الاحتلال متهم: برك الصرف وراء تفشي شلل الأطفال في غزة

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»:  تنتشر برك المياه العادمة في كل مناطق قطاع غزة، بسبب تدمير البنية التحتية لشبكات الصرف الصحي بفعل آليات الخراب الإسرائيلية، وسط نقص الإمكانيات والمعدات اللازمة، لصيانة تلك الشبكات، وشفط مياه المجاري من الشوارع، في ظل الحصار الخانق والعدوان الصهيوني المستمر على القطاع منذ أكثر من 10 أشهر.

وتكتظ مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، بالمواطنين بالنازحين، الذين يشكون انتشار برك الصرف الصحي بالقرب من منازلهم وخيامهم، الأمر الذي تسبب في انتشار الأمراض المعدية مثل شلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والنزلات المعوية بينهم.

الإعياء والحمى

يشعر علاء عبدالعال بالقلق على حياة ابنته حنان المحجوزة في مستشفى ناصر الطبي بخان يونس بعد إصابتها بمرض شلل الأطفال إثر سقوطها في بركة صرف صحي قرب منزلهم في مخيم خان يونس: «ابنتي ترقد في المستشفى غير قادرة على الحركة تعاني الإعياء والحمى والصداع والتقيؤ المستمر وآلام شديدة في الأطراف بعدما انتقلت إليها العدوى من المياه العادمة وأصاب شلل الأطفال جهازها العصبي».
وتحتاج حنان إلى الراحة السريرية التامة في المستشفى لحين تماثلها للشفاء التام، يقول الأب علاء. يضيف لـ«القدس العربي»خلال حديثه: «الأطباء قلقون على حياة ابنتي، 4 أعوام، يخشون أن يتفاقم فيروس شلل الأطفال لديها، ويصيبها بشلل عضال في الساقين أو أن يتسبب المرض في مرحلته المتأخرة في توقف عضلاتها التنفسية عن أداء وظائفها، وما قد يؤدي -لا قدر الله- إلى موتها».
غاضبًا، يعبر المواطن الثلاثيني عن حزنه لما يحدث للمدنيين في غزة من قتل وتشريد وانتشار الأمراض والأوبئة بينهم: «إذا لم نمت من الحرب والقصف سنموت من المجاري. والذي لم يمت من المجاري سيموت من شلل الأطفال والأمراض المعدية. شلل الأطفال هذا يصيب الصغار والكبار. نحن نذهب يوميًا إلى المستشفيات».
ويشير إلى برك الصرف الصحي المنتشرة قرب منزله: «هذه البرك يوميًا نرفع منها طفلًا أو رجلًا مسنًا أو امرأة. يقعون في مياه المجاري ليلًا».
وزار مواطنون ونازحون مبنى بلدية خان يونس، وسألوا الموظفين عن الأسباب التي تعرقل شفط مياه المجاري من الشوارع، فأخبروهم أنهم يواجهون نقصًا في السولار، اللازم لتشغيل مواتير الديزل، التي تقوم بسحب المياه، يبين علاء عبدالعال: «البلدية يقولون لنا صرفنا 50 لترًا من السولار لسيارات كسح المياه العادمة. ماذا تفعل 50 لترًا أو حتى 200 لتر مع هذه المستنقعات؟ الموتور يشتغل ساعة أو ساعتين وبعدين يتوقف».

كارثة بيئية

يقول عبدالرحمن أبو جزر، النازح إلى خيمة بمنطقة مواصي خان يونس، أن طواقم البلدية تعجز عن سحب مياه المجاري المتراكمة بغزارة في الشوارع، لأنهم يواجهون نقصًا شديدًا في الإمكانيات اللازمة للتعامل مع كارثة بيئية بهذا الحجم، بسبب إغلاق المعابر، وعدم السماح بدخول الوقود والمعدات وأدوات الصيانة، بعد دخول العدوان الصهيوني على غزة شهره الحادي عشر.
وخرجت حوالي 90 في المئة من آبار المياه والصرف الصحي في مدينة خان يونس عن الخدمة، بسبب استهدافها من قبل آليات الاحتلال، فيما تتبقى نحو 5 آبار فقط، ولكنها مدمرة جزئيًا، وتعجز سلطات البلدية عن تشغيلها، لعدم توافر المولدات وشُح الوقود، وفقًا لخالد عويضة، أحد العاملين في طواقم البلدية.
ويرى عويضة في غياب منظومة المياه والصرف الصحي عن خان يونس «كارثة تهدد حياة المواطنين والنازحين إذا استمر هذا الوضع دون تدخل جهات خارجية أو الحصول على تمويل يوفر إمكانات لإجراء صيانة عاجلة للمولدات والمعدات، ما يمكن طواقم البلدية من استعادة تشغيل مرافق المياه والصرف الصحي».
وظهر فيروس شلل الأطفال، في الأسبوع الأخير من شهر تموز/يوليو الماضي، ضمن عيّنات أُخذت من مياه الصرف الصحّي في قطاع غزّة، وهو تطور اعتبره المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس غيبريسوس، مثير للذعرًا، ولكنه «غير مفاجئ في ضوء الوضع المفكّك للنظم الصحّية في القطاع بعد مضي تسعة أشهر على رحى الحرب الدائرة فيه بلا هوادة».
ويؤكد محمد النواجحة، طبيب الأطفال في مستشفى ناصر، ظهور مرض شلل الأطفال في جنوب قطاع غزة، فضلًا عن انتشار «التهاب الكبد الوبائي، والنزلات المعوية الحادة -تشمل إسهالا وقيئا» بسبب تكدس المواطنين والنازحين في مساحات سكانية صغيرة، وانتشار القمامة والنفايات وبرك المياه العادمة في الشوارع: «كل حاجة انتشرت. التهاب الكبد الوبائي، وشلل الأطفال. وكل الأمراض انتشرت».
ويشير المواجهة خلال حديثه لـ«القدس العربي» إلى عدم توافر العلاج اللازم لتلك الأمراض، في ظل الضغط الكبير على مستشفى ناصر الطبي في خان يونس، وهو المستشفى الوحيد العامل لخدمة 1.5 مليون نازح في جنوب قطاع غزة، بعد اجتياح جيش الاحتلال مدينة رفح وتوقف المستشفيات فيها عن العمل.
ويوضح أن الأسرة في مستشفى ناصر ممتلئة عن آخرها بالمرضى، الذين يرقد بعضهم في طرقات قسم الاستقبال وبين الأقسام المختلفة بعد سفر غالبية الطواقم الطبية الأجنبية التي كانت موجودة في المستشفى: «أغلب الأطباء الأجانب عادوا إلى بلادهم، بسبب ظروف الحرب القاسية والاستهدافات المتكررة من جيش الاحتلال للمستشفيات، ناهيك عن النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية».
ويعد مركز مدينة خان يونس الأكثر تضررًا من أزمة الصرف الصحي، كونه يضم المحطة الرئيسية للصرف، التي تصب فيها جميع الشبكات الصرف من كل أحياء ومدن المحافظة، يوضح رؤوف البلبيسي: «كل شبكات خان يونس ترمي صرفها في هذه الشبكة الرئيسية. وبعد الحرب تهالكت وانفجرت، وما زال ضخ المياه العادمة عليها مستمرًا».

لا حلول

ويوجه النازح الخمسيني إصبعه نحو بركة مجاري بطول 30 مترًا وعمق 1 متر بالقرب من محطة الصرف الرئيسية في خان يونس. يقول: «لم نلق حلولًا عملية حتى الآن، لتصريف مياه تلك البركة، التي تسبب الأمراض لأطفالنا وشيوخنا ومنها شلل الأطفال».
ويوضح: «بالأمس القريب انتشلنا نازحون سقطوا في هذه البركة. هنا على هذا الطريق الرئيسي ليلًا في الظلام الدامس. هؤلاء كلهم معرضون للأمراض».
ويناشد البلبسيي الأمم المتحدة والصليب الأحمر وكافة المنظمات الإغاثية التدخل لحل مشكلة انتشار مستنقعات الصرف الصحي بالقرب من مناطق تكدس المواطنين والنازحين في قطاع غزة: «على كل من يملك ضميرًا حيًا التدخل لحل هذه الإشكالية، التي باتت مكرهة صحية وحربًا بيئية أشد قسوة من حرب السلاح القائمة الآن على قطاع غزة».
ويشير خلال حديثه لـ«القدس العربي» لقيام جيش الاحتلال بتطعيم جنوده ضد شلل الأطفال، حتى لا يلقوا نفس مصير المواطنين والنازحين في غزة: «طعموا جنودهم ونحن لا نجد من يطعمنا ولا يوجهنا». ويطالب المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال بفتح المعابر وإدخال التعطميات والأدوية اللازمة لحماية سكان قطاع غزة من الأمراض والأوبئة: «ارجوكم! انقذونا! حتى لا نصبح شعبًا مريضًا بلا قيمة».

الاحتلال متهم

ويعطل العدوان الإسرائيلي تحصين نصف مليون طفل من تفشي مرض شلل الأطفال في قطاع غزة، حسب منظمة الصحة العالمية، التي تؤكد توافر التطعيمات إلا أن «القيود على الحركة حالت دون إرسالها إلى القطاع الفلسطيني وتوصيلها حتى المنزل أو حتى الخيمة».
ونقلت وكالة «رويترز» عن حامد جعفري المتخصص في شلل الأطفال بمنظمة الصحة العالمية قوله: «رُصد فيروس شلل الأطفال في الصرف الصحي في دير البلح وخان يونس في غزة» مرجحًا أن يكون الفيروس متفشيًا منذ ايلول/سبتمبر الماضي. وتوضح مدير المنظمة في الشرق الأوسط قولها: «نحتاج إلى وقف إطلاق النار وإن كان وقفا مؤقتا لإطلاق النار لتنفيذ هذه الحملات بنجاح. إذا لم يحدث ذلك، نخاطر بازدياد تفشي الفيروس، بما في ذلك عبر الحدود».
ويتهم مدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، حسام أبو صفية، الاحتلال الإسرائيلي بالتورط في انتشار فيروس شلل الأطفال «وسط منعه إدخال التطعيمات اللازمة والمعدات المطلوبة لحل أزمة برك الصرف الصحي».
ويقول لـ«القدس العربي»: «الاحتلال يتعمد عدم إدخال مياه صالحة للشرب وأطعمة صحية ونظيفة، مما يخلق بيئة خصبة لانتشار هذا الفيروس».
ويشير إلى أن «الاحتلال تسبب في منع المتن تطعيمات دورية عن أطفال قطاع غزة»موضحا أن «فيروس شلل الأطفال يصيب من هم دون سن الخامسة وتمتد فترة حضانته إلى 35 يومًا، وأنه قد يصيب الكبار ممن لم يتموا تطعيمهم أو قليلي المناعة».
ويحذر أبو صفية من «خطورة تفشي شلل الأطفال في قطاع غزة والبلدان المحيطة ظل الوفود الطبية والإنسانية التي تأتي إلى غزة وتغادرها». مبينًا: «هذا الفيروس كاد أن ينتهي كليا في عام 1988. وكان هناك حديث عالمي عن استئصاله بشكل تام بحلول عام 2026. أشعر بالأسف لأن الحرب الدائرة على غزة أعادت هذا الفيروس إلى الواجهة».
ويلفت مدير مستشفى كمال عدوان الانتباه إلى أن جيش الاحتلال أعلن عزمه تطعيم جنوده في غزة بعدما باتت الأخيرة بيئة مناسبة لانتشار الفيروس الذي يصيب -أيضا- الكبار ومختلف فئات المجتمع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية