استفزاز الوصي على «الأقصى»… والأردن يختبر «الخيار المفتوح»

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: ثمة ما هو عصي على الفهم والتحليل أكثر في المشهد السياسي الأردني وحصراً عند مراقبة الجزئية المرتبطة بالتعبير الإعلامي عن حالة التموقع التي دخلت فيها الدولة مؤخراً وبصورة علنية تحت عنوان «كل الخيارات مفتوحة» عندما يتعلق الأمر بالتحديات التي يفرض إيقاعها اليمين الإسرائيلي على الأردن، دولة وشعباً ومؤسسات وجغرافيا.
الأصعب عملياً من إنكار مخاطر اليمين الإسرائيلي طوال المرحلة الماضية على الأقل على صعيد كتاب التدخل السريع وإجازة الإعلام الرسمي، هو الاسترسال مجدداً في إنكار حصول وقفة تأملية أو حالة استدراكية، ثم العمل على تبرير العديد من الأخطاء التي ارتكبت تحت ستار الحرص على شعار «الأردن أولاً حتى عاشراً».
وهو شعار وطني لا يمكن الاختلاف عليه أو معه في كل الأحوال، وان كان الاختلاف وارداً كما يقدر السياسي المخضرم ممدوح العبادي، عند الإجابة عن سؤال مباشر هو: كيف نحمي مصالح المملكة؟ وكيف نطبق شعار «الأردن أولاً» ما دام اليمين الإسرائيلي بصدد رسم ملامح أزمة جديدة في البعد العسكري والأمني والاجتماعي والاقتصادي والأخطر الديموغرافي في الضفة الغربية؟
الأردن بهذا المعنى أيضاً في مواجهة اليمين المتطرف بشدة والحاكم في تل أبيب، بدليل أن أياماً قليلة فصلت بين إبلاغ وزير الخارجية أيمن الصفدي عن «اللجوء قريباً إلى المحاكم الدولية» بخصوص ملف مدينة القدس، وبين إيتمار بن غفير بإعلانه خطة إقامة «كنيس يهودي» في حرم وصحن المسجد الأقصى، الأمر الذي لا يقف أبداً عند حدود تقويض الوصاية الأردنية.
في المقابل، بعض الأوساط في عمان بدأت ترى أن اليمين الإسرائيلي لا يوجد ما يمنعه أو حتى ما يردعه من الانتقال بأزمة قطاع غزة إلى الضفة الغربية تحت عناوين الضم والإلحاق.
الحرص على ما يسميه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني دوماً وقبل كل الزعماء العرب بـ «الوضع القانوني في الضفة الغربية» يؤشر على حجم ومستوى ودور وبصمة وأهمية ملف الضفة الغربية بالنسبة للأمن القومي الاستراتيجي الأردني.

بعد الدعوة إلى بناء «كنيس يهودي» في صحن المسجد

لكن على المستوى الحكومي التنفيذي وعلى مستوى أدوات الإدارة وفي الكثير من الأحيان على مستوى أذرع الإعلام الرسمي، لم تلتقط رسالة القيادة الأردنية بالصيغة التي تناسبها أو بالصيغ التي تليق بالثوابت الأردنية المعلنة. مراراً وتكراراً، طرحت توجيهات لأركان مؤسسات الدولة تحت عنوان الحرص على تعزيز صمود الأهل في الضفة الغربية.
مراراً وتكراراً، لم تلتقط المؤسسات البيروقراطية ما هو جوهري في الرسائل، والجميع يعلم أن الحكومة الأردنية وبتوجيه ملكي مباشر، أرسلت قمحاً ونفطاً إلى الضفة الغربية لأن دعم صمود الأهل في الضفة الغربية أصبح مفتاحاً وذراعاً قوية في استراتيجية الحفاظ على المصالح الأردنية، ولأن القناعة باتت حاسمة اليوم بعنوان وجود طاقم في اليمين الإسرائيلي يحكم الأمور في اتجاه التأزيم ولا يوجد ما يمنعه من تنفيذ الخطر الأكبر على الأردن، وهو تهجير أهل الضفة الغربية تحت عنوان حسم الصراع فيها وإبعاد خيارات حل الدولتين أو الدولة الفلسطينية إلى أبعد سقف زمني ممكن.
التفكير إسرائيلياً في إقامة كنيس يهودي في صحن المسجد الأقصى خطوة متقدمة جداً في استفزاز الجميع والوصي، وما تمارسه الأذرع الإعلامية في عمان خارج سياق الفهم المتجدد لطبيعة الصراع الحالي مع اليمين الإسرائيلي، والذي أوصل عمان المعتدلة جداً بالعادة إلى حاجز «كل الخيارات مفتوحة» وإلى صيغة «لن نسمح لليمين المتطرف بفرض السياسات على دول المنطقة».
في جزئية الضفة الغربية «وجع الأردن الأبرز» مرحلياً، كان الخبير الاستراتيجي الجنرال، قاصد محمود، قد اقترح بمعية «القدس العربي» عدم الاستهانة بالأردن ودوره وقدراته في السياق، معتبراً أن خيار الهجرة المعاكسة أيضاً متاح إذا ما قرر الإسرائيلي يوماً التفكير بتهجير الناس إلى الضفة الشرقية.
الأهم أن حديث المسؤولين السياسيين عن التخفيف من احتمالات وسيناريوهات التهجير بالضفة الغربية أصبح في الإدراج، ولم يعد يقلّ في وسائل الإعلام.
والأهم أن سلسلة من الحوارات العميقة والتوجيهات المرجعية انتهت بعدد كبير من التسريبات والمقالات والتحليلات والقراءات التي توحي بأن الأردن الرسمي يقر الآن بمخاطر اليمين الإسرائيلي وأخطار أن تعلق الجغرافيا الأردنية في حسابات وسياسات هذا اليمين.
أردنياً، لم يعد النقاش ينطوي على تحرش في الأردن أو توريط له بالقضية الفلسطينية بقدر ما أصبح يمثل حقائق ووقائع لا يشعر بها المواطن الأردني البسيط فقط، بل تقلق منام الجميع.
حالة الاستدراك التي بدأت بتناغمات وتوجيه رسائل تقارب من الجمهورية الإيرانية ثم بالإعلان عن التعاون مع حركة حماس في مسألة الإغاثة ولوجستياتها في قطاع غزة مؤشر كبير على ذلك، لا بل المؤشر الأكبر هو التصريح بأن خيارات الدولة الأردنية مفتوحة فيما يتعلق بالرد على ما يمكن أن يحصل لاحقاً في الضفة الغربية ومدينة القدس تحديداً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية