نيويورك -«القدس العربي»:بتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1990 عقد مجلس الأمن جلسة حاسمة للتصويت على مشروع قرار تحت الفصل السابع أعده الوفد الأمريكي يعطي العراق مدة 45 يوما للانسحاب من الكويت وإلا فإن المجلس سيفوض استخدام كافة الوسائل لإجبار العراق على الإنسحاب، مما يعني شرعنة إستخدام القوة. إرتفعت الأيدي المؤيدة لمشروع القرار فكان 12 يدا مؤيدة للمشروع ثم طلب رئيس المجلس من المعترضين على القرار فارتفعت يدان إثنتان: اليمن وكوبا ثم سأل الرئيس من يريد أن يمتنع عن التصويت فارتفعت يد المندوب الصيني فقط. إعتمد القرار 678 والذي أجاز إستخدام القوة ضد العراق. وبحكم الترتيب الأبجدي كان مندوب اليمن المرحوم عبد الله الأشطل يجلس بجانب الأمريكي توماس بيكرنغ، فقال له بعد رفع يده ضد مشروع القرار «إن هذا التصويت ب «لا» سيكون مكلفا جدا وسيدفع اليمن ثمنا باهظا بالمقابل». لم يكن المندوب الأمريكي يعرف أن الميكروفون كان مفتوحا فسمع التهديد كل من في قاعة المجلس المكتظة بالحضور وتعالت همهمات من الضحك والاستهجان والتعجب.
كان الرئيس علي عبد الله صالح آنذاك يحاول أن يلعب دور البطل القومي الذي أنجز وحدة شطري اليمن في شهر أيار/مايو من العام نفسه. كما أخذ موقفا متضامنا مع العراق بل وراح يطلق تصريحات لتحرير فلسطين والانتفاضة الأولى في أوجها معلنا أنه سيكون أول المتطوعين عند زحف الملايين التي ستحرر كل شبر في فلسطين. جاءت الردود على مواقفه من العراق باهظة الثمن. قامت السعودية بطرد نحو مليون يمني، وألغت الولايات المتحدة العديد من العقود والمساعدات المالية ودخلت البلاد بعدها حالة من التراجع الاقتصادي الخطير أدى مع حلول عام 1994 إلى انفجار الأوضاع الداخلية في شبه حرب أهلية حيث حاول الجنوب أن ينفصل عن الشمال بدعم وتسليح وتشجيع خليجي. صحيح أن محاولة الانفصال أفشلت بالقوة المسلحة إلا أن الرئيس صالح قرر أن يغير إتجاهه تماما ويقدم نفسه حاميا للمصالح الأمريكية والخليجية وجزءا من حرب أمريكا على الإرهاب وخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001. مقابل هذا التحول سكت الجميع عن فساده الذي لا حدود له وعن ترتيب الأوضاع لتوريث إبنه أحمد وعن تسليم مفاصل الدولة لأقاربه. شعر وقتها أن وضعه قوي فتراجع عن الوعد بعدم ترشيحه وأجرى إنتخابات شكلية عام 1999 إنتخب فيها رئيسا لفترة خمس سنوات ثم مددها لسبع سنوات عام 2001 ثم وعد ألا يترشح ثانية لكنه حنث بوعده ورشح نفسه مرة أخرى للرئاسة عام 2006 وكان من المفروض أن يعيد ترشيح نفسه عام 2011 بعد أن ألغى تحديد عدد مرات الترشيح للرئاسة كي يبقى مدى الحياة ويسلم كرسي الرئاسة لابنه من بعده.
تتناوب على اليمن مصائب عديدة إقتصادية وأمنية وسياسية وطائفية تعمل معا للهبوط بالدولة إلى أدنى درجات السلم على المؤشر العالمي للتنمية البشرية، حيث احتل اليمن قبل ثورة 2011 المرتبة 145 على جدول مؤشر التنمية البشرية ومصنف من بين الدول الأقل نموا. فالركود الإقتصادي الذي أصاب اليمن في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بسبب الإضطرابات الداخلية بدأ يعمل على تفكيك القوة المركزية وزيادة تشقق جسد الوطن مما أتاح لأكثر من جهة أن تفرض أجندتها على مجمل الوطن وخاصة المكون الحوثي في الشمال والذي ظل يشعر بالتهميش والحراك الجنوبي الذي بدأ يبلور برنامج الانفصال وإعادة دولة اليمن الجنوبي ثم تسلل تنظيم القاعدة.
1. حراك الحوثيين في صعدة
بدأ الحراك الحوثي في منطقة صعدة في حزيران /يونيوعام 2004 عندما قاد حسين بدرالدين الحوثي، زعيم الشيعة الزيدية المعتدلة، إنتفاضة ضد الحكومة المركزية نتيجة الإهمال والتهميش والتمييز. وكانت انتفاضة مطلبية لا أحد يفكر أو يدعو للانفصال، لكن التعامل مع الحراك بالقوة، كما قرر صالح بتشجيع من دول الجوار، أدى إلى تفاقم المشكلة وفتح ثغرة في جدار الوحدة الداخلية تسللت منه إيران لتؤجج الصراع وتقوم بتسليح الجماعة مما دفع بعض دول الخليج للتحالف مع صالح في نزاعه مع الحوثيين وبالتالي تحول النزاع إلى منافسة إقليمية سرعان ما خرجت من أيدي اللاعبين الخلفيين. فالدعم السعودي المالي والعسكري لحكومة صالح لقمع تحرك صعدة السلمي حول الحراك من حركة إحتجاجية سلمية إلى حركة تمرد مسلح. لكن بعد إسقاط صالح في شباط/فبراير 2012 عاد ليقيم الجسور مع الحوثيين ويعقد معهم صفقة مشبوهة لإسقاط حكومة عبد ربه منصور هادي الشرعية. فالدعم الإيراني بالسلاح ووحدات الجيش المنظمة بالإضافة إلى ميليشيات الحوثيين التي إكتسبت خبرة في ميادين القتال سهل عملية قضم اليمن إبتداء من صعدة وصولا إلى عدن.
الدعم الإيراني للحوثيين بالسلاح أمر مثبت في تقارير الأمم المتحدة وخاصة بعد ضبط سفينة إيرانية باسم «جيهان» بتاريخ 23 كانون الثاني /يناير 2013 محملة بأسلحة حديثة وفتاكة من بينها صواريخ ومعدات متطورة. وقد ساهمت قوات البحرية الأمريكية باكتشاف السفينة واحتجازها وقامت بتسليمها لقوات خفر السواحل اليمنية. وقد أدان مجلس الأمن الدولي هذه الحادثة وأرسل فريقا من الخبراء للتحقيق وأكدت النتائج أن إيران وراء تلك العملية وعمليات أخرى غيرها منها سفينة جيهان 2 والتي ضبطبت أيضا في آذار/مارس 2013 ليتبين نتيجة التحقيق أن إيران تسلح الحوثيين منذ عام 2009.
2. تنظيم القاعدة
من بين التحديات التي واجهها اليمن في العقد الأخير إنتشار عناصر القاعدة التي استغلت ظروف تفجر الثورة الشعبية العارمة ضد نظام المخلوع صالح فبسطت سيطرتها في أيار /مايو 2011 على أجزاء من المحافظات الجنوبية الفقيرة مثل أبين وخاصة عاصمة الولاية زنجبار ومدينة جعار وكذلك مدينة عزان بمحافظة شبوة. وبعكس تصرفات تنظيم القاعدة في كل مكان، أنشأ التنظيم ميليشيا جماهيرية تحت إسم «أنصار الشريعة» كما جاء في تسجيل لعادل العباب المنظر الديني لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، نشر بتاريخ 22 نيسان/أبريل 2011. لقد حاول التنظيم أن يكسب قلوب الناس وذلك عن طريق تقديم الخدمات ثم استمال بعض رؤساء القبائل مثل الشيخ طارق الذهب زعيم قبيلة «قيفة» المرتبط بأنور العولقي برابط المصاهرة. إن التحدي الذي يشكلة «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» والذي جذب إليه عام 2009 عناصر التنظيم في المملكة العربية السعودية وجذر وجوده ووسع إنتشاره في المحافظات الأفقر في اليمن بحاجة إلى حل سياسي قبل الحل العسكري. فالاستقرار والتنمية وخفض نسبة البطالة والمشاريع التنموية والتوجيه والتعليم هي الحلول الأنجع على المستويين المتوسط والبعيد. ومن الملاحظ أن عناصر القاعدة تحاول أن تلعب دورا خفيا صامتا في الصراع الحالي بين الحوثيين وكتائب علي عبد الله صالح من جهة والمقاومة الشعبية الجنوبية وأنصار شرعية عبد ربه منصور خادي من جهة أخرى لتستفيد من تناحر الأضداد وكأن لسان حالها يقول: إقتلوا بعضكم بعضا لأرث الجميع.
والذي فاقم الوضع في المناطق التي تسيطر عليها القاعدة عمليات القصف الأمريكي عن طريق طائرات الدرون (بدون طيار) والتي كثيرا ما تقتل المدنيين وتدمر أملاكهم. لقد تقصت «هيومان رايتس ووتش» أكثر من 22 عملية قصف أمريكي بالدرون التي أدت إلى مقتل بين 72 و 139 شخصا لا أحد يعرف كم من عناصر القاعدة من بينهم لكن المنظمة وجدت أن من بين ست عمليات إستهداف بين عامي 2009 و 2012 إثنتان غير شرعيتين ولا تتمتعان بأدنى غطاء قانوني وتتسم العمليات بعدم التمييز بين ما هو مدني وما هو عنصر إرهابي ولا تنضبط لقوانين الحرب.
3. الحراك الجنوبي
الحراك الجنوبي والقائم أساسا على أرضية الانفصال والعودة إلى أسلوب الدولتين المتجاورتين كما كان الحال عليه بين عامي 1967 و1990 بدأ مبكرا وخاصة بعد المجازر التي إرتكبتها قوات صالخ عام 1994. ولقد بنيت وحدة شطري اليمن على أساس التراضي والقناعة وليس الفرض والقهر، وعلى أرضية الاحترام والمساواة في الحقوق والواجبات وليس التمييز والاستعلاء والتهميش.
لقد بدأ الحراك الجنوبي يأخذ شكلا منهجيا منذ عام 2004 واتسع ليشمل كافة محافظات الجنوب الست (عدن، شبوة، أبين، حضرموت، ولحج والمهرة) وأصبح الانفصال القاسم المشترك بين نشطاء الحراك. لكن التقدم الحوثي الأخير وحصار عدن وضع كافة أبناء الجنوب في مواجهة خطر داهم وتأجيل حراك سلمي لوقت آخر. لقد تحولت عدن مؤقتا إلى مركز لرمزية الدولة الشرعية المتآكلة وأصبح إنهيارها ممكنا حتى بعد إطلاق «عاصفة الحزم» السعودية لوقف التقدم الحوثي لكنها لم تنجح لغاية الآن بل على العكس زادت معاناة الناس الإنسانية بشكل خطير.
اليمن على جدول أعمال الأمم المتحدة – أين الحظأ؟
بعد إنطلاق ثورات الربيع العربي تعاملت الأمم المتحدة مع كل حالة على حدة دون أن يكون هناك مسطرة واحدة تقاس المواقف على أساسها. ففي الوقت الذي فوض مجلس الأمن في قراره 1973 تدخل الناتو في ليبيا ظل مترددا في مسألة الثورتين التونسية والمصرية، وبالنسبة لثورة البحرين ظلت المسألة تدور حول حقوق الإنسان وضروة الحوار بين الحكومة والمعارضة. أما في سوريا فقد إنعكست المواقف الأمريكية والعربية على تصريحات الأمين العام وراح يدين إستخدام النظام للقوة ويطالب بوقف العنف والدخول في حوار جدي مع المعارضة من أجل بناء سوريا الجديدة التي تلبي مطالب الشعب في الحرية والكرامة. وفي بداية عام 2012 بدأ الأمين العام يتعامل مع حقيقة بقاء النظام حيث عين كوفي عنان مبعوثا خاصا لإيجاد حل سياسي للأزمة التي بدأت تنزلق نحو صراع مسلح. في المسألة اليمنية بقي مجلس الأمن متابعا للأزمة منذ بدايتها حيث أصدر ثلاثة بيانات صحافية (24 يونيو و9 أغسطس و 24 سبتمبر) وثلاثة بيانات رئاسية (15 فبراير 2013 و 29 أغسطس 2013 و 22 مارس 2015) وخمسة قرارات: 2014 (21 أكتوبر 2011) والقرار 2051 (2012) و 2140(2014) و 2201 (2015) و2204 (2015) وأخيرا 2216 (2015). وقد صدر القراران 2140 و 2216 تحت الفصل السابع. كما أن الأمين العام عين جمال بنعمر مستشارا له حول اليمن في أبريل 2011 ثم ثبت تعيينه بإقرار من مجلس الأمن برتبة مساعد أمين عام في الأول من أغسطس 2012. جميع هذه القرارات إعتمدت بالإجماع إلا القرار 2216 فقد إختارت روسيا أن تمتنع عن التصويت.
نستطيع أن نجمل ما ورد في هذه القرارات والبيانات الرئاسة والصحافية في مجموعة نقاط أساسية:
– إدانة قتل المدنيين والاستخدام المفرط للقوة ومطالبة كافة الأطراف اليمينة بالاتفاق على تسوية قائمة على أساس مبادرة مجلس التعاون الخليجي لبدء عملية الانتقال السياسي السلمي للسلطة.
– إستخدام القوة لفرض التغيير مرفوض.
