نيويورك تايمز: ترامب يرى عالما يحترق ويلوم بايدن وهاريس على مفاقمة مشاكله وينسى أنهما ورثا الأزمات منه

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده ديفيد إي سانغر، قال فيه إن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يتحدث عن عالم يحترق، لكنه يلوم الرئيس جو بايدن على أزمات العالم، متناسيا أن الرؤساء الأمريكيين يرثون عالما يمشي سريعا نحو التاريخ. فأحداث العالم، كما يقول، لم تكن لتشتعل لو بقي في البيت الأبيض.

ويقول الكاتب إنه من السهل على ترامب تحميل بايدن ونائبته كامالا هاريس مسؤولية الهزيمة في أفغانستان، والذي أدى الانسحاب منها إلى “انهيار مصداقية أمريكا واحترامها في كل أنحاء العالم”. وعن إيران، يقول إنها لم تكن قادرة على التقدم في بناء برنامجها النووي أو تسليح حزب الله وحماس والحوثيين لو ظل في رئيسا.

في المناظرة الرئاسية مع بايدن، قال ترامب: “لم تكن إسرائيل لتتعرض إلى غزو من حماس لو كنت في الحكم”

وفي المناظرة الكارثية لبايدن في حزيران/ يونيو، قال ترامب: “لم تكن إسرائيل لتتعرض إلى غزو من حماس لو كنت في الحكم”. ولم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليهاجم أوكرانيا، “لو كان لدينا رئيس حقيقي.. رئيس يحترمه بوتين”. ويبدو كلام ترامب جاذبا، لو تكشفت أزمات العالم بطريقة متتابعة وعلى مدى أربعة أعوام من تنصيب الرئيس، لكن الرؤساء يرثون أزمات من سابقيهم في عالم يمشي حثيثا باتجاه التاريخ.

وفي حالة بايدن، فقد تشكل العالم بطريقة مباشرة من خلال رئاسة ترامب، فهو مَن عقد صفقة مع طالبان للخروج من أفغانستان، والتي حددت جدولا زمنيا لخروج الأمريكيين. وكان ترامب هو الرئيس الذي انسحب من الاتفاقية النووية في عام 2018، ولم يتحرك من أجل معاقبة بوتين على سيطرته على شبه جزيرة القرم، وتجاهل الفلسطينيين بشكل كامل وهو في الحكم.

كل هذا يعني أنه مقابل كل اتهام من ترامب، هناك رد مضاد، وهو أن جذور الأزمات تكمن في طريقة الرئيس السابق الفوضوية والعشوائية في التعامل مع أحداث العالم. إضافة إلى ذلك، فرؤية ترامب تقوم على فرضية ضمنية ترى أن ما تفعله أمريكا وتقوله يشكل كل الأحداث الكبرى في العالم، وأن الرئيس هو الذي يحرك التاريخ.

وحملة ترامب ليست الوحيدة التي تحدثت عن مسؤولية الآخرين عن مشاكل العالم، فقد ألقى جون أف كيندي بمشكلة “فجوة الصواريخ” على نائب الرئيس ريتشارد نيكسون، منافسه في الستينات من القرن الماضي. وقاد جون كيري حملته مستخدما أخطاء جورج دبليو بوش في غزو العراق. وهو نقاش لم يثر اهتمام الناخب الأمريكي في ذلك الوقت.

ولو رجعنا إلى التاريخ، لوجدنا قائمة من المزاعم حول ما يمكن أن يبدو عليه العالم، والتي تصلح للروايات والجدال بين المؤرخين. وبنظرة على مزاعم ترامب حول أحداث العالم، فما علينا إلا أن ننظر لمجموعة منها، مثل أفغانستان. ولا ينكر ترامب أنه كان يريد الخروج من ذلك البلد، وفي الحقيقة، كان هذا هو المشترك الوحيد في السياسة الخارجية بينه وبايدن في حملة 2020، لكنه متمسك الآن بأن الانسحاب الأمريكي لم يكن ليؤدي إلى “أكثر الأيام إحراجا في تاريخ بلدنا” لو كان في البيت الأبيض.

وقال إن هذا اليوم “تسببت به كامالا هاريس وجو بايدن، فقد فتحت إهانة أفغانستان المجال أمام انهيار مصداقية واحترام الأمريكيين في كل أنحاء العالم”، وهو ما قاله ترامب يوم الإثنين، في نفس اليوم الذي دخل فيه مسؤولو حملته بمواجهة مع موظف في مقبرة أرلنغتون، والتي تمنع عقد مناسبات رسمية على أرضها.

وربما كانت تعليقات ترامب مبالغة، في حين كانت هجمات بيرل هاربر و9/11 حافلة بالإخفاقات الاستخباراتية الموثقة بشكل جيد، إلا أن الخروج الفاشل من أفغانستان يتحمل بايدن مسؤوليته الكبرى. فقد حذرت التقييمات الاستخباراتية  المقدمة إلى البيت الأبيض من الانهيار الوشيك للجيش الأفغاني واحتمال سيطرة طالبان على الحكم، حتى مع إصرار بايدن أن هذه الأمور لن تحدث في أي وقت.

ما يحذفه ترامب من روايته، أن إدارته توصلت لاتفاق في الدوحة بداية عام 2020، وحدد فيه الجدول الزمني للانسحاب بحلول ربيع 2021 مقابل تعهدات من طالبان

وهناك الكثير من الأدلة التي يمكن لحملة ترامب استخدامها ضد بايدن، من ذلك إعلان وزير الخارجية أنطوني بلينكن في حزيران/ يونيو 2021، “لا أعتقد أن الأمر سيحدث بين يوم الجمعة والاثنين” وهو ما حدث ذلك بالفعل. ومع ذلك أصر بايدن بعد الانهيار على أن الإدارة “خططت لكل الاحتمالات”. وكان مخطئا كما وجدت صحيفة “نيويورك تايمز” في مقابلات مع المشاركين في عملية الانسحاب بعد الانهيار. وجاء في تقرير المفتش عام 2023 أن “التخطيط الفقير من البنتاغون” كان سببا في الانسحاب الفاشل.

لكن ما يحذفه ترامب من روايته، أن إدارته توصلت لاتفاق في الدوحة بداية عام 2020، وحدد فيه الجدول الزمني للانسحاب بحلول ربيع 2021 مقابل تعهدات من طالبان. وإذا كانت حملة هاريس تبحث عن “كبسولات” مدمرة فما عليها إلا أن تبدأ بصورة وزير الخارجية في حينه، مايك بومبيو وهو يقف مع قادة طالبان.

وقال بومبيو لاحقا: “لقد التقيت بهم بنفسي عندما كنت في الدوحة ونظرت في عيونهم” حيث تعهدت طالبان بأن تقطع علاقتها مع القاعدة.

وينسى ترامب الحديث عن تغريدة نشرها في وسط الحملة الانتخابية قال فيها: “سيعود ما تبقى من رجالنا ونسائنا الشجعان الذين يخدمون في أفغانستان بحلول الكريسماس”. لكنه يصر الآن أن إدارته كانت ستفعل هذا “بكرامة وقوة”. ونفس الأمر يقال عن إيران.

وفي مناظرته مع بايدن في حزيران/ يونيو قال إن “إيران أفلست في ظلي” و”لم أسمح لأحد بأن يعامل معهم، ولم يتبق لديهم مال وقد أفلسوا ولم يكن لديهم مال لحماس، ولا مال لأي شخص ولا مال للإرهاب”. ويقول جدال ترامب على نفس ما قاله في كانون الثاني/ يناير 2021، حيث ترك إيران على حافة الانهيار الاقتصادي وضغط عليها بالعقوبات الاقتصادية ولكن بايدن فشل في تطبيقها.

وهناك جانب من الحقيقة في هذا الادعاء. ففي عام 2020، وهو العام الأخير من رئاسة ترامب، انخفضت صادرات النفط الخام الإيرانية إلى 444 ألف برميل يوميا، حسب أرقام صندوق النقد الدولي. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت الصادرات ثلاث مرات تقريبا، نتيجة لتخفيف العقوبات الأمريكية بشكل كبير، وأيضا وسط شهية الصين الضخمة للنفط الإيراني المنخفض السعر بشكل كبير. كما ارتفعت عائدات النفط الإيرانية، وإن لم يكن ذلك بنفس سرعة عدد براميل النفط التي يتم شحنها إلى خارج البلاد.

ولا شك أن بعض هذه الأموال غذّت قدرة إيران على تمويل حماس وحزب الله والحوثيين، والإنفاق على تكاليف توسع كبير في برنامجها النووي. ولم يرفع بايدن العقوبات التي فرضها ترامب قط، لكنه سمح لضرورات دبلوماسية أمريكية أخرى بالوقوف في طريق فرض العقوبات المفروضة بالفعل.

لا شك أن بعض هذه الأموال غذّت قدرة إيران على تمويل حماس وحزب الله والحوثيين، والإنفاق على تكاليف توسع كبير في برنامجها النووي

كل هذا هو عن صورة ترامب القوي الذي يتعامل بشدة مع  السلوك الإيراني، والمرشد الأعلى أية الله على خامنئي والجنرالات في الحرس الثوري. ولم تنجح التوليفة التي استخدمها ترامب، كما يحاول أن يصور هنا. تماما كما حدث عندما خرج من الاتفاقية النووية التي تفاوض عليها أوباما عام 2015 مع الإيرانيين، فقد توقع أن تأتي طهران إليه مرة أخرى وتتفاوض معه على صفقة جديدة بشروط محبذة للأمريكيين.

وبالضرورة، فقد ارتد خروج ترامب من الاتفاقية سلبا، فحتى تمزيقه الاتفاق، كان المستشارون على رأي واحد وهو أن إيران ملتزمة بالاتفاقية، وشحنت نسبة 97% من اليورانيوم الذي تملكه إلى الخارج، والتزمت بمعدلات إنتاجه. إلا أن ترامب كان مصرّا على إنهاء ما وصفها بأنها “أسوأ صفقة في التاريخ”.

وأعلنت إيران، أنه في حالة لم تلتزم الولايات المتحدة بالصفقة، فلماذا يجب عليها ذلك. ولهذا استأنفت إنتاج الوقود النووي وإن بمستويات أقل من الوصول إلى القنبلة النووية. لكل هذا، انهارت جهود إدارة بايدن للتفاوض على اتفاق جديد، واليوم عززت إيران دورها كدولة على “العتبة النووية”، وتسير مباشرة إلى خط بناء سلاح نووي دون تجاوزه.

ولكن الحجة المرافقة لحملة ترامب هي أن الضعف الأمريكي سمح لإيران بتمويل حماس وساعدها في هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر. ولم يقدم ترامب أي تفسير أو يشرح لماذا تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الكبرى أكثر من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي تجاهلت لمدة عام تحذيرات استخباراتية من أن حماس تستعد لهجوم، وأن الجيش الإسرائيلي استجاب ببطء شديد.

الموضوع الثالث، الذي يستخدمه ترامب في مهاجمة بايدن هو أوكرانيا. ويصر ترامب على أن روسيا لم تكن لتغزو أوكرانيا لو كان في الحكم، والسبب هو أن بوتين “يحترمه” بدون أن يقدم أي شرح.

إلا أن ترامب يغفل في حديثه حقيقة أنه يتفق بشكل أساسي مع أهداف بوتين. وكما ذكرت فيونا هيل، مستشارته البارزة للشؤون الروسية في مجلس الأمن القومي، بعد مغادرتها البيت الأبيض: “لقد أوضح ترامب بشكل واضح أن أوكرانيا، وبالتأكيد شبه جزيرة القرم، يجب أن تكون جزءا من روسيا”.

يقول ترامب إنه قادر على حل أزمة الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة، ولكن بدون أن يقدم أي دليل على مزاعمه

وقرر ترامب تعليق المساعدات العسكرية لأوكرانيا حتى تقدم له معلومات “قذرة” عن هانتر، نجل جو بايدن. وهو ما قاد لمحاكمة الأخير أمام الكونغرس. وقال ترامب نفسه إن “أوكرانيا حاولت الإطاحة به في 2016” وزعم أنها وليس روسيا هي التي حاولت التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ولم يقدم أي دليل على هذا الزعم.

ويقول ترامب إنه قادر على حل أزمة الحرب في 24 ساعة، وبدون أي دليل. وقال: “كرئيس منتخب، سأعمل على تسوية الحرب بين بوتين وزيلينسكي قبل أن أدخل المكتب البيضاوي في 20 كانون الثاني/ يناير”، من خلال فرض حل على أوكرانيا، واحتفاظ روسيا بالأراضي التي سيطرت عليها كما يبدو.

وحتى الآن، لم تعلن هاريس عن خطتها إزاء أوكرانيا، غير التعبير عن دعمها لكييف مع حلفاء أمريكا في الناتو، لكنها وجدت فرصة لتصوير ترامب باعتباره خطرا على الأمن القومي الأمريكي، مشيرة إلى أنه “يشجع بوتين على غزو حلفائنا” وأنه قال إن روسيا قادرة على فعل “أي شيء تريده”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية