منذ فترة شعرت بنشوة داخلية لأن حراكا ثقافيا قائما على الاختلاف ظهر في ثقافتنا الراكدة، أو في وسطنا الثقافي الآسن، اختلاف علني وصريح لأول مرة وعلى أكثر من صعيد. بالتأكيد هناك الكثير من الاختلافات، والخلافات الداخلية والمضمرة، والنقد الضمني، وربما النميمة الثقافية بين شلة ما، وهناك إقصاءات ونفي من جماعة لجماعة ومن أديب لآخر، ولكن ثقافة النفاق السائدة كانت تقتضي الستر، والبعد عن التجريح العلني، أو النقد الصريح، والذهاب في الصمت والنميمة.
ولكن لأول مرة وجدت حراكا نقديا فكريا حقيقيا علنيا، قائما على الاختلاف الصادق والعميق والضروري في وجهات النظر. ولذا بدا الأمر لي بداية جيدة للنضج الثقافي، وثورة ضمنية على المهادنة الكاذبة، والثقافة الممالئة خارجيا، والمقصية للآخر داخليا. وبدا لي صوت المثقف المختلف مع الآخر حقيقيا وهو يقول «أنا ضد رأيك، ولكن عليك أن تقوله، وعلينا أن نختلف لنفهم، ونحرك هذا الركود المنافق».
تمثل ذلك أولا في موقف بعض الكتّاب من قلة أنشطة جمعية الكتاب والأدباء، وجمودها، وقلة حراكها الثقافي، واحتكار أنشطتها في فئة قليلة أغلبهم من مجلس الإدارة، وارتفاع الأصوات بالمطالبة باجتماع الجمعية العمومية لمناقشة هذا الأمر.
وثانيهما في الموقف المستهجن من بعض الكتاب لامتداد فترة مجلس الإدارة لفترة زمنية طويلة في انتخابات جمعية السينمائيين، وبالتالي احتكار مؤسسة مجتمع مدني في فئة أو شخص، ووجهة النظر المقابلة من الموضوع.
وثالثهما في موقفين مختلفين تماما بين معجب ومستهجن لمحاضرة يوسف زيدان في النادي الثقافي، وآرائه في التراث والدين والجماعات الإسلامية.
ورغم وجود حركة شللية غالبة وواضحة الانحياز لأي من الفريقين، في كل هذه المواقف والاختلافات، إلا أن الأمر في بعده البعيد عميق ومجترح لفكرة الاختلاف الضرورية للاستمرار الثقافي، والحيوية المفترضة في وسط يشتغل بالأفكار بدءا وخاتمة، والأفكار مصدر خلاف واختلاف بالضرورة.
وهذا الحال قائم في مختلف البلدان العربية، كما يظهر في الصحف والكتابات النقدية المنحازة لجغرافيا مكانية أو نفسية، وكما يتجلى الآن في مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك الشللية القاتلة، وهناك الشعوبية الشوفينية التي تطلق أحكامها العامة، وتميّل الكفة لصالح المكان، بعيدا جدا عن الموضوعية النقدية والوعي الإنساني، وبعيدا عن قيمة المبدع والإبداع، فكل شعب يصفق لمواطنيه على أنهم الأعظم، والأهم إبداعيا وثقافيا. ولا ينجو من ذلك المثقفون والمبدعون وذوو الوعي الجارح، فانتساب واحدهم لبلد ما، يفرض عليه كما يبدو اللجوء «للنزعة الجماعية» التي تجعله يبجّل ويقدم أبناء جلدته، تقديما يليق بانتمائه له، خارج أية معايير إنسانية أو ثقافية أو إبداعية.
وقد ظهر هذا في برامج الشعر والفن التلفزيونية، وها هو يمتد للجوائز الثقافية، فبدون قراءة لأي من روايات البوكر ينحاز كلٌّ لجغرافيته المكانية أو حتى النفسية، ويذهب بعيدا في الجدل والدفاع عنها وهو الذي ربما لم يقدّر له أن يعرف اسم الكاتب قبل يوم الإعلان عن الجائزة.
هذا ناهيك عن الاستشراق العربي، الذي يحصر الثقافة في حواضر المراكز الثقافية التي ألغتها الثورة الرقمية، وقضى عليها الذهب الأسود في تغيير مواطن القوى، ومع هذا فهناك من لا يرى في بلدان النفط «الجزيرة العربية» بتاريخها العربي الأصيل، وحضارتها القديمة، وحضورها الجديد الذي جمع الوطن العربي في بيئات مجتمعية جديدة تكاد تكون متلاحمة، أكثر من البعر والبعير، والخيمة والمعيز.
إن إشكاليات الثقافة العربية أكثر من أن تحصى، وهي عميقة ومتجذرة بحيث تشمل التكوين النفسي للإنسان بدءا، ثم تذهب في أخلاقيات الجماعات لاحقا، ومنها الجماعات المعرفية.
فالجميع مرتبك في رؤيته، ومتبدّل المواقف حسب الضرورات التي تبيح المحظورات، في رؤيته للفكر والإنسان معا، فبين من ينتهج الشوفينية المقصية في نظرته للآخر، وبين من لم يعتد سوى المديح المجاني، والتطبيل الداخلي والخارجي، بل وحتى لم يتعلم فهم المديح الموارب أو البعيد، أو غير المباشر، بين التقديس والتبجيل، والإقصاء والمحق، تسير ثقافتنا متخمة بهمومها وإشكالياتها المتصاعدة، التي لا تحفّز إلا على التشاؤم.
إننا لم نربِ القدرة على تقبل الاختلاف، أو الموضوعية في الأحكام مع الآخر، ولم نتعلم كيف نفرّق بين الشخصي والفكري. واعتدنا التصفيق للأحكام الجاهزة والسماعية والمنطلقة من مجامل أو منافق، كما اعتدنا الحكم المطلق، والتبجيل المطلق وتقديس الرموز والأصنام، والحكم المطلق جهل مسبق.فالأحكام النقدية يجب أن تكون موضوعية ودقيقة، فمن حق الشخص (المثقف) أن ينتقد كتابا أو فكرة أو محاضرة أو نصا، نقدا علميا دقيقا، مفصِلا في مواضع الخطأ أو السهو أو الجهل فهذا عمله. ولكن بلا تعميمات جاهزة، أو مسح مجهودات علمية وفكرية تاريخية، بجرة قلم، فتعميم الأحكام المسبّقة جهل تام، وتثاقف أرعن.
نعم علينا أن نختلف، لأن الاختلاف ضرورة ثقافية، فكل ما نحياه اليوم من مصادرة للعقول والأنفس والحياة بكلّها، لأننا لم (أو لم يُسمح لنا) أن نتعلم كيف نختلف، وكيف نتحاور، وكيف نكون موضوعيين في خلافنا واختلافنا. فقط كان هناك وما يزال امتعاضات كثيرة، وانتقادات داخلية، وتحزبات تنتظر فرصة الانقضاض، وهناك ابتسامات صفراء مريضة ومجانية توزع في الخارج، وربما مصافحات باهتة، وعميقا تكبر الاحتقانات الداخلية التي تنتج الإقصاء، وتنتظر القوة والمركز للظهور والتجلي الذاتي وإلغاء الآخر أو نسفه، ما لم تكن هناك حاجة ما لمهادنته ومنافقته، للتحصل منه على منفعة ما لمركزه أو مكانته أو ماله.
نعم علينا أن نختلف ولكن بوعي، ونحن ندرك أن الاختلاف بداية النقد، والنقد بداية التغيير، وأن من حق الآخر أن يختلف عنا ومعنا، ولكن علينا أن نحترم فكرة الاختلاف ونتحاور معها فقط، وليس علي أي شخص أو فريق دفع ثمن الاختلاف بأي شكل كالإقصاء أو المصادرة، فالاختلاف حق مكفول بالإنسانية القائمة على الاختلاف أصلا وأساسا.
فاطمة الشيدي