– الإقرار بأن الرئيس الشرعي لليمن هو الرئيس عبد ربه منصور هادي وجميع مؤسسات الدولة خاضعة للشرعية.
– إدانة ما يقوم به الحوثيون من الاستيلاء على المؤسسات وحجز الرئيس والوزراء وضرورة إخلاء المعسكرات التي سيطروا عليها وإلغاء الإعلان الدستوري وكافة الإجراءات التي فرضت بالقوة.
– الحل الصحيح هو الحوار بين كافة أطراف المعادلة اليمنية لتنفيذ المبادرة الخليجية وآليات التنفيذ الملحقة بها ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاقية السلم والشراكة.
– كل من ينتهك سيادة اليمن ويزعزع الاستقرار ويقوض وحدته يصبح هدفا لوضعه على قائمة العقوبات.
– تعيين فريق خبراء مختص بمراقبة منتهكي القرارات ومعطلي العملية السلمية الانتقالية لإدراج تقاريره للجنة العقوبات المنبثقة عن القرار 2140 – وقد أدرجت خمسة أسماء على القائمة هم الأخوان عبد الملك وعبد الخالق الحوثي وعبد الله يحيى الحكيم وعلي عبد الله صالح وابنه أحمد.
– التعبيرعن قلقه لوجود تنظيم القاعدة في اليمن.
– التعبير عن القلق إزاء الأوضاع الإنسانية المتردية في اليمن.
لقد أدين الحوثيون بالإسم في أكثر من قرار وبيان وطالبهم المجلس بالعودة إلى طاولة المفاوضات من أجل إيجاد صيغة يتوافق عليها اليمنيون. فحسب القرارات فإن الحوثيين ملزمون بعدم الاستيلاء على المؤسسات الحكومية وما تبع ذلك من حل السلطة التشريعية الممثلة في البرلمان واستخدام السلاح وهم ملزمون على الفور بالمشاركة بحسن نية في المفاوضات القائمة بوساطة الأمم المتحدة، وملزمون أيضا بسحب قواتهم من المؤسسات الحكومية بما فيها الواقعة في العاصمة صنعاء وإعادة الحالة الأمنية إلى طبيعتها في العاصمة والمحافظات الأخرى، وفك سيطرتهم على المؤسسات الحكومية والأمنية والإفراج عن المحتجزين والمخطوفين والعمل على تنفيذ الاتفاقات التي أبرمت معهم وبمشاركتهم.
المفارقة أن قرارات المجلس لم يتم إحترامها كما أن المستشار الخاص للأمين العام والمكلف بمراقبة تنفيذ هذه القرارات والعمل على إيصال الفرقاء المتنازعين إلى تسوية سلمية لم يعلن إحتجاجه على انتهاك تلك القرارات المتواصل. مسؤولية مندوب الأمين العام أن يلتزم بمرجعية قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وليس للرأي الشخصي مكان. وكل ممثل للأمين العام مكلف باتباع المرجعية التي يتحرك في إطارها فإن إختلفت مع قناعاته يقدم إستقالته فهل إستقال دينيس هاليدي من منصبه في العراق لأنه كان يعترض على العقوبات التي دمرت الشعب العراقي كما إستقال بعده من المنصب فان سبونك وكما إستقال ألفارو دي سوتو وجيمس ولفنسون من مهامهم في غزة عندما إكتشف هؤلاء أن تفويض مجلس الأمن يتعارض مع قناعاتهم الشخصية. أما أن تؤخذ القرارات ويتم انتهاكها نهارا جهارا ثم يتم التغاضي عن هذه الانتهاكات وكأن الأمور طبيعية فهذا ما لا يمكن تبريره وخاصة بعد الاستيلاء على العاصمة صنعاء بتاريخ 21 ايلول/سبتمبر 2014.
والنقطة الثانية أن مجلس الأمن نفسه لم يتابع مسألة تنفيذ القرارات وكأن المقصود من القرارات إعتمادها فقط. لذلك نشعر أن مجلس الأمن خذل اليمن والأمم المتحدة كلها خذلت اليمن والمستشار الخاص للأمين العام خذل اليمن. ولذلك نستطيع أن نرى إلى أين وصل اليمن وهو على وشك الانهيار من الناحية الإنسانية بسبب نقص المواد الغذائية والطبية ومن جهة أخرى نرى أن «عاصفة الحزم» لم تأت ثمارها ولن تحسم المعركة على الأرض لأن أزمة اليمن وتعقيداتها لا يمكن أن تحل بالطرق السلمية البسيطة.
وكان الله في عون اليمن بلدا وشعبا.
عبد الحميد صيام