الغايات غير المعلنة للحملة الإسرائيلية على الضفة الغربية

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: تزعم إسرائيل أن حملتها الواسعة على الضفة الغربية غير المسبوقة منذ عدوان «الجدار الواقي» عام 2002 تأتي لتحقيق أهداف دفاعية تتمثّل بـ«مكافحة الإرهاب» وضربه في «أوكاره» وهو في طور النمو. بيد أن هناك غايات ومآرب غير معلنة خلف الاعتداء الجديد. وقال جيش الاحتلال إن الاجتياح الواسع لشمال الضفة الغربية جاء بهدف القضاء على مجموعات «إرهابية» مسلحة بعتاد خفيف وعبوات مصنعة محلياً. وكشفت الإذاعة العبرية الرسمية أن نحو 1000 جندي شاركوا في هذه العملية العسكرية. وأشارت إلى أن هذه العملية تندرج ضمن حملة واسعة يشنها الجيش الإسرائيلي على قرى ومخيمات ومدن الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وأسفرت الحملة، حتى الآن، عن قتل أكثر من 660 فلسطينياً واعتقال نحو عشرة آلاف.

معالجة شمال الضفة

وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» واحدة من أبواق حكومة الاحتلال إن العملية العسكرية في الضفة الغربية تثبت أن أجهزة الأمن الإسرائيلية فهمت أنه لا يمكن الاستمرار في ترك الميدان للعمليات الدقيقة الموضعية. وقالت إنه حسب مصدر في الجيش فإن «شمال الضفة تحوّل إلى مشكلة» وبذلك عبّر عمّا يفهمه كثيرون من الإسرائيليين وإن العبوات الكثيرة التي تم الكشف عنها في الميدان، وبعضها ذو قدرة تدميرية استثنائية، والعملية في تل أبيب التي انتهت من دون خسائر بشرية بمعجزة قبل عدة أسابيع، بالإضافة إلى استمرار «المخربين» في محاولات مراكمة القوة – أمور كلها شكّلت صورة مُقلقة ولذلك، تم التوصل إلى استنتاج واحد لا يمكن منعه: يجب العمل بصورة غير مسبوقة في الميدان. وأوضحت «يسرائيل هيوم» أن الحديث يدور حول الحملة الأكبر منذ بدء الحرب على غزة، في شمال الضفة، ويمكن أيضاً أن تكون الأكبر منذ عملية «السور الواقي». منوهة أن حجم قوات الاحتلال شبيه بحجم القوات التي قادها قائد كتيبة الضفة سابقاً، وبات الآن قائد منطقة المركز، آفي بلوت، خلال حملة «بيت وحديقة» الحملة على مخيم جنين قل نحو العامين ونصف العام، زاعمة أن الفرق هو أن هذه المرة، لا يقتصر الأمر على مخيم لاجئين واحد، بل هناك حملة واسعة على عدة «بؤر إرهاب» تستكمل ما قاموا به خلال الأشهر الماضية هناك.

الجنرال بلوت حصل على ما يريد

وقالت صحيفة «يسرائيل هَيوم» إنها نشرت قبل بضعة أسابيع أن قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال يقود لواءً من أجل معالجة بؤر «الإرهاب» في شمال الضفة منوهة أن طريقة العمل المعروفة لدى الإسرائيليين، وخصوصاً في غزة، تهدف إلى تركيز العمليات وإدارتها كمعركة، وليس كحملة تقودها كتيبة محلية، بغض النظر عن حجمها وقدراتها، لأنها منشغلة بالأمن الروتيني ومهمات أُخرى. وتتابع «لقد حصل الجنرال بلوت على ما يريد. يقود الحملة اليوم طاقم لواء كفير وذلك بعكس بداية الحرب، عندما عملت ككتائب، إنه لواء منظّم، عمل كثيراً في القطاع، ولديه خبرة قتالية كبيرة. هذه الحملة تستند إلى قدرات إدارة قتال لأن الكتائب منتشرة أساساً من أجل مهمات أُخرى. هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد في شمال الضفة دبابات تضاعف القوة، بعكس القطاع». وحسب «يسرايل هيوم» يشارك في هذه الحملة الواسعة ما لا يقلّ عن أربع كتائب تابعة لـ«حرس الحدود» عبارة عن قوة كبيرة جداً من المقاتلين من حرس الحدود، وهي الأكبر منذ بداية الحرب، وكما يبدو، قبل ذلك أيضاً. وتقول إن هؤلاء يعملون إلى جانب مستعربين، فضلاً عن قوات خاصة وقوات من الكتائب المناطقية المختلفة في الضفة الغربية، والتي كانت تنشط مؤخراً في شمال الضفة.

عملية هجومية

وقالت «يسرائيل هيوم» إنه حتى اللحظة الأخيرة، حافظت القيادة العسكرية الإسرائيلية على الصمت إزاء كل ما يخص العملية والسبب ليس القدرات الخاصة وطريقة العمل، بل كي لا يرفعوا سقف التوقعات. كما تقول إن هذه العملية لم نشهد مثيلاً لها في الضفة، إلّا إن التحديات كبيرة وتصميم «المخربين» في الميدان عالٍ ويعتقدون في الجيش أنه لا حاجة إلى توقعات يمكن ألّا ينجحوا في الوصول إليها. وتضيف «وفي الوقت نفسه، هناك عملية في مخيم الفارعة، في غور الأردن لكنها ليست جزءاً من حملة، بل تنفذها كتيبة الغور، غير المرتبطة بالضفة، إلّا إن هذا لا يلغي أنه يجب الانتباه إليها أيضاً. حقيقة أن هناك حملة بهذا الحجم في شمال الضفة، وفي الوقت نفسه، هناك عملية في الشرق، تثبت أن الجيش قرر كسر القواعد والعمل بهجومية كبيرة، أكثر مما كان يحدث سابقاً في المنطقة».

«هذا ما يجب القيام به»

وطبقا لـ «يسرائيل هيوم» فإن مَن يشعر بالرضى عن هذه الحملة هم المستوطنون المحبطون منذ وقت طويل بسبب أن الضفة معروفة كجبهة ثانوية، في الوقت الذي يتضح أنها تنفجر. وعلّق رئيس مجلس مستوطنة «كدوميم» عوزئيل فاتيل بالقول «هذا ما يجب القيام به – الدخول العنيف إلى البلدات والقرى والسيطرة الفعلية على الميدان والانتقال من بيت إلى بيت وتجميع السلاح واغتيال المخربين». أمّا رئيس مجلس مستوطنة بيت إيل، فقال إن «هذا هو وقت قائد المنطقة الوسطى الجديد للقيام بتغيير أساسي وضروري في الضفة. يطلق المستوطنون على الحملة اسم مخيمات الصيف، وهو اسم ملائم فعلاً، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان رسمياً». وتخلص «يسرائيل هيوم» للقول إنه «إذا تمت هزيمة الإرهاب في شمال الضفة، فيمكن أن تهدأ المنطقة كلها وإن الحملة اليوم تثبت أنه من الممكن العمل بهجومية ضد الإرهاب الآن، يجب فقط الاستمرار إلى الأمام».

مخططّات وضغوط المستوطنين

لكن ثمة مآرب أخرى،غير معلنة، لهذه الحملة على شمال الضفة الغربية تزامنا مع الحرب المتوحشة على غزة، تتجاوز الخطوات الدفاعية التي انطلقت بها «حكومة التغيير» السابقة برئاسة بينت ولابيد «كاسر الأمواج» تتمثّل بالاستجابة لطلب المستوطنين ومندوبيهم داخل حكومة الاحتلال الباحثين عن استغلال الوضع الراهن لكيّ وعي الفلسطينيين، وكسر إرادتهم، ومضاعفة عمليات الضم والسلب والتهويد وتضييق الخناق على الفلسطينيين وتشجيعهم على الهجرة وهذا ما عكسته تصريحات وزراء إسرائيليون. قبل أيام فقط دعا وزير الخارجية في حكومة الاحتلال يسرائيل كاتس إلى إخلاء مخيم جنين وبقية المخيمات على غرار ما قام به الاحتلال داخل القطاع وسبقه وزير الزراعة أفي ديختر الذي دعا للقيام بنكبة جديدة بحق الفلسطينيين.
وتتوقف عند مخططات المستوطنين ورقة جديدة للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» بعنوان «الخطاب الاستيطاني- التوراتي تجاه الضفة الغربية- قراءة في خطاب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين» أنجزها الباحث في «مدار» وليد حباس. تقدم هذه الورقة ترجمة لأربعة نصوص إسرائيلية مختارة تسلط الضوء على الخطاب الاستيطاني-التوراتي المتعلق بالضفة الغربية أرضًا وسكانًا، المستند إلى مركبين متضافرين، كما يتجلى في النصوص: المركب الاستيطاني-الاستعماري (يقوم على تفوقية المستوطن وأحقيته في الأرض مقابل دونية الأصلاني وضرورة إقصائه عن المكان) والمركب التوراتي (يقوم على رواية دينية «مقدسة» لا ينبغي للبشر مجادلتها وهي رواية ترافق المركب الاستيطاني لِوَهبه «أخلاقية» و«رسالة سامية»). تقدم الورقة مراجعة نقدية في مفهوم الخطاب في سياق الاستعمار الاستيطاني، بالتركيز على العوامل التي تساهم في تشكيل الخطاب الاستيطاني-التوراتي أما القسم الأكبر من هذه الورقة، فتشغَلُه النصوص المترجمة.

استبدال الأسماء

النص الأول في الورقة بعنوان «الضفة الغربية أو يهودا والسامرة ـ تغيير الاسم الرسمي في تموز 1968» وهو ورقة من أرشيف دولة إسرائيل، تروي جانبًا من نقاش داخل الحكومة الإسرائيلية لاستبدال اسم الضفة الغربية باسم يهودا والسامرة، في محاولة الحكومة الإسرائيلية إعادة تكوين المكان والجغرافيا وفق رواية توراتية، فإن الأهمية لا تقتصر على إنشاء خطاب جديد وحسب، وإنما في أن مفهوم «يهودا والسامرة» يستبطن فكرة شرعنة الاستيلاء على الأرض من أصحابها الأصليين.
أما النص الثاني المعنون بـ «السياسة البديلة في يهودا والسامرة» كتبه أحد قيادات التيار الاستيطاني القومي المتشدد، الذي يتنقل بين العديد من المناصب الاستشارية الحساسة المتعلقة بمصير الضفة الغربية. يقدم النص وجهة نظر المستوطنين التوراتيين حول الضفة الغربية الذين يعتبرونها جزءًا لا يتجزأ من وطن أجدادهم، وأن استيطانهم/عودتهم إليها قائم على تفويض إلهي وتعبير عن بداية الخلاص. وبشكل لا ينفك بتاتًا عن الرواية التوراتية حول ما يسمى الحق اليهودي بالأرض، يتضمن هذا الخطاب مركبًا استعماريًا-استيطانيًا يتراوح بين المطالبة بالمزيد من السيطرة على الفلسطينيين وطمس حقوقهم السياسية في أحسن الحالات وبين تهجيرهم أو محوهم من المكان في أسوئها.
النص الثالث بعنوان «لماذا لا يزال الوجود الإسرائيلي في المناطق»(الضفة الغربية المحتلة) يسمى احتلالًا؟» لشارون آفينوعام. يدّعي النص أن الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية لا تنطبق عليه معايير القانون الدولي الذي يعرف «الاحتلال العسكري» وبالتالي فهو ليس احتلالًا ويتم دعم هذا الخطاب من خلال الحجج والتفسيرات القانونية الانتقائية. والنص الرابع الأخير بعنوان «خمسون عامًا من الحكم العسكري في الأراضي المحتلة» كتبه شلومو غازيت، وهو شخصية رئيسية في الإدارة الاستعمارية، إذ كان من أوائل منسقي اللجنة الوزارية في الأرض المحتلة- والمعروفة لاحقًا بـ «وحدة المنسق». يصف النص نظام السيطرة والقمع الإسرائيليين، ويستعرض تطور الاحتلال منذ العام 1967 بما يشمل مساعي «تطبيع» حياة السكان الفلسطينيين، وتطبيق سياسة عقابية وقت الحاجة، وإدارة «حكيمة» تهدف إلى التوازن بين «الحق» في الاستيطان (والجيش يقدم نفسه على أنه صاحب موقع غير سياسي تجاه الاستيطان) وطموحات الفلسطينيين السياسية التي يمكن قمعها تارة أو إدارتها تارة أخرى.
في المقابل تحذّر جهات إسرائيلية من أن استمرار الضغط الإسرائيلي على الضفة الغربية من شأنه أن يؤدي لانفجار فيقول المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» في مقال مطوله نشرته الصحيفة نهاية الأسبوع إنه «عندما يتصاعد الإرهاب في الضفة الغربية، يزيد اليمين المتطرف في صبّ الزيت على النار، وهذا ما قد يؤدي إلى انفجار».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية