة الخشب، لخفتها، سمحت لسكان البصرة أن يرفعوا بيوتهم إلى طابق ثانٍ من غير مخاوف من طبيعة الأرض الهشة، وعلى هذا الأساس وفرت الشناشيل للأزقة البصرية مظلة كبيرة تقي المارَّة حرارة الصيف، وتزداد أهمية المظلة التي تطل إلى الخارج لمسافة متر تقريباً عندما تطل الشناشيل من (20 إلى 30) منزلاً متجاوراً ويقابلها عدد مماثل من المنازل… وأشار جبار إلى أن هذا التقابل يجعل الأزقة بمنأى عن أشعة الشمس، فضلاً عما تؤلفه الشناشيل في الزقاق الواحد من نسق معماري ذي أبعاد هندسية جميلة، لأنها في ارتفاع واحد سواء عن مستوى أرض الزقاق أم على مستوى إطلالتها أو طلعاتها الخارجية.
كما أن هناك بُعداً اجتماعياً آخر للشناشيل يمنح نزلاء الدور المزودة بها المزيد من الحميمية مع جيرانهم، إذ إن وضع الشناشيل في الطابق العلوي من المنزل أدى إلى تقارب سكان بيوت الشناشيل، بحيث يسمح للعوائل أن تتبادل التحايا والأخبار وشتى الأحاديث من خلال النوافذ المتقابلة التي يوفرها هذا الطراز من العمارة.
فضلاً عن أن أهمية الشناشيل لا تنحصر في خصائصها الفنية فقط، بل تتعداها إلى أهمية اجتماعية أيضاً، إذ جاءت الشبابيك ذات المشبكات الخشبية البارزة على صورة مثلثات مسننة متباينة ومتوافقة مع القيم الاجتماعية المحافظة، فشكل الشبابيك المطلة على الأزقة والشوارع تسمح لأهل الدار النظر إلى الخارج، أي الزقاق، بينما لا يستطيع المارة أن يروا ما في الداخل، وهذه الخاصية مهمة جداً بالنسبة للنساء.
معالم تندثر
في العام 2004، كانت لنا جولة بحثاً عن الشناشيل المتبقية في مدينة البصرة، كانت محلة النظران، على الرغم من انهيار عدد كبير من بناياتها، إلا أنها لم تخلُ من الشناشيل، ابتداءً من جامع البصرة الكبير وليس انتهاءً بسوق البصرة القديمة، غير أننا لم نرَ هذه (البقايا) في هذه الأيام إلا تراباً يتزايد من جهة، وواجهات ألمنيوم تحيط بالأبنية الجديدة، أو ما يعرف بتغليف «الألكوبوند» حتى كأنك تنظر إلى مدينة من الحديد لا روح فيها، سوى بعض الأزقة القليلة جداً تمكنت من المقاومة، ليس حباً بهذا الطراز المعماري، بل لأن ساكني هذه الأزقة من الفقراء ولا يملكون المال لإعادة إعمارها، أو وضع نقاب حديدي حول بيوتهم.
مدير آثار البصرة، هاشم محمد، قال إن عدد بيوت (الشناشيل) المسجلة رسمياً لدى دائرة الآثار في البصرة تبلغ 42 عقاراً، جميعها مشغولة من قبل العوائل المتجاوزة أو المؤجرة أو من قبل مؤسسات حكومية أو ثقافية. مبيناً أن القانون العراقي يمنع تغيير شكل أي مرفق آثاري أو حضاري أو تراثي، وتعد (الشناشيل) جزءاً منها، لكن هناك الكثير من التغيرات طرأت على تلك المباني مما غير في معالمها. مؤكداً أن أغلب بيوت (الشناشيل) في البصرة معرضة اليوم للزوال بسبب الإهمال والتغيرات التي طرأت عليها من قبل مستغليها، والحل يكون بتنفيذ مشروع وطني لحمايتها، وهذا الذي نطالب به باستمرار، ونتمنى أن نجد الأذن الصاغية له.
غير هذه القوانين التي تحدث عنها محمد لا تطبق على أرض الواقع، فالإهمال الذي تعرضت له الشنانشيل على مدى أكثر من خمسين عاماً، يؤكد أن القانون هذا موضوع على الورق فقط، وهذا ما أكده عبد الحق المظفر، مدير قصر الثقافة والفنون في البصرة، وممثل وزارة الثقافة، الذي قال إن هذه البيوت لا تعود لوزارة الثقافة بل لوزارة الآثار، غير أن الواقع أن لا أحد معني بها ولا بأي معلم في المدينة.
الواقع يقول إنه لم يبق من الشناشيل البصرية إلا العدد القليل في الأحياء القديمة التي استطاعت الصمود حتى الآن نتيجة التدمير والخراب الذي سببته الحروب وبخاصة خلال السنوات الثماني من الحرب العراقية – الإيرانية التي كانت تدور رحاها حول هذه المدينة، وحرب الخليج في العام 1991، وكذلك على يد قوات الحكومة العراقية أبان انتفاضة أهالي البصرة والمدن العراقية الأخرى في آذار/مارس من العام 1991، بالإضافة إلى الزحف العمراني الحديث الذي أدى إلى تغيير الكثير من معالمها العمرانية الأصيلة.
أماكن باقية
بعض البيوتات الكبيرة التي كان يسكنها تجار وأغنياء ووجهاء مدينة البصرة، تمكنت من مقاومة الزمن والبقاء مرتفعة حتى الآن، ولعودة ملكيتها للحكومة المحلية في المدينة، سلمت مفاتيحها لبعض المؤسسات المدنية والحكومية لكي تتخذها مقراً وتقيم نشاطاتها فيها، مثل اتحاد أدباء البصرة، وجمعية التشكيليين، وقصر الثقافة والفنون التابع لوزارة الثقافة، فضلاً عن منزل كبير يعاد ترميمه الآن لإنشاء المتحف الكبير الذي سيجمع فيه تراث المدينة ومعالمها الفولكلورية.
غير أن هذه البيوتات الكبيرة ليست كثيرة جداً ما يمكن أن يحمي هذا التراث العمراني، فأغلب البيوت ذات الشناشيل تعود لسكان فقراء لا يتمكنون من إعادة ترميمه الذي يحتاج لمبالغ كبيرة جداً نسبة لارتفاع سعر الخشب الذي صنعت منه الشناشيل، فضلاً عن عدم توفر الفنيين الذين شيدوا هذه البيوت.
أحد سكان هذه البيوت القدماء، علي حسين، يقول إن أغلب سكان الشناشيل القدامى في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي كانوا من اليهود، لكنهم تركوها بسبب التهجير القسري الذي طالهم في تلك الفترة… موضحاً
أن نمط بناء هذه المنازل هو على الطريقة الشرقية حيث كان «الأسطوات» آنذاك يراعون الثقافة المتبعة للمنطقة وأن هذه البيوت تراها متشابكة ومختلفة الواحدة عن الأخرى من حيث النقوش، وقد ساد هذا النوع من البناء حتى مطلع الخمسينيات الذي شهد نهاية بناء هذا الطراز المعماري.
ويؤكد بعض سكان هذه المناطق أن عزوف الناس عن بناء هذه الشناشيل يعود إلى وفاة أغلب أسطوات هذه النوع من العمارة، ولأن الأسطوات الجديدة لا يجيدون هذا الفن مثلما كان في السابق، في حين يرى آخرون أن التطور الذي شهده العالم يرجع وراء اختفاء هذه التقاليد في البناء وإن كانت جزءاً من الثقافة في يوم من الأيام.
الحاج رسمي السعد، يقول إن منطقة الشناشيل كانت وسط مدينة البصرة تسمى آنذاك بموسكو الصغرى، نظراً لانتشار الفكر اليساري التقدمي في تلك الحقبة وتأثر أغلب الشباب به إذ نشأت خلايا الحزب الشيوعي العراقي في البصرة بهذه المنطقة.
من جانب آخر، نظراً لارتفاع بدلات الإيجار في المدينة، فقد قامت عدد من العوائل الفقيرة من ترميم بعض البيوت ترميماً أساء لها لعدم تمكنهم من دفع تكاليف الترميم اللازم وسكنوا البيوت المهجورة منذ سنوات، حتى أن الحكومة المحلية في البصرة لم تستطع إخراجهم منها رغم التهديدات الكثيرة التي أرسلوها لهم، لكن حجة هذه العوائل بأن لا مكان لهم يقيمون فيه، ولم تقدم الحكومة العراقية أي تسهيلات تمكنهم من الحصول على منزل يؤويهم ويحمي أطفالهم حتى لو كان بيتاً من صفيح.
كتابة وتصوير: صفاء ذياب