صورة قمر صناعي تظهر البئر الكندي في تل السلطان برفح بعد أن دمره الجيش الإسرائيلي في 30 يوليو
لندن- “القدس العربي”: نشر موقع “بيلينغكات” تقريرا مدعما بصور الأقمار الصناعية يظهر مدى الدمار الذي لحق بمدينة رفح، حيث تواصل أحد المهجرين من منطقة تل السلطان عبر موقع إكس سائلا: “من فضلكم، هل يمكنكم مساعدتي في الحصول على صورة حديثة لمنطقتي السكنية في تل السلطان للتحقق من وجود منازلنا؟”، على مشارف مدينة رفح في جنوب غزة.
وقد أصبحت مثل هذه الطلبات، من الأشخاص الذين أجبروا على الفرار من منازلهم، شائعة لدى العديد من الباحثين في المصادر المفتوحة الذين يوثقون غزو إسرائيل الذي دام 10 أشهر.
قد يكون التحقق من هوية أولئك الذين يرسلون مثل هذه الرسائل أمرا صعبا. فقد منعت إسرائيل الصحافة الأجنبية من دخول غزة، التي عانت بشدة خلال الغزو الجوي والبري الذي أعقب هجمات حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر. في غضون ذلك، يتخذ العديد من سكان غزة الذين يتواصلون الاحتياطات اللازمة لعدم الكشف عن هويتهم الحقيقية.
في هذه المناسبة، كانت القضية الأوسع نطاقا شيئا كان موقع بلينغكات يراقبه بالفعل منذ عدة أسابيع.
في أيار/ مايو من هذا العام، غزت القوات الإسرائيلية مدينة رفح من أجل فرض سيطرتها على الحدود بين غزة ومصر – وهي شريط من الأرض يبلغ طوله ثمانية أميال ويشار إليه باسم “ممر فيلادلفيا”. وأظهرت الصور الأخيرة التي قدمتها “بلانيت لابس بي بي سي” قدرا كبيرا من الدمار ليس فقط على طول المحور ولكن في الأحياء التي تبعد كيلومترين عن الحدود مثل منطقة شرق تل السلطان.
وباستخدام بيانات البناء من OpenStreetMap، وجد موقع بيلينغكات أنه من بين حوالي 670 مبنى في الحي الشرقي من تل السلطان، بقي 224 مبنى فقط قائما.
وبناء على الصور التاريخية من “غوغل إرث”، كان الممكن أن نرى أن المنطقة السكنية إلى حد كبير تم بناؤها منذ أكثر من عقد من الزمان. ولكن تم هدم معظم المباني بين 18 تموز/ يوليو و4 آب/ أغسطس 2024، بعد وصول الجيش الإسرائيلي. وكان المنزل الذي حدده الفرد الذي تواصل عبر إكس أحد تلك المنازل التي تم هدمها.
وفي أيار/ مايو، حدد الرئيس الأمريكي جو بايدن “خطا أحمر” لإسرائيل خلال مقابلة مع شبكة سي إن إن، إذا دخلت القوات الإسرائيلية إلى المراكز السكانية في رفح، مثل تل السلطان، فإن إدارته ستبدأ في الحد من الأسلحة التي ستزودها الولايات المتحدة لإسرائيل. وعندما سئل عن الخط الأحمر بعد أيام، أوضح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أن الرئيس أشار على وجه التحديد إلى “عملية عسكرية كبرى” في رفح.
لم يتغير موقف إدارة بايدن منذ ذلك الحين. سأل موقع بلينغكات وزارة الخارجية الأمريكية عما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد تجاوز أي خطوط حمراء لكنه لم يتلق إجابة بحلول وقت النشر.
ومع ذلك، تظهر صور الأقمار الصناعية الإضافية من “بلانيت لابس” كيف تغيرت المناظر الطبيعية لأجزاء أخرى من رفح وجنوب غزة، إلى جانب تل السلطان فقط، بشكل كبير منذ أيار/ مايو.
أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يتمتع “بالسيطرة العملياتية” على محور فيلادلفيا في أواخر أيار/ مايو. وتظهر صور الأقمار الإصطناعية الأخيرة أنهم يحافظون على وجود عسكري على طول الممر.
وتُظهِر صور “بلانيت لابس” أن مساحات شاسعة من رفح تضررت أو دمرت منذ بدأت القوات الإسرائيلية عمليتها البرية في المدينة. وقد علَّق موقع بلينغكات على صور قبل وبعد قسم من رفح يمتد من معبر الحدود مع مصر إلى الساحل.
وباستخدام أداة تتبع الأضرار التي طورها المساهم في بلينغكات أولي بالينغر، تقدر بلينغكات أن ما يقرب من 8500 مبنى تضرر أو دمر في هذه المنطقة وحدها من جنوب غزة منذ بداية الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي وحتى تموز/ يوليو من هذا العام. ومن المرجح أن يكون الرقم أعلى، نظرا للدمار الذي ظهر في صور آب/ أغسطس الأحدث من “بلانيت لابس”
وتظهر البيانات الصادرة عن مجموعة رسم خرائط الأضرار اللامركزية، التي تستخدم بيانات رادار سنتينل-1 لتحديد الأضرار في جميع أنحاء قطاع غزة، أن ما يقرب من 44% من جميع المباني في محافظة رفح في جنوب غزة قد تضررت أو دمرت.
وتشير تقارير المراسل العسكري لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” إلى أن الجيش الإسرائيلي يخطط لتوسيع محور فيلادلفيا بعمق يصل إلى 800 متر في جنوب غزة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تدمير المزيد من المنازل ومعظم مدينة رفح.
وتظهِر صور الأقمار الأصطناعية أن الجيش الإسرائيلي هدم كتلا كاملة من المدينة على طول هذا الطريق، بما في ذلك مخيم البرازيل للاجئين وحي السلام. وهذا شيء حدث في أجزاء أخرى من قطاع غزة في الماضي.
تقع القرية السويدية على الساحل بجوار الحدود مع مصر. وقد أهملت هذه القرية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 1300 نسمة إلى حد كبير قبل الحرب وواجهت العديد من المشاكل التي تتراوح بين الافتقار إلى الخدمات الأساسية وتآكل السواحل.
تُظهِر صور الأقمار الإصطناعية من “بلانيت لابس”أنه بين 5 حزيران/ يونيو و7 حزيران/ يونيو، تم هدم معظم القرية من قبل الجيش الإسرائيلي. وتظهر صور أحدث من 22 آب/أغسطس ما يبدو أنه منطقة تجمع من الحصى تم بناؤها حديثا وطريق يربط بين الساحل بناه الجيش الإسرائيلي.
كما ويظهر التحليل أن المناطق الواقعة على طول محور فيلادلفيا ليست وحدها التي تشهد أضرارا جسيمة. وتظهر الصور الأخيرة الدمار في مختلف أنحاء محافظة رفح في المناطق الواقعة خارج المنطقة العازلة التي يبلغ عرضها 800 متر – بما في ذلك تل السلطان.
أظهر مقطع فيديو عثر عليه على موقع إنستغرام وشاركه يونس طيراوي، وهو باحث فلسطيني في مجال المصادر المفتوحة، جنود الجيش الإسرائيلي وهم يهدمون جزءا من منشأة بئر مياه في منطقة بالقرب من الجزء الشرقي من تل السلطان. وبينما يبدو أن خزان المياه الكبير لا يزال قائما، تظهر أحدث صور الأقمار الإصطناعية أن المباني الأصغر في المنشأة دمرت أثناء الهدم.

وأخبرت القوات الإسرائيلية موقع بيلينغكات أن ظروف الفيديو والهدم قيد المراجعة وأنها “تعمل على معالجة الحوادث الاستثنائية التي تنحرف عن الأوامر والقيم المتوقعة من جنود الجيش الإسرائيلي”.
ويشير الموقع أنها ليست المرة الأولى التي تنفذ فيها إسرائيل عمليات هدم جماعية في رفح. قبل عشرين عاما، قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش عمليات هدم واسعة النطاق من قبل الجيش الإسرائيلي في رفح على طول الحدود. في تقريرها، قالت المنظمة إن ثلثي المنازل الفلسطينية التي هدمت في قطاع غزة في السنوات الأربع السابقة كانت في رفح، حيث فقد 16000 شخص منازلهم.
بحث فريد أبراهامز، وهو حاليا أستاذ مساعد في كلية بارد في برلين، وكتب تقرير عام 2004. وقال لموقع “بيلينغكات”، معلقا على عمليات التدمير الأخيرة في رفح: “يعود التدمير غير القانوني في غزة إلى سنوات عديدة، لذا فإن السياسة لها جذور. والمفتاح بموجب القانون الدولي هو ما إذا كان تدمير مبنى يجلب ميزة عسكرية محددة. “لقد أظهرنا مرارا وتكرارا أن التدمير المنهجي على مساحة كبيرة فشل في تلبية هذا الاختبار”.
وقالت نادية هاردمان، باحثة حقوق اللاجئين والمهاجرين في هيومان رايتس ووتش، لموقع بيلينغكات، إن الجيش الإسرائيلي لا ينبغي أن يتخذ إجراءات تجعل العودة مستحيلة، “فر معظم سكان غزة – مرات عديدة – بناء على أوامر إسرائيلية، بحثا عن الأمان. لكن لا يوجد مكان آمن للذهاب إليه ولا توجد طريقة آمنة للوصول إلى هناك. يحظر القانون الإنساني الدولي النزوح القسري للمدنيين إلا مؤقتا عندما يكون ذلك ضروريا لأمنهم أو لأسباب عسكرية ملحة”.
وأضافت: “إننا نشهد أدلة متزايدة على أن السلطات الإسرائيلية ربما ترتكب جريمة حرب تتمثل في التهجير القسري من خلال تحويل الأحياء إلى أنقاض وتدمير أو إتلاف غالبية المنازل والبنية التحتية الأساسية في غزة، مما يجعل أجزاءا كبيرة من القطاع غير صالحة للعيش لسنوات قادمة”.