عندما بدأت «عاصفة الحزم» في نهاية آذار/مارس أعلنت السعودية التي تقود الحملة إنها لن تستبعد كل الخيارات من أجل سحق المتمردين الحوثيين والجماعات الموالية للرئيس علي عبدالله صالح وإعادة الشرعية الممثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي الذي حوصر في صنعاء وفر إلى عدن وحاول إقامة حكومة هناك ولاحقته الجماعة الحوثية ليفر إلى الرياض حيث يقيم. ورغم الإجراءات التي أتخذتها الحكومة السعودية من حشد ما بين 150.000 – 160.000 جندي على الحدود السعودية مع اليمن لمنع توغل الحوثيين في أراضيها وفرضت حصارا بحريا على الموانئ اليمنية لمنع وصول التعزيزات الإيرانية للخارج إلا أن أهداف الحملة العسكرية السعودية لم تتحقق بعد. بل وفاقم القصف الجوي المعاناة الإنسانية في بلد يعد الأفقر من بين دول شبه الجزيرة العربية. فهو يعاني من انهيار لمؤسسات الدولة، واحتراب داخلي ومخاطر يمثلها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الذي استفاد من الفوضى وموضع نفسه كحام للسنة في الجنوب ضد الحوثيين الزيدييين. ويعاني اليمن من نقص في المواد الطبية والغذائية وانقطاع الماء والكهرباء. ولهذا جاء تغيير السعودية مسار الحرب حيث أعلنت عن تحويل العملية من «الحزم» إلى «إعادة الأمل» ومع ذلك استمرت في قصف وملاحقة الحوثيين الذين ضغطوا لإحكام السيطرة على عدن وهو ما خلق كارثة إنسانية وأزمة لجوء لدول القرن الأفريقي الفقيرة مثل جيبوتي والصومال التي تعاني من حرب أهلية مزمنة. ويتوقع أن يصل عدد اللاجئين اليمنيين إلى جيبوتي حوالي 30.00 لاجئ. وقد تعهد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في زيارته التي تعد الأولى لأعلى مسؤول أمريكي لجيبيوتي بمليوني دولار لدعم الجمهورية الصغيرة التصدي لأزمة اللاجئين خاصة أنها استقبلت أكثر من 20.000 لاجئ صومالي.
إنزال بحري
أدى الوضع في عدن ومحاولة التحالف بقيادة السعودية لدعوات للتدخل البري. وفي الأسبوع الماضي ذكرت مصادر مختلفة عن عمليات إنزال قرب شاطئ عدن لقوات برية «عربية» لمساعدة المقاومة الشعبية صد هجمات الحوثيين والموالين لصالح. ونفت الحكومة السعودية أن تكون قد ارسلت قوات برية. وذكر موقع «ستراتفور» للدراسات الأمنية أن السعودية ترغب بالحفاظ على عدن ومنعها من السقوط نظرا لموقعها الإستراتيجي ولأنها العاصمة المؤقتة لحكومة هادي. وذكر الموقع الأمني سيناريو عن خطة سعودية- سودانية – مصرية للإنزال الجوي في مطار عدن وتأمينه. وأشار التقرير إلى قوة صغيرة تتراوح ما بين 1.000- 3.000 جندي.
وتظل العملية البرية مهمة إن كانت السعودية والدول المتحالفة معها ترغب في تحقيق أهداف عمليتها العسكرية التي وإن لقيت دعما من الولايات المتحدة إلا أن الأخيرة لا تعرف نهاية اللعبة السعودية وضغطت باتجاه وقف الغارات الجوية ثم جاء اقتراح كيري في زيارته للرياض بـ»هدنة إنسانية» لمدة خمسة أيام وهو ما وافقت عليه السعودية وتعهدت بتوفير مساعدات إنسانية بقيمة 274 مليون. وتعلق صحيفة «فايننشال تايمز» إن المسؤولين الأمريكيين راقبوا مظاهر القلق حول العملية السعودية وطريقة تصرف قادتها الشباب، خاصة أن الحوثيين وحلفاءهم من الموالين لصالح حققوا مكاسب على الأرض منذ بداية العملية العسكرية. وجاءت الهدنة الإنسانية في الوقت الذي دعت فيه الحكومة اليمنية الأمم المتحدة للتدخل البري في البلاد. وهي الدعوة التي قامت بها حكومة هادي عندما طلبت من السعودية التدخل في بلادها لوقف غطرسة الحوثيين. ومن هنا فسرت تصريحات هادي وحكومته في المنفى على أنها تحضير للحملة البرية التي قيل عنها الكثير في الفترة الأخيرة. وهناك تقارير تقول إن السعودية جهزت 3.000 من المقاتلين اليمنيين من القبائل وحزب الإصلاح للتصدي لتقدم الحوثيين.
صفعة باكستان
ولكن نفي السعودية للتقارير لا يعني أن التوغل البري ليس مطروحا، بل كان منذ البداية، إلا أنه الرفض الباكستاني لإرسال قوات برية كان ضربة للجهود السعودية إن أخذنا بعين الإعتبار العلاقات التاريخية التي تربط البلدين والتعاون العسكري والإستثمارات السعودية في باكستان. وكما أشار بروس ريدل المحلل في معهد «بروكينغز» في موقع «المونتيور» فإن رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف مدين للسعوديين بحياته، حيث أنقذوه من حبل المشنقة بعد إنقلاب برويز مشرف عام 1999 ومنحوه الملجأ طوال فترة حكم مشرف. لكن شريف يفهم تداعيات ومخاطر الطلب السعودي على السياسة المحلية الباكستانية. ومن هنا قرر شريف أخذ الأمر للبرلمان الباكستاني في 13 نيسان/إبريل الذي رفض بالإجماع المشاركة. وفي الوقت نفسه أكد شريف على أهمية الدفاع عن المصالح السعودية. فقد كان الموقف الباكستاني هو البقاء على الحياد وفي الوقت نفسه الدفاع عن المصالح السعودية. والملاحظ أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي تتهم بلاده بدعم الحوثيين زار إسلام أباد أثناء النقاش واجتمع مع نواز شريف وقائد الجيش رحيل شريف. ويقال إن نواز شريف طلب من ظريف التحكم بالحوثيين ودفعهم للحل السياسي. لكن المبرر الذي قدمه الجيش هو انشغاله بالحرب ضد طالبان. ويرى ريدل أن السبب الذي دعا شريف إلى استشارة البرلمان جاء حسب الإعلام الباكستاني أنه توصل لنتيجة إلى أن الحملة السعودية لم يخطط لها بشكل جيد. والتقى شريف مع الملك ومستشاريه وتوصل إلى أن السعودية أخطأت التقدير في الحملة حيث ردت بذعر على تسارع الدور الإيراني في اليمن. كما أن التجربة المصرية في الستينيات من القرن الماضي حين خسر المصريون في جبال اليمن أكثر من 20.000 جندي دفاعا عن الجمهوريين كانت حاضرة في قرار باكستانيين. ولاحظ ريدل التأثير الإيراني على باكستان، حيث تركز النقاش حول تجنب الحرب الطائفية في البلاد. ومن هنا فبدلا من لعب دور المشارك في الحرب ترغب باكستان بلعب دور المحايد والوسيط كما ترغب دولة أخرى في مجلس التعاون الخليجي والتي كانت مركز اهتمام ظريف وهي سلطنة عمان التي تقيم علاقات تاريخية مع إيران. ويرى تقرير في مجلة «فورين أفيرز» أن السلطنة بعد عودة السلطان قابوس من رحلة العلاج في ألمانـيا يمكن ان تعود لدورها التقليدي كوسيط.
عزاء من داكار
ورغم الضربة التي تلقتها السعودية من باكستان وحطمت الآمال ببناء قوة برية لهزيمة الحوثيين إلا ان الرياض وجدت عزاء في قرار السنغال إرسال 2.100 جندي للمشاركة في قتال الحوثيين. فقد أعلن وزير الخارجية السنغالي مانكوير إنديا يوم الإثنين 4/5/2015 عن قرار الدولة إرسال قوة للمشاركة في الحرب في اليمن. ويرى الكثيرون أن القرار السنغالي سيعود على البلاد بمنافع اقتصادية وسياسية على الدولة التي تبعد آلاف الأميال عن اليمن. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن أندرو ليبوفيتش، المحلل السياسي المتخصص بشؤون غرب أفريقيا «المنفعة المحتملة لمشاركة الجيش السنغالي ستكون على شكل علاقات سياسية واقتصادية قوية مع السعودية وكذلك دعم مالي سعودي للسنغال». ورغم تأطير السنغال موافقتها ضمن المبررات السعودية للتدخل في اليمن إلا أن السنغال لها تجربة في المشاركة العسكرية. فقد أرسلت داكار كتيبة سنغالية للمشاركة في حرب الخليج الأولى عام 1991 حيث سقط 91 جنديا عندما تحطمت طائرة نقل عسكرية سعودية تقلهم. ولعبت في الفترة الأخيرة دورا في الحرب التي اندلعت قرب حدودها في مالي التي سيطر الجهاديون على الجزء الشمالي منها عام 2012. وتظل المشاركة السنغالية في اليمن مثيرة للإهتمام فكما يقول ليبوفيتش «لقد تم نشر القوات السنغالية في عدد من الأماكن في أنحاء العالم كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ولكن الدور الحالي سيشمل دورا قتاليا أكبر من الذي واجهته القوات السنغالية في مالي». وعلى العموم فموافقة السنغال وحديث السودان عن دور في العمليات يظل عزاء للسعودية التي حصلت على دعم من دول عربية وإسلامية في حملتها على اليمن. وعملت في القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ، نهاية آذار/مارس على الدفع بإنشاء قوة عربية مشتركة.
جيش عربي مشترك
وقد حظي قرار الجامعة العربية إنشاء قوات دفاع عربية بتحليل وافر حيث اعتبر خطوة مهمة على صعيد إتخاذ الدول العربية القيادة في الدفاع عن مصالحها بدلا من الإعتماد على الولايات المتحدة التي لم تعد مهتمة على ما يبدو بالمنطقة قدر اهتمامها بالتقارب مع إيران. وبحسب الرؤية التي قامت عليها القوة العربية المشتركة فستتولى دول الخليج التسليح والتمويل فيما ستتولى مصر الجنود باعتبارها تملك أكبر جيش عربي. وكما أشار حسين إبيش في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز» فالخلافات بين الدول العربية التي لم تتقاطع مصالحها فيما بينها عادة قد تكون عقبة أمام ظهور قوة مشتركة. كما أن اعتراض دول عربية مثل العراق على القوة يهدد بتحولها إلى قوة تعبر عن مصالح الغالبية السنية مما يعني عدم تمثيلها لكل العرب السنة والشيعة. وأشار إبيش لخلافات الدول العربية من ناحية العقيدة القتالية ومستوى الإتصالات والدعم اللوجيستي. ولا ريب أن الدافع وراء هذه القوة هما عاملان: إيران وصعود تنظيم الدولة الإسلامية. وبالمعنى العام فالقوة ستوجه نحو الجماعات لا الدول مثل الحوثيين وتنظيم الدولة الإسلامية. وسواء تحققت القوة العربية وشاركت في توغل بري في اليمن فتفكير الدول العربية بها يعبر عن أزمة تواجهها هذه الدول خاصة أنها لم تعد تعول على الدعم الأمريكي. ويثور هنا سؤال حول النوايا المصرية، فقد أبدت حكومة الجنرال السابق عبد الفتاح السيسي ترددا وتناقضا في التصريحات حول ماهية المشاركة المصرية. ويرى جيف مارتيني في مقال له بمجلة «فورين أفيرز» أن الدور الذي يلعبه الجيش المصري في ليبيا واليمن مضر بالمصلحة القومية المصرية. وناقش الكاتب أن السيسي ربما اندفع لدعم الحملة السعودية بسبب دعم دول الخليج له في انقلابه على نظام محمد مرسي. ويقول مارتيني إن مصر تلعب بالنار، فالحملات مثل اليمن لديها قابلية للتحول إلى حروب بالوكالة تتنافس فيها الدولة المعنية، في هذه الحالة السعودية وإيران بزيادة مشاركتها في الحرب. كما أن العملية أثارت مخاوف مصر، فلم ينس الرأي العام المصري الحرب المكلفة التي خاصها الجيش المصري في اليمن قبل نصف قرن. وتظهر استطلاعات الرأي معارضة الرأي العام للتدخل في اليمن بنسبة 2 إلى 1 في المئة. وقد أدت التكهنات حول المشاركة المصرية في اليمن وأنها جاءت لرد جميل دول الخليج بالسيسي للرد عليها حيث ظهر محاطا بقادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليؤكد أن حرص مصر على الأمن العربي هو ما دفعها للمشاركة وليس رد الجميل. وينظر المصريون إلى اليمن على أنها «فيتنام» الجيش المصري ولهذا فلا شهية لديهم لتكرار الأمر نفسه. يضاف إلى هذا أن أي تدخل عربي في اليمن يحمل مخاطر كبيرة، فتاريخه ونظامه الإجتماعي وسياقه السياسي المعقد يجعل من أي محاولة للتدخل فيه كمن يمشي نحو «المستنقع». فالشعب اليمني يعتبر الأكثر تسليحا في العالم بعد الأمريكيين. وقد أثبت اليمنيون كرها في الماضي للتدخلات الإجنبية: العثمانية والبريطانية حتى المصرية ما جعل اليمن «مقبرة للغزاة».
إبراهيم درويش