في سؤال لي، في رسالة تلقيتها مؤخرا، من ضمن رسائل اعتدت تلقيها دائما، ويرسلها مهتمون بالكتابة، أو ناقمون عليها، سألني أحدهم:
متى يكتشف الإنسان أنه مبدع؟
متى يعرف أنه شاعر أو كاتب؟ خاصة أن الإبداع الكتابي يختلف عن باقى الإبداعات، فالممثل يقلد الآخرين تلقائيا، وينتبه إليه من يخبره أنه ممثل جيد، والرسام يخط على الأرض أو الحوائط أو الدفاتر المدرسية، رسومات من دون أي مقدمات، وينبهه جالسوه أو زملاؤه إلى موهبته، والمغني يدندن، ويكتشف الآخرون جمال صوته.
لكن كيف يعرف الشاعر أنه بصدد كتابة قصيدة، أو الروائي أنه يستطيع كتابة رواية؟
في الواقع لا يوجد أي فرق بين تلك المواهب التي ذكرها صاحب الرسالة، وبين الكتابة، فالشخص الموهوب يؤلف القصص منذ الصغر، وهو في الغالب يقرأ كثيرا، ويحب القراءة جدا، وقد يبدأ بتقليد ما يقرأه، ويستمر من دون وعي في التقليد، إلى أن يصل إلى نضج ما، ليس بالطبع نضجا واعيا ولكن مجرد صوت صغير، يبدأ في السطوع وسط كتابته المقلدة، ومن ثم يتبعه إلى أن يصل إلى نهاية حتمية، وهي أنه شاعر أو كاتب قصصي.
وبحسب تجارب كثيرة، أو شهادات لمبدعين من شتى بقاع العالم، فإن الموهبة تكتشف مبكرا، وبمجرد أن يعي الإنسان ما حوله، فتكون الخطوة الأولى أن يسعى لتميز ما، لا يعرفه في الأول، ثم يتعرف إليه بعد ذلك، ويصادقه، ويدمنه، وفي أحيان قليلة، لا يهتم به، ويفلت الموهبة من بين يديه، باحثا عن تميز حياتي آخر.
حين كنا في المدرسة الابتدائية في مدينة بورتسودان، وكنت في ذلك الوقت أقرأ ما تسمح به سني، وما أختلسه من مكتبة والدي من الكتب التراثية، وأتعرف إلى مشروع كتابتي المستقبلية ببطء، كان معنا ولد بدا لنا موهوبا، عبر إلى آفاق بعيدة. كان لديه دفتر ضخم، يدون عليه خواطر شعرية ونثرية، ويتعمد في أحيان كثيرة أن يكتب أمامنا، ويسمعنا ما كتبه، ولا أدري هل كان جيدا فعلا أم مجرد خواطر ولد ابتدائي تأتي إلى ذهنه الصغير؟
الذين آمنوا بموهبته، حفزوه على استشارة معلم اللغة العربية، وكان المعلمون وربما ما يزالوا، ولكن في نطاق ضيق، هم القراء الأوائل لكل نزق يأتي من التلاميذ، يقرأون الغث والسمين، والذي ليس أي شيء، ويدلون برأيهم الذي سيأخذه التلميذ في الاعتبار ويكبر به، إن كان إيجابيا، ويلقي به في سلة النسيان، أو ينهيه عن الكتابة، إن كان سلبيا، مع اعتبار أن معلم اللغة العربية ضليع في الأدب.
وهذا غير صحيح بالطبع، فمهنة التعليم هي مجرد مهنة لها قواعد يدركها المعلم، ويسعى ليدركها التلاميذ، وليس معنى أن هناك من علمك الفرق بين الفاعل والمفعول به، والجملة الإسمية والجملة الفعلية، ومتى ترفع ومتى تنصب، يستطيع أيضا أن يكوّن رأيا نقديا عن الكتابة.
وخلال تجربتي الطويلة، في التفاعل مع الآخرين، صادفت عشرات من معلمي اللغة العربية، حاولوا ممارسة النقد الأدبي، ولم ينجحوا، وكانت كتاباتهم مثل كتابة أي قارئ عادي.
أعود للولد الابتدائي، صاحب ما ظنناه موهبة، قلت بعضنا شجعه على مراجعة معلم اللغة العربية، وبعضنا زجره واستهزأ به، ولكن رغم ذلك حفظ بعض خواطره، التي تدعم نزق المراهقة.
الولد عرض دفتره على المعلم الذي كان جامدا وصعب المراس، ولم يره أحد يبتسم أبدا، هو مهتم بإلقاء درسه اليومي، فهم التلاميذ أو لم يفهموا، ينتهي الأمر عند ذلك الحد. لقد ذهب إليه زميلنا متعثرا، وذهبت معه باعتباري من المساندين لموهبته، وفوجئنا أن المعلم، ابتسم لأول مرة، حين قرأ قصيدة عشوائية من منتصف الدفتر، أذكر أن اسمها حمار، وكتب الولد: هذه عن حمار جارنا، الذي يعمل في توزيع اللبن. ابتسم المعلم، ثم قال موجها كلامه للتلميذ الذي يظن نفسه شاعرا، وكاتبا: أنصحك بالالتفات لدروسك، هذا كلام فارغ.
أظن كانت تلك اللحظة هي آخر لحظات التلميذ بالإبداع، فقد مزق دفتره، وبات انطوائيا، قليل الكلام، وأيضا كثير الغياب من الحصص التعليمية، وفي النهاية، بات جليا أنه أصيب بمرض نفسي، اختفى بعده، ولا أعرف عنه شيئا حتى الآن.
أردت أن أوضح بغض النظر، إن كان زميلنا ذلك موهوبا أم لا، وكنت في ذلك الوقت أعتقد جازما في موهبته، إلا أن المسار كان يمكن أن يكون مختلفا لو تم تشجيعه، بدلا من قهره. لقد كان في حالة اكتشاف لقدرات، هي محددة بالتأكيد بحسب عمره، ولتنمية تلك القدرات، لا بد من ماء عذب يروي، وهذا ما لم يجده، ومن ثم اختل المسار، ومرض، وتاه.
أنا عكس ذلك الولد، فقد اكتشفت كتابة الشعر، ونظمت قصيدتي الأولى وأنا أقود دراجتي، عائدا من المدرسة، في مدينة الأبيض، غرب السودان حيث كنا نقيم آنذاك. اكتشفت قصيدتي فجأة، رددتها مرارا حتى لا أنسى، وأسرعت حتى وصلت البيت، ودونتها في كراسة من كراساتي المدرسية، ثم أعطيتها لمن يطبعها لي بالآلة الكاتبة، ووزعت نسخا كربونية على زملائي.ولم ألجأ لمعلم اللغة العربية، خوفا من تجربة زميلي، في المدرسة الابتدائية، والذي حدث أن القصيدة انتشرت، وجاء أحد المغنين يبحث عني، وفوجئ بأنني ولد صغير، لكن غنى القصيدة، وتشجعت لكتابة غيرها وغيرها، ثم تشعبت الأمور بعد ذلك.
الآن أمر اكتشاف الكتابة أسهل، في الواقع أصبح قصديا في معظم الحالات، هناك من يريد أن يكتب رواية، وسيسعى لكتابتها ونشرها، امتلك موهبة أم لم يمتلك، ولا وجود لمعلم اللغة العربية في الأمر. فهو قرار فردي سينفذ، حتى الشعر، وأعني قصيدة النثر، سيكتبها من يريد بتجميع ما يحلو له من المفردات، غير عابئ بما قد تحمله من معنى أم لا؟
*كاتب من السودان