الدوحة – «القدس العربي»:الدعوة التي وجهها اليمن لمجلس الأمن الدولي عبر مندوبه الدائم في الأمم المتحدة خالد اليماني للتأكيد على أهمية تدخل المجتمع الدولي بريا في البلاد وتوفير الغطاء القانوني لمثل هذا التحرك، تشكل تحديا صعبا لقوات التحالف الدولي التي تقود منذ أزيد من شهر عمليات جوية مكثفة ضمن «عاصفة الحزم».
احتمال شن عملية برية في اليمن من قبل قوات التحالف والتي قد تنضم إليها رسميا دول أخرى في محور شامل، سيكون مقترنا بعمل استخباراتي واسع يعادل من ميزان قوى هذا المحور، ويضمن انتشارا ميدانيا آمنا من دون مآزق. وقد تعترض مسار القوات المشاركة عقبات عدة وهي التي تجابه عدوا لديه خبرة ودراية عميقة بحرب العصابات وتمرس عليها لأزيد من عشر سنوات وخاض خمس حروب متوالية (الحوثيون)، مع خصم أصبح الآن حليفا (القوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح ومن يناصره من القبائل) لديه ترسانة عسكرية متنوعة تشرف عليها عناصر معززة بخبرة ميدانية تتميز بولاء مطلق لقياداتها واكتسبت مهارات في التعاطي مع الحروب غير التقليدية. التضاريس اليمنية الصعبة بدورها تفرض تحديا آخر على قوات التحالف ما يجعل حسم التدخل البري أمرا صعبا وفي غاية الخطورة ولم يحظ حتى الآن بالإجماع ويعتبره بعض القادة مغامرة غير محسومة وتقف على حافة حقل ألغام من شأنه أن يؤثر على معنويات المشاركين في الحملة. لا تزال قيادات التحالف المشاركة في «عاصفة الحزم» تتحاشى الإعلان بشكل رسمي عن انطلاق عملية برية في اليمن بالرغم من تسرب بعض الأنباء عن عمليات إنزال لجنود ومعدات على تخوم مدينة عدن. ولا تزال قوات الحوثيين وأنصارهم تسيطر على أجزاء معتبرة من المدينة الاستراتيجية بالرغم من القصف الجوي لطائرات التحالف التي استهدفت الدفاعات الجوية لقوات علي عبد الله صالح والألوية التي يشرف عليها ودمرت مخازن أسلحته.
حرب عصابات
تتجاذب قيادة «عاصفة الحزم» نزعتان لم ترسم واحدة منهما دربها بشكل واضح لتكون النهائية في إدارة الحرب الحالية لتحقيق أهدافها كاملة. ويرى أحد التيارات أن العمليات الجوية والقصف المتواصل لتدمير القدرات الدفاعية للحوثيين ونسف مخازن أسلحتهم ومنع تحركاتهم لتشتيت قواهم يمكن أن تحقق بعد فترة وجيزة المهام المحددة. ويستند هذا التوجه إلى تجارب عدة شكلت فيها الضربات الجوية محور الحرب من دون الحاجة إلى التدخل البري مثلما حدث مع قوات الزعيم الليبي السابق معمر القذافي سنة 2011 الذي انهارت بسرعة. وقبله اضطر الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش إلى الاستسلام بعد تعرضه لضربات جوية من حلف شمال الأطلسي (الناتو). غير أن من ينسفون هذه النظرية يستندون إلى تجارب مقابلة لم يحقق الحصار الجوي أي نتائج تذكر فيها بل ساهم في تدمير البنى التحتية من دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية. كالحروب التي قامت بها القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحديدا في غزة حيث ظلت «حماس» محافظة على قدراتها بالرغم من طول أمد المعارك. والمعارك التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وضد مسلحي تنظيم القاعدة. أو حتى عملياتها في أفغانستان في حربها طويلة الأمد مع حركة طالبان.
جيوش احترافية في مواجهة قوات غير نظامية
التيار المتخوف من التدخل البري في اليمن ينطلق من خطورة الوضع ميدانيا، فميزان القوة سيكون في مراحله الأولى حسب هذه القراءة لصالح الحوثيين وحلفائهم. وجيش التحالف سيجد نفسه في مواجهة قوات غير نظامية لها قدرة على التحرك بسرعة وبنجاعة والميدان يلعب لصالحها مع إمكانيات المناورة لتمرسها في حرب العصابات. ويرى الخبراء أن قيادات الجيوش النظامية تخشى دوما من المواجهات غير التقليدية لعدم تكافؤ الفرص واختلاف الأساليب بلجوء الخصم إلى المعارك الصغيرة ذات الأهداف الإستراتيجية التي يحدد هو توقيتها ويستدرج إليها في المكان المحدد العناصر المناوئة. ويستعيد أصحاب هذه المقاربة تجربة القوات المصرية في حرب 1962 في اليمن التي عانت من هذا الأسلوب في المعارك (حرب العصابات) وتكبدت نتيجة لذلك خسائر فادحة نتيجة تمركز الخصم في مناطق محورية زارعا حوله ألغاما حصدت أرواح جنوده.
أهمية استراتيجية في بيئة صعبة
الأهمية الاستراتيجية التي يشكلها اليمن لدول المنطقة ولأمنها الداخلي خصوصا دول الخليج تأتي إنطلاقا من موقعه الحيوي. ويعتبر البلد البوابة الجنوبية لمدخل البحر الأحمر، ويتحكم في الممر الذي يصله بالمحيط الهندي حيث يمر عبر باب المندب يومياً أزيد من ثلاثة ملايين برميل نفط، بما نسبته 4 في المئة من الطلب العالمي على هذا المورد. وتمر عبره نحو عشرين ألف سفينة سنوياً، بما يعادل عشرة في المئة من الشحنات التجارية العالمية. كما تحتضن منطقة خليج عدن كلاً من البحر الأحمر والمحيط الهندي وتتحكم كذلك في طرق الملاحة البحرية المؤدية إلى آسيا، بما يجعله العنصر الأساسي لأمن المنطقة واستقرارها، ولضمان استمرار تدفق الثروة النفطية من دون مشكلات أو معوقات عسيرة. الميزة التي يتمتع بها باب المندب وأهميته ومحوريته والتي جعلته يحتل المرتبة الثالثة عالميا وموقعه الاستراتيجي ضاعفت في الوقت نفس من صعوبة مهمة قوات التحالف المشاركة في عاصفة الحزم بسبب انتشار عدد من الجزر البحرية في مياهه الإقليمية على امتداد بحر العرب، وخليج عدن، والبحر الأحمر. هذه الصعوبة للتحكم في باب المندب هي امتداد لموقع اليمن الجغرافي المهم والاستراتيجي بما يعادله من عمق جبلي وتضاريس تشكل خطورة على أي قوات تقوم بعمليات إنزال فيه للسيطرة على محاوره الاستراتيجية. ويأـتي ذلك وسط فوضى عارمة يعيشها اليمن الذي يعاني من انعدام الأمن وانتشار السلاح بكميات كبيرة ووجود العديد من التنظيمات المسلحة مما يشكل خطورة على القوات البرية على أرض الميدان التي ستجد نفسها في مواجهات مفتوحة مع أطراف عدة ويزيد الأمر من صعوبة مهامها. وزاد من تعقيد الأمر إحجام باكستان عن المشاركة في العملية والتي يملك جيشها إرثا كبيرا في التعامل مع وضعيات مشابهة في إطار حربه على الإرهاب ووجود تضاريس صعبة لا تختلف كثيرا عن اليمن.
توسع دائرة التحالف
على خلاف المقاربة الأولى التي تبدي مخاوف من أي تدخل بري في اليمن يشعر أنصار التيار المقابل أي الداعين إلى ضرورة تعزيز العاصفة بعمليات برية بالارتياح على إثر التطورات الأخيرة التي سجلها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن بانضمام لاعبين جدد وأنباء عن قرب إعلان استقطاب دول أخرى لها ثقل استراتيجي من شأنه أن يغير من المعادلة. وبإعلان وزير الخارجية السنغالي مانكير ندياي إن بلاده سترسل 2100 جندي إلى المملكة العربية السعودية للإنضمام إلى التحالف الذي تقوده، بدأت ملامح خريطة جديدة للحلف ترتسم في الأفق. ويأتي ذلك في وقت تتسارع فيه الأنباء عن الإعلان الوشيك لإرتيريا إنضمامها إلى التحالف على إثر الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيسها أفورقي أسياس إلى الرياض والحفاوة الكبيرة التي استقبل بها. وتأتي أهمية هذا التطور من كون أسمرا كانت إلى وقت قريب محسوبة على الحلف الإيراني وتربطها بطهران علاقات متينة وبما كان ذلك سيشكل من متاعب لقوات التحالف لأهمية موقعها. وتتمتع إريتريا بجيش مدرب يتجاوز تعداده 200 ألف جندي وقوات بحرية مدربة وهناك شبه كبير بين جغرافية اليمن وإريتريا.
جيبوتي نقطة ارتكاز محورية
وجيبوتي التي تبادل دول التحالف علاقات ودية وتملك فيما الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا قواعد عسكرية، تذهب التوقعات إلى أنها ستكون نقاط ارتكاز محورية في أي عملية برية لما يمكن أن تساهم به من عمل استخباراتي سيكون له تأثير حاسم في أي معركة مقبلة. وتقدر المسافة بين جيبوتي وبين ميناء عدن بحوالي 240 كلم، وتوجد بها حاضنة شعبية رافضة للحوثيين.
سيناريوهات
ومن المحتمل حسب الظروف والمعطيات الحالية أن يحقق التدخل البري في حال تم اتخاذ قرار بشأنه عبر خطة متكاملة وشاملة تستند على غطاء جوي شامل، إيجاد منطقة عازلة تمنع قوات الحوثيين وحلفائهم من التحرك بعد تدمير شامل لمقدراتهم الدفاعية ومخازن أسلحتهم مع استهداف تجمعاتهم. ويتبع هذه الخطوة توغل قوات خاصة عبر الموانئ المتعددة عن طريق الهبوط بطائرات الهليكوبتر في عدن والمدن المجاورة لها مع دعم بحري بالقطع التي سيتم نشرها على طول السواحل اليمنية لمنع أي عملية تسلل أو محاولة جلب تعزيزات وإمدادات عن طريق البحر. وتعول الخطة المحتملة على عمل استخباراتي شامل تقوم به العناصر الميدانية والشبكات العاملة في جيبوتي والتي جمعت كمية من المعلومات حول تحركات الحوثيين وعناصرهم وقامت بتحليلها لتستفيد في الأخير من صور بالأقمار الصناعية ستزودهم بها الاستخبارات الأمريكية من خلال العناصر الرابضة في معسكر ليمونير في جيبوتي.
وستحدد التطورات المقبلة شكل المعادلة الحقيقية في اليمن وما ستفضي إليه نتائج العمليات المتواصلة والتي لن تختفي من أجندتها طاولة المفاوضات التي ستكون لها الكلمة في إنهاء الأزمة وإعادة زرع الأمل في اليمن السعيد.
سليمان حاج إبراهيم