لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “إندبندنت” تقريرا أعده ديفيد مادوكس وأندرو فينبرغ قالا فيه إن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وجد نفسه وسط عاصفة دولية بشأن قرار حكومته تعليق رخص تصدير سلاح إلى إسرائيل وبعد اكتشاف جثث ستة من المحتجزين لدى حماس في غزة.
وجاء التحرك لتعليق 30 من 350 رخصة تصدير وسط شجب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وقت أكد فيه البيت الأبيض أنه لن يتبع الخطوة البريطانية.
وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، جون كيربي: “كل دولة تستطيع الحديث عن نفسها، حول مدى الدعم الذي ستقدمه إلى إسرائيل. ونحن مستمرون بعمل ما نستطيع لدعم قدرات إسرائيل الدفاعية”. ووجد المحافظون الذين خسروا انتخابات تموز/يوليو في قرار وزير الخارجية ديفيد لامي فرصة لتوجيه النقد وبخاصة أنهم يحضرون الآن لانتخاب قيادة جديدة للحزب. وتدافع الذين تقدموا للترشح إلى انتقاد قرار لامي. بل وشارك رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون في الهجوم بتغريدة: “لم تخلى لامي وستارمر عن إسرائيل؟ هل يريدان انتصار حماس؟”.
وفي الوقت الذي هاجم فيه النقاد من اليمين البريطاني القرار، تساءلت منظمات الإغاثة وحقوق الإنسان ونواب في حزب العمال إن كانت الحكومة قد ذهبت بما فيه الكفاية وبخاصة بعد اعتراف وزير الدفاع جون هيلي أن التحرك لن يكون له ذلك الأثر الكبير.
وقال أوليفر فيلي- سبراغو، مدير برنامج الأمن وسياسة الدفاع في منظمة أمنستي- بريطانيا إن “تعليق مجموعة من الرخص مع مواصلة إرسال قطع مقاتلات أف-35 التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في غزة يجعل زعم الوزراء بالقلق إزاء انتهاكات إسرائيل الموثقة للقانون الإنساني الدولي سخيفة”.
وأضاف أن نظام ضبط الأسلحة المفترض أنه “قوي” يجب ألا يترك ثغرات واسعة ستغذي بالتأكيد جرائم الحرب الإسرائيلية. واعترف كيربي بأن الحكومة البريطانية أخبرت البيت الأبيض “مقدما” بقرارها لكنه لم يكشف إن دعمت الإدارة التحرك أم لا، مضيفا أن كل دولة تستطيع اتخاذ قرارها بنفسها حول مدى الدعم الذي تريد تقديمه لإسرائيل “فهذا هو معنى السيادة”. وقال وزير الخارجية السابق جيمس كليفرلي إن قرار لامي “أضر بعلاقتين مهمتين في وقت واحد ولن يترك الأثر الذي يطمح إليه”.
وفي رد على سؤال أثناء إطلاق حملته الانتخابية قال توم توغينات، وزير الأمن السابق بغضب واضح: “دعونا نوضح ما فعلته حكومة حزب العمال. في اليوم الذي اكتشفت فيه الحكومة الإسرائيلية جثث المزيد من الرهائن، وفي اليوم الذي اضطرت فيه إلى مشاركة خبر الحزن والصدمة مع عائلاتهم، قررت الحكومة البريطانية بأنه الوقت المناسب للوقوف ضد حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها”.
وتضيف الصحيفة أن القرار سيؤدي إلى توتير العلاقات مع إسرائيل، مشيرة لتصريحات وزير الدفاع يواف غالانت ووزير الخارجية يسرائيل كاتز. وفي بريطانيا انتقد الحاخام الأكبر إفرايم ميرفيس القرار “لا يصدق”، فيما قال رئيس مجلس الممثلين اليهود، فيل روزنبرغ بأن القرار يبعث برسالة خاطئة في “ساعة الشدة”.
وأكد وزير الدفاع هيلي أن القائمة التي تضم مكونات مهمة لطائرات أف-16 ومسيرات وكذا أنظمة هجوم بحرية لن يترك أثره المادي على أمن إسرائيل.
وفي تقرير أعدته لوسي فيشر وأندرو إنغلاند نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” قالا إن حكومة ستارمر وجدت نفسها وسط اتهامات بأن تعليق أسلحة ليس كافيا في حد ذاته أو ذهب بعيدا. وقالا إن سير ستارمر، أعاد تشكيل علاقة بريطانيا مع إسرائيل بشكل كبير منذ توليه منصبه. لكن كبار الشخصيات في حزب العمال يصرون على أن السياسة لم تكن الدافع وراء القرارات المهمة التي اتخذها رئيس الوزراء.
وكمحام سابق في حقوق الإنسان، استأنف تمويل بريطانيا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) وأوقف الاعتراض البريطاني على طلب المدعي العام للجنائية الدولية مذكرات لاعتقال نتنياهو وغالانت وأوقف الآن بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
وترى الصحيفة أن التحركات التي قامت بها حكومة العمال تميز ستارمر عن حكومة المحافظين التي هزمها قبل شهرين وعن الولايات المتحدة، في الوقت الذي يواجه فيه رئيس الوزراء انتقادات شديدة من إسرائيل بشأن قراره الذي كان في النهاية قانونيا وليس مدفوعا بالاعتبارات السياسية والدبلوماسية الأكثر ضبابية.
وقال مسؤول عمالي بارز إن ستارمر يتعامل مع أسئلة السياسة المهمة والمتعلقة بإسرائيل كخبير في القانون الإنساني الدولي. وقال كاتب سيرة رئيس الوزراء توم بالدوين، وهو مسؤول عمالي سابق إن نهج ستارمر من إسرائيل هو مثال آخر عن “تمسكه بسيادة القانون”. وفي الماضي، عمل ستارمر كمحام مدافعا عن قضايا حقوق الإنسان وتولى قضايا إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية. وهذه قضايا حقوقية يصعب تبريرها بناء على الحكم السياسي كما يقول بالدوين. وأضاف أن “تحويلها إلى قرار قانوني هي طريقة جيدة للتغلب على سياسات كهذه”.
وتشير الصحيفة إلى أن تعليق مجموعة من الرخص، يأتي مع كون بريطانيا ليست مزودا مهما للسلاح إلى إسرائيل. ورغم اعتماد الحكومة على المبرر القانوني إلا أن ستارمر واجه اتهامات بكونه أفرط في قراره أو أنه لم يذهب بعيدا. وأشارت إلى ردة فعل نتنياهو وأركان حكومته والحاخام الأكبر في بريطانيا إلى جانب مواقف أمنستي ومنظمة هيومان رايