القاهرة ـ «القدس العربي» : أثار مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد التي تناقشه اللجنة التشريعية في البرلمان المصري، تمهيدا لإقراره في دورة الانعقاد المقبلة التي تبدأ في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، غضب المحامين في البلاد.
وفي محاولة للتصدي لما اعتبره المحامون تهديدا لمهنتهم ومساسا لحقوق جوهرية للدفاع مستقرة بموجب الدستور والمواثيق الدولية وتوسع في سلطات الضبط والتحقيق والمحاكمة على حساب حق الدفاع، عقدت نقابة المحامين اجتماعا عاجلا أمس الأول الإثنين، بحضور مجلس النقابة العامة ونقباء النقابات الفرعية، لبحث مشروع القانون.
نصوص مخالفة للدستور
وقالت النقابة في بيان أصدرته عقب الاجتماع، إن مشروع القانون أعاد صياغة بعض من نصوص القانون الحالي المخالفة دستوريا، وتتنافى مع اعتبارات وأسس العدالة ولم يتضمن تعديلات تخص التأكيد على كفالة حق الدفاع بالوكالة المقرر دستوريا، واستمرار وجوب حضور المتهم بشخصه في بعض درجات التقاضي.
وزادت النقابة: لم يتضمن المشروع أي تعديلات على النصوص التي تمنح لسلطة التحقيق حق إجراء التحقيق بغير حضور محام، والحق في حجب أوراق التحقيق عن المحامي، لدرجة حرمانه من الحصول على صور من الأوراق بذريعة الضرورة والاستعجال، وغيرها من الذرائع التي لا ضابط لها.
ولفت إلى أن مشروع القانون أعاد صياغة ذات النصوص التي تجيز لسلطة التحقيق ندب مأمور الضبط القضائي لمباشرة إجراءات التحقيق، ومنها استجواب المتهم في بعض الحالات.
وتناول البيان، كيف كرس مشروع القانون ذات النصوص التي تقصر حق الطعن على الأحكام الجنائية على النيابة العامة، وحرمان المجني عليه والمدعي بالحق المدني من ذلك الحق.
وانتقد البيان، ما تضمنه مشروع القانون من حق محكمة الجنايات بدرجتيها من إقامة الدعوى الجنائية على كل فعل يقع خارج الجلسة، وترى المحكمة في تقديرها أن من شأنه الإخلال بأوامرها أو بالاحترام الواجب لها أو التأثير في قضاتها أو في الشهود دون تحديد نطاق محدد لمكان وزمان ارتكاب الجريمة ما يوسع من اختصاص المحكمة بالمخالفة لأصول المحاكمات الجنائية.
الإخلال بحق الدفاع
وحسب بيان النقابة، فإن مشروع القانون كرس الإخلال بحقوق الدفاع في عدد من المواد بإلغاء حق المحامي في إبداء ما يعن له من دفوع أو طلبات أو ملاحظات في محضر التحقيق، ومنح الحق لعضو النيابة بمنع المحامي من الكلام في صياغة أقل ما توصف به أنها تفتقر للذوق التشريعي، ما يمثل مساساً بقيمة رسالة المحاماة وتنطوي على مساس بحقوق الدفاع لجعل ذلك رهينا بالإذن من قبل عضو النيابة العامة القائم على التحقيق.
وتضمن مشروع القانون، وفق النقابة، إساءة معنوية لرسالة المحاماة فيما نص عليه من إجراءات خاصة تتخذ ضد المحامي في جرائم الجلسات، فضلا عن عدم انضباط وفساد صياغته بما قد يقود إلى إعاقة عمل المحامي بذريعة الإخلال بنظام الجلسة.
وتحدث البيان عن استحدث المشروع نص يسمح بإخفاء شخصية الشاهد وبياناته بما يتنافى مع اعتبارات العدالة، بالاعتماد على شهادة شخص مجهل ويصدر الحكم متسانداً عليه بوصفه دليلا في الدعوى.
ولفت إلى مشروع القانون اعتبر الأحكام الصادرة غيابياً في الجنح في حق المتهم حضورية، على سند من إعلان المتهم بوسائل الاتصال الحديثة، وبما لا يتناسب مع الواقع العملي وما يحدث من تلاعب في إعلان المتهم لحرمانه من العلم بتاريخ الجلسة.
إخفاء شخصية الشاهد
وأشار إلى أن ممثل النقابة في اللجنة الفرعية لمجلس النواب، أبدى أثناء المناقشات باللجنة الفرعية اعتراض النقابة على النصوص المعيبة، غير أنه فوجئ بعرض المشروع بذات أوجه العوار على لجنة الشؤون التشريعية والدستورية.
قالت إنه يتنافى مع أسس العدالة ويهدد المهنة… وخالد علي يعتبره «كارثة»
النقابة، قررت إعداد مذكرة تفصيلية عاجلة بالنصوص المعترض عليها مقارنة بنصوص القانون الحالي، وما شابها من مخالفات دستورية، والمقترحات البديلة بشأن التعديل والحذف والإضافة، على أن تسلم المذكرة رسمياً إلى رئيس مجلس النواب، ورئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية.
وبقي مجلس النقابة العامة والنقباء الفرعيين، في حالة انعقاد دائم لمتابعة الموقف واتخاذ ما يلزم من إجراءات وقرارات في ضوء ما سيجري من اتصالات ومشاورات بشأن المذكرة التي سيجري رفعها.
وتحت عنوان «أوقفوا القانون الكارثة» كتب المحامي الحقوقي خالد علي، عدة منشورات على «فيسبوك» تناول فيها بعض من أزمات القانون.
هدر مبدأ المواجهة
وقال علي «من المفترض أن الحكم الغيابي، يظل غيابياً ولا يرتب آثار إلا استحقاق القبض على المتهم، وعند القبض عليه يقوم بالتوقيع على أوراق إعادة الإجراءات أي إعادة المحاكمة، وما أن يوقع على تلك الأوراق يصبح الحكم الغيابي والعدم سواء لأن المتهم لم يعلم به، ولم يتمكن من الدفاع عن نفسه، وينتظر المتهم المحاكمة الجديدة والتي ينفذ حكمها في مواجهته بكافة آثاره».
المشروع الجديد، حسب علي «يهدر مبدأ المواجهة وهو أحد أهم أركان المحاكمة العادلة والمنصفة (أي أن يواجه المتهم بالتهم المنسوبة إليه وأدلتها ليتمكن من تقديم دفاعه والرد عليها)».
وبين أن المشروع الجديد ينص على أن الحكم الغيابي يترتب عليه حرمان المتهم من التصرف في أمواله أو إدارتها، وحرمانه من رفع دعاوى قضائية باسمه، وكل تصرف أو التزام قام به أو التزم به يقع باطلاً من نفسه، ما يسبب أضرار للغير حسن النية الذي تعامل مع المتهم الذي صدر ضده حكم غيابي».
كما ينص القانون على «قيام المحكمة الابتدائية الواقع في دائرتها أموال المتهم بناء على طلب النيابة أو ذوي المصلحة بتحديد حارساً قضائياً لإدارتها، وعلى أن ينفذ من الحكم الغيابي كل العقوبات التي يمكن تنفيذها».
وواصل: «من أهم أزمات مهنة المحاماة وحقوق الدفاع أن بعض النيابات كانت تمتنع عن إطلاع المتهم ومحاميه على التحقيقات قبل استجواب المتهم، ولطالما حدثت مشاحنات بين المحامين وأعضاء النيابة حول هذا الأمر، وبدلاً من قيام المشروع بحسم هذا الخلاف والنص على إلزام النيابة بتمكين المتهم ومحاميه من هذا الحق، قام المشروع بتحصين العكس تماما حيث أتاح لعضو النيابة عدم تمكين المتهم ومحاميه من الاطلاع على التحقيقات قبل الاستجواب».
وزاد: «دور المحامي هو الدفاع عن المتهم، وحتى يتمكن من أداء هذا الدور لابد من كفالة حقه في الحصول على صورة من التحقيقات قبل انتهائها، وصورة من كامل القضية عند انتهاء التحقيقات وإحالة المتهم للمحاكمة، وبعض الدوائر وخاصة في الجنح كانت تكتفي بأن تمنح المحامي حق الاطلاع فقط حتى لو كانت أوراق القضية تربو على 1000 ورقة، وهو سلوك يهدر قواعد العدالة المفترضة».
كذلك، قال نقيب المحامين السابق سامح عاشور، إن ما حذر منه قبل 4 سنوات، يحدث الآن، بعد أن انتهينا في عام 2019 من إتمام التعديلات التشريعية في قانون المحاماة لتمكين المحامين من أداء مهامهم وواجباتهم وأداء دورهم في حق الدفاع، حذرنا أن هذه النصوص الموجودة في قانون المحاماة بالرغم أنها محمية من الدستور وأدواته إلا أنها تحتاج إلى ترجمة في قانون الإجراءات الجنائية، وعلى نقابة المحامين أن تبادر بتصحيح ما هو قائم في الإجراءات الجنائية بما يتناسب مع الدستور، وليس فقط قانون المحاماة.
إيجابيتان
واستعرض في فيديو نشره على صفحته على «فيسبوك» إيجابيات مشروع قانون التعديلات الجنائية وحصرها في أمرين: الأول متعلق بالحبس الاحتياطي ووضع سقف زمني له بغض النظر عن علة هذا السقف في التشريع، والثاني متعلق بتمكين المتهمين في الجنح التي يجوز الحبس فيها من وجوب وجود محامي معهم سواء بالوكالة أو بالندب.
ورغم ذكره لهذين الإيجابيتين، وصف نقيب المحامين مشروع القانون بـ«السيئ» مبررا ذلك، أنه تضمن تعديلات أصابت المحاماة والمحامين بل وأصابت كفالة حق الدفاع بضربة شديدة لو تمت لأعجزت المحاماة والمحامين عن أداء مهامهم تماماً.
واعتبر أن بعض نصوص مشروع القانون ضربت الدستور في مقتل.
وقال: نصت المادة 63 من مشروع قانون التعديلات الجنائية على: «يجوز لعضو نيابة من درجة مساعد نيابة على الأقل أن يندب أحد مأموري الضبط القضائي للقيام بعمل معين أو أكثر من عمل للتحقيق بعد استجواب المتهم».
كذلك، قال المحامي منتصر الزيات، إن بعض مواد مشروع القانون تنال من قدر وقيمة المحاماة، وتكرس وتقنن إجراءات غير دستورية مع المتهمين أمام جهات الضبط والتحقيق تحدث في الواقع.
وأضاف في فيديو على «فيسبوك»: من الواضح أن هناك أحدا في الدوائر يستهدف التقليل من قيمة المحاماة، مطالبا باستغلال توجيه رئيس البلاد للحكومة بشأن الأخذ بتوصيات الحوار الوطني الخاصة بالحبس الاحتياطي، كمدخل لتعديل مشروع القانون.