ولد التقليد الأولمبي القديم المسمى ‘إيكيتشيريا’ أو ‘الهدنة الأولمبية’ في القرن الثامن قبل الميلاد، ويعتبر هذا التقليد القديم فرصة لوضع أوزار الحروب، ولملمة الجروح، وإفشاء السلام، وفي عام 1992 جددت اللجنة الأولمبية هذا التقليد بأن دعت سائر البلدان إلى مراعاة هذه الهدنة. وسار على هذا المنوال العرب قديما حين ابتكروا أربعة أشهر سموها بالأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، يحرم فيها القتال والاعتداء إلا دفاعا عن النفس، حتى أن الرجل يمر على قاتل أبيه لا يستطيع أن يأخذ بثأره فيها.
لما اختار الله تعالى العرب ليكونوا مهبط آخر الديانات السماوية، وحاضنة خاتم الرسالات الإلهية، لم يكن الأمر اعتباطا، ولم يكن جزافا، كان العرب عنوانا للشرف، والرجولة، والصدق، والكلمة والشهامة. حقا أن الظاهر كان يبدي بدائية في العيش، وبساطة في الحياة، ولكن الباطن كان يزخر برقي أخلاقي، وبهاء سلوكي قل ما اجتمع في جنس بشري، كان يقول أحدهم:”لئن أموت جوعا، خير لي من أن أخلف موعدا’، ويقول آخر:”لو أن الإسلام لم يحرم الكذب لحرمته على نفسي’. كان أبو جهل، رغم ما كان يمثله من عداء للإسلام، يخرج بسيفه ليدافع عن مسلم، دخل جواره، وفاء للكلمة، وثباتا على العهد، كان العربي إذا صفعته المرأة، لا يرد عليها، لأن ‘ضرب امرأة’ لم ولن يكون ‘مفخرة حرب’، وإنما ‘مجبنة سلوك’، و’انعدام مروءة’. و مرت الدهور، وتتابعت الأزمنة، وبلى ثوب العرب الأخلاقي، وظهرت عليه ‘الثقب السلوكية’، و’الرقع الأخلاقية’، و’الخدشات الروحية’، بعدما كانت العرب تحيط نفسها بمجموعة خطوط حمراء، لا يمكن تجاوزها، من غدر بالصديق، والخديعة، وقتل للأطفال والنساء، وعدم نصرة المظلوم، وعدم إغاثة اللهفان، ونكران الجميل، بعد هذا، نزل المستوى، وسقط إلى الحظيظ، ومات الضمير، وانعدمت المروءة، وغاب الحياء، وصار القتل العشوائي ماركة عربية، وجثث الأطفال والنساء والشيوخ ‘من الديكور العربي اليومي الاعتيادي، صرنا مضحكة الأمم بعدما كنا مفخرتها، ومستهجن الشعوب بعد أن كنا مستلهمها.
كم وددت، أنه في يقظة ضمير، واستفاقة رجولة، واسترجاع نخوة، واسترجاع ذكرى، تضع الحروب أوزارها، ويحيد الأطفال والنساء والشيوخ، وتقدس المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، كم وددت أن يمشي الداني والقاصي ولو لبرهة هذا الشهر الفضيل، أو لزمن الألعاب الأولمبية، لا يخشى على نفسه وعرضه وماله من بطش الفرقاء، كم وددت أن يعود الإفطار الجماعي في الساحات العامة والقلوب متعانقة، كم وددت أن يفرح العرب بالإنجازات الرياضية في ساحات المنافسات، بدل الإنجازات التدميرية في ساحات القتال. كم وددت أن السنة كلها تكون حراما، وأن تقام الألعاب الأولمبية في كل العام.
عبد الكريم رضا بن يخلف[email protected]