واشنطن ـ «القدس العربي»: في نيسان/أبريل الماضي، التقى الرئيس الأمريكي جو بايدن مع مجموعة صغيرة من زعماء المسلمين الأمريكيين، وفي هذا الاجتماع النادر، وصف له الضيوف الرعب والخطر الذي يواجه سكان غزة، فما كان من بايدن، الذي تفاخر مراراً بأنه صهيوني، إلا تغيير الموضوع إلى هجمات حماس في 7 أكتوبر، وأخبر طبيبة باستخفاف أنه رأى بالفعل صور النساء والأطفال الجائعين التي كانت تعرضها عليه ــ وهو أمر مستحيل، لأنها جاءت من هاتفها. وكما قال المسؤول السابق في وزارة الخارجية في عهد كلينتون آرون ديفيد ميلر عندما سئل عما إذا كان بايدن لديه نفس التعاطف مع الفلسطينيين كما يفعل مع الإسرائيليين، «لا، إنه لا يفعل ذلك، ولا ينقله».
بالنسبة للعديد من المحللين الأمريكين، بمن فيهم الباحث برانكو مارسيتيك، هناك شيء واحد يهتم به بايدن: إرثه وسمعته، ونتيجة لسياسة الشيكات المفتوحة التي ينتهجها تجاه إسرائيل، والتي تتجاوز الآن الإبادة الجماعية في قطاع غزة وتتطور إلى أكبر هجوم عسكري إسرائيلي منذ عقود على الضفة الغربية الخالية من حماس بشكل واضح، يقف بايدن الآن على وشك محو ذلك أيضًا.
على مدار الجزء الأكبر من العام الماضي، كان بايدن وفريقه في السياسة الخارجية يخدعون أنفسهم ويخدعون العالم، بأن دورهم المركزي في تسهيل ما يعلنه المزيد من الخبراء بأنه إبادة جماعية للفلسطينيين سوف يُغفر ويُنسى طالما أنه يخرج من كل هذا بوعد إقامة دولة فلسطينية. في هذا الخيال، سيسمح بايدن لإسرائيل بالهياج في غزة حتى تتعب، وتأمين اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن، والتوسط في صفقة من شأنها أن تستبدل العلاقات الإسرائيلية الطبيعية مع المملكة العربية السعودية بخطوات «لا رجعة فيها» نحو إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، ثم يشرع الرئيس في «جولة النصر» وينسب الفضل لنفسه في الحصول أخيرًا على شيء قريب من حل الدولتين، مع إعادة تحالف دولي بناء غزة المدمرة وتسيير دوريات مؤقتة لحطام شوارعها – كل ذلك في الوقت المناسب للفوز بالانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر، قبل سقوطه المريع عقب مناظرة رئاسية تلفزيونية مثيرة للشفقة.
ولكن يبدو أن رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهذه الفكرة علناً حتى مع ترويج البيت الأبيض لها بلهفة، وإصراره مراراً وتكراراً على أن إسرائيل ستحتفظ «بالسيطرة الأمنية على جميع الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن» والتي كان من المفترض أن تشكل دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل، لم يترك لبايدن وفريقه أي مجال للتردد، وفقاً لما قاله برانكو مارسيتيك في مقال نشره موقع «جاكوب».
وحسب ما ورد، استمرت إدارة بايدن- هاريس في التشبث بهذه الفكرة، حتى مع استمرار تدمير إسرائيل لغزة لعدة أشهر أطول من الموعد النهائي الذي تصوروه في أوائل عام 2024 وحتى مع تناوب نتنياهو بين تجاهل بايدن بوقاحة وإذلاله بانتظام. وفي الأسبوع الماضي، وجهت نائبة الرئيس كامالا هاريس دعوة إلى «تقرير المصير» للفلسطينيين، وهي طريقة أكثر أناقة لقول الدولة، وهو سطر حظي بتصفيق كبير في خطاب قبولها في المؤتمر الوطني الديمقراطي.
والآن، مع التصعيد الإسرائيلي الأخير الذي أدى إلى استشهاد ثمانية عشر شخصا على الأقل في الضفة الغربية ومرافقة ما لا يقل عن 160 مستوطنا متطرفا إلى المسجد الأقصى، فإن نهاية بايدن المشكوك فيها بالفعل تنزلق إلى عالم الخيال التام.
يبدو أن بايدن يخاطر بالسقوط ليس كما يحلم، رجل الدولة العظيم الذي فعل ما لم يستطع أحد فعله وأمن حل الدولتين في إسرائيل وفلسطين، بل على العكس من ذلك: الجزار والأحمق الذي قتل الدولة الفلسطينية إلى الأبد.
أسلوب رئيسها
ولا تبتعد كامالا هاريس نائبة الرئيس ومرشحة الحزب الديمقراطي للسباق الرئاسي، بعيداً عن أسلوب رئيسها في التحايل والمراوغة فيما يتعلق بشأن فلسطين والحرب على غزة، وعلى سبيل المثال، أرسل رئيس منظمة «جيه ستريت» المؤيدة لإسرائيل رسالة بالبريد الإلكتروني إلى أنصاره. وكتب جيريمي بن عامي: «يا له من أسبوع رائع! وبينما يغادر أعضاء جيه ستريت المؤتمر الوطني الديمقراطي متحمسين ومستعدين للانطلاق، من الواضح أننا نحدث تأثيرا أعظم من أي وقت مضى». وأضاف أن «تصريحات نائب الرئيس بشأن إسرائيل وفلسطين كانت ربما أوضح تعبير عن قيم جيه ستريت من مرشح رئاسي» حسبما لاحظ أبا سليمان في مقال نشره موقع كومن دريمز.
ولكن ما هي هذه «القيم» وكيف تنطبق على ما يحدث في غزة؟
في حديثها عن غزة، بدأت كلمة قبول هاريس في المؤتمر الوطني الديمقراطي باستحضار مهدئ لـ «العمل على وقف إطلاق النار» في غزة الذي تموله أمريكا: «الرئيس بايدن وأنا نعمل على مدار الساعة، لأن الآن هو الوقت المناسب للتوصل إلى صفقة بشأن الرهائن ووقف إطلاق النار».
وبغض النظر عن الأسلوب، فإن ما عبرت عنه هاريس في خطابها بشأن إسرائيل وفلسطين لم يكن مختلفا عما كان الرئيس جو بايدن يقوله ويفعله منذ الخريف الماضي بينما سمح بقتل المدنيين الفلسطينيين.
ثم جاء التعهد «الصارم» بالدعم الأبدي لإسرائيل قائلة: «دعوني اتحدث بوضوح، سأدافع دائماً عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وسأضمن دائماً أن تتمتع إسرائيل بالقدرة على الدفاع عن نفسها…»
كان مفتاح مناقشة هاريس القصيرة لموضوع غزة في خطاب قبولها هو الرفض المعتاد في الخطاب السياسي الأمريكي لإسناد المذبحة إلى الولايات المتحدة أو شريكتها الإسرائيلية. وبدلاً من ذلك، كانت هناك إشارة إلى «ما حدث» ــ استحضار الضحايا من دون الجلادين ــ على النحو التالي: «ما حدث هو أن إسرائيل لم ترتكب أي جريمة. إن ما حدث في غزة خلال الأشهر العشرة الماضية مدمر للغاية. فقدنا العديد من الأرواح البريئة. وهرب الناس اليائسون والجوعى بحثًا عن الأمان، مرارًا وتكرارًا. إن حجم المعاناة مفجع».
وبعد أن تعهدت بتقديم الدعم غير المشروط للجيش الإسرائيلي، أعربت هاريس عن حزنها – كما لو أن الأهوال التي ترتكبها قوة الطبيعة، وليس القوة العسكرية التي تزودها حكومة الولايات المتحدة بالدعم الأساسي والجوهري.
وبغض النظر عن الأسلوب، فإن ما عبرت عنه هاريس في خطابها بشأن إسرائيل وفلسطين لم يكن مختلفًا عما كان الرئيس جو بايدن يقوله ويفعله منذ الخريف الماضي بينما سمح بمذابح المدنيين الفلسطينيين. والحماس الشديد من جانب منظمة جيه ستريت، التي ربما تكون المنظمة الصهيونية الليبرالية الرائدة في الولايات المتحدة، أمر مستنير.
لقد أغفلت هاريس بعناية أي ذكر للطريقة الوحيدة التي يمكن للحكومة الأمريكية من خلالها أن تضع حداً فعلياً للمعاناة في غزة، والتي وصفتها بأنها «مفجعة» ــ حظر الأسلحة لوقف الشحنات الضخمة من الولايات المتحدة التي تزود الجيش الإسرائيلي بالأسلحة والذخيرة التي يستخدمها لمواصلة مذبحة الشعب الفلسطيني من جميع الأعمار.