معاريف: خطة الاجتياح الإيراني لحدود إسرائيل الشرقية.. هل يعرف بها “فنان الخطابة”؟

حجم الخط
1

الجمعة الماضي، التقى نتنياهو وعقيلته مع مخطوفات عُدن من أسر حماس. وثمة اقتباسات واسعة وتسجيلات عن الحديث نشرت في القناة 12. انغلاق الحس والنرجسية لدى الزوجين رفعا كعلم أسود باعث على الاشمئزاز من فوق الحدث الذي شبه به نتنياهو المعاناة التي تمر بها المخطوفات بمسلسل الأسر الذي اجتازه في الجيش، فيما اشتكت عقيلته من “الأكاذيب التي يروونها عنها”، منذ تزوجت مع خيار قلبها.
اجتذب عيني بالذات سطر آخر قاله نتنياهو في ذاك الحديث: “الأمر الأكبر الذي تبين لي، ولكم أيضاً أننا نفهم بوجود خطة إبادة حولنا أن إيران تأتي لإبادتنا. تأتي لإبادتنا لاحتلال الدولة، لإمطارنا بنار لظى وإبادتنا”.
“الأمر الأكبر الذي تبين لنا، ولكم أيضاً”، قال. لو لم يكن النشر مسنوداً بتسجيل واضح ما كنت لأصدق أنه قال هذا. إذن يا نتنياهو، هل تبين لك هذا الآن؟ فجأة، اكتشفت بأن إيران تخطط لإبادتنا؟ دعك منك، نحن أيضاً. فقد قلت “تبين لنا، وكذا لكم”. إذن في سياقنا، أنت مخطئ. هذا ما تبين لنا منذ زمن بعيد، قبل عشرين سنة تقريباً. خطابات لا نهاية لها، مليئة بالتفاصيل، بالتوصيفات الرسومية والمساعدين التكتيكيين. يتبين لنا منذ سنين. وأسلافك أيضاً تحدثوا عن هذا، والقليلون ممن حلوا محلك لزمن قصير منذ أصبحت رئيس الوزراء. كل من مر هنا لربع ساعة عرف هذا. الحزام الناري والطوق الذي بنته إيران حولنا على مدى أجيال معروف لنا جميعاً. ما لم يتبين لنا حتى الآن هو ما الذي فعلته كي تمنع هذا؟ أي خطوات اتخذت لتزيل التهديد؟ لا، لا أقصد الخطابات. أعرف أن هذا أمل عابث، لأنه لا يظهر عليك حين تكذب. ولا تشحب إلا عندما يفلت منك قول الحقيقة بالخطأ. والحقيقة بسيطة: يبنون حزاماً نارياً أمام عيونك على مدى السنوات الأخيرة. وكل ما فعلته هو الخطابة. سياسة “الاحتواء” هي من إنتاجك. تعليمات الجيش باحتواء تعاظم قوة نصر الله جاءت منك، والتمويل القطري لحماس جاء منك. بعت للجمهور أنك “سيد الأمن”. شرحت بأنه “عندما يشم الإرهاب رائحة الضعف، فإنه يرفع الرأس، أما عندما يصطدم بالقوة فيتراجع”، بينما كنت تتراجع أمام كل من يرفع رأسه ضدنا. والآن، فيما يكون الجنوب مخرباً ومدمراً والشمال مهجوراً ومقصوفاً، تكشف بأنه “تبين لنا”.
في شباط 2021 التقيت في مقابلة صحافية مع بطل إسرائيل، العميد حسون حسون. حسون، أحد الضباط المزينين بالأوسمة في الجيش، الذي قضى قسماً مهماً من سنواته على أرض العدو، كان قلقاً جداً. كان أول سؤال لي هو: لماذا أنت قلق؟ فالهدوء الأمني غير مسبوق والجيش يعمل بحرية ضد التموضع الإيراني في سوريا، وحزب الله هادئ. القطاع والضفة هادئتا نسبياً.
“هذا ظاهراً. الاستراتيجية الإيرانية لم تتغير، بل العكس؛ يتقدمون. تصميمهم موجود، وهذا لم يتحرك ميلمتراً واحداً. يسعون لجعل العالم كله شيعياً ويبدأون بالشرق الأوسط. خطتهم مرتبة، بنيوية ولا شيء، بما في ذلك أعمالنا، لا يصدهم. هذا هو الواقع على الأرض”.
وصف حسون الحزام الناري الإيراني في مقابلة واسعة ومفصلة. في لبنان وسوريا والعراق، وفي مثلث الحدود إسرائيل – الأردن – سوريا. تحدث عن سياسة الاحتواء الإسرائيلية. حذر. قبل وقت قصير من ذلك، عندما اجتاز مخربو حزب الله الجدار وهاجموا استحكام “جلديورا” الإسرائيلي، تلقى مقاتلونا الأوامر لإطلاق النار أمام أقدامهم وتهريبهم. لا قتلهم. عندما حاولت أن أستوضح من أين جاءت هذه الانهزامية، ألمحوا لنا أن هذه هي تعليمات المستوى السياسي. “هم يريدون الهدوء”، قال لي من قال، “الأكواخ السياحية مليئة، والجمهور مبسوط، ولا يريدون إشعال الجبهة.
كانت هذه هي سياسة نتنياهو. عندما عاد إلى الحكم في 2022، وصلت الأمور إلى غليان حقيقي عندما استيقظنا ذات يوم وظهرت ثلاث خيام لحزب الله فيها مقاتلون مسلحون، في الجانب الإسرائيلي من الخط الأزرق. فماذا فعل نتنياهو؟ لا شيء. الآن، “تبين” له بأنهم بنوا حولنا حزاماً نارياً، أو كما تقول عقيلته “حين لا يروون له شيئاً، كيف سيعرف”. أو كما قال هو نفسه للجنة التحقيق في موضوع كارثة ميرون: “آلاف المخاطر الأمنية. لو أخبروني أن كارثة رهيبة توشك على أن تقع لعالجتها… لو أمسكوا بطرف ردائي وقالوا لي إن مصيبة رهيبة على الأبواب لعالجتها”.
المشكلة أنه هو نفسه من أمسك بطرف ردائه في موضوع الحزام الناري الإيراني. حفر ونبش لنا في هذا طوال سنين. والآن، يدعي بأنه لم يعرف أيضاً. إذن ولإزالة الشك، لعلم رئيس الوزراء نتنياهو، “ها هي عدة أمور أخرى تحصل في هذا الموضوع. إذا كنت تمر على استعراضات الاستخبارات التي تعرف لك، فأنت تعرف. لكن ليس فقط استخبارات. كل ما أكتبه هنا، نشر. بعض من الأمور التي قالها أفيغدور ليبرمان (الذي قدم هو الآخر تحذيراً تقشعر له الأبدان عما هو مرتقب من غزة، عشية 7 أكتوبر)، الذي يتحدث مؤخراً عن تنفيذ “خطة الإبادة” الإيرانية. تفاصيل كثيرة أخرى تنشر دائماً في شبكات تلغرام و”واتساب” لمحافل الإرهاب، ميليشيات شيعية وما شابه، بالعربية:
سيطرت إيران وحزب الله على معهد “سارس” الذي هو في واقع الأمر صناعة عسكرية سورية؛ نوع من “رفائيل”. اتخذ الأسد خطوة إلى الوراء وأعطى المفاتيح لرجاله نصر الله والحرس الثوري. ينتج في هذا المعهد سلاح كيماوي، ينتجون المنظومات التي تجعل الصواريخ دقيقة ووسائل قتالية أخرى. هذا حدث استراتيجي لتعاظم قوة محظور على إسرائيل التسليم به.
إضافة إلى ذلك، وحسب منشورات أجنبية، تحفر الآن شبكة أنفاق من مطار دمشق الدولي إلى مواقع تخزين وإخفاء مختلفة في الدولة، لأجل “الالتفاف” على قصف سلاح الجو. في السنوات الأخيرة وبمعونة استخبارات دقيقة، إسرائيل قادرة على قصف السلاح والوسائل المحطمة للتوازن التي تنقل إلى دمشق، ومن هناك تحمل على شاحنات وصولاً إلى بيروت. شبكة الانفاق هذه ستسمح لنصر الله بحصانة من الإصابة الإسرائيلية وتسرع تعاظم قوته. قريباً، ستنزل هذه الإرساليات تحت الأرض فور إنزالها من الطائرات وتختفي عن العين الإسرائيلية الفاحصة.
إيران وحزب الله يستخدمان مؤخراً “مسار المخدرات” بنظام الأسد، الذي يعد أحد مراكزه مثلث الأردن – سوريا – إسرائيل؛ لتهريب السلاح والوسائل القتالية. يدور الحديث عن تهريب عبوات ناسفة بمواصفات رسمية، وصواريخ كتف وصواريخ مضادة للدروع ووسائل أخرى عبر الأردن إلى داخل الضفة، حيث يوجه كل هذا ضد قواتنا ومواطنينا. يدور الحديث عن بنية تحتية لتهريب المخدرات تعيل نظام الأسد لسنوات طويلة، والآن يستخدمونها لنشر الإرهاب ضد إسرائيل، التي لا تعمل حالياً ضد هذا وتكتفي بحملات عسكرية في جنين ونابلس وطولكرم بدلاً من اجتثاث الظاهرة من جذورها.
الميليشيات الشيعية التي حاولت إيران تركيزها في العراق وسوريا ليوم الأمر ضد إسرائيل، بدأت مؤخراً بمناورات شاملة هي الأكبر منذ أن سبق أن أجريت ذات مرة. حصل هذا في دير الزور وأبو كمال. قوات كوماندو خاصة لسوريا تتدرب في المنطقة، والهدف: إعداد هذه القوات التي تعد عشرات آلاف المقاتلين الشيعة (الذين ليسوا إيرانيين) للهجوم على هضبة الجولان حين تبدأ المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في حدود لبنان، وهكذا تشل وتشغل الجيش في جبهة ثانوية بدلاً من الجهد الأساس.
فماذا يفعل نتنياهو أمام كل هذا؟ يخطب، كالمعتاد. وقت الحاجة لتوجيه ضربة مانع ضد “حزب الله” الأحد فجراً، اختار نتنياهو الخيار “الأسهل” الذي تلقاه من الجيش. وحتى هذا وجه تعليماته بتخفيفه وتقليله في اللحظة الأخيرة، خشية أن تشتعل الجبهة لا سمح الله. أنا أصغر من أن أدخل في الاعتبارات العملياتية والعسكرية في هذه الحالة. لا أدخل إلا إلى الإحصاءات الجافة على مدى السنين: الرجل نقيض خطاباته: جبان، واهن و”محتوٍ” طوال كل حياته السياسية. أما الحساب فنحن الآن ندفعه.
بقلم: بن كسبيت
معاريف 30/8/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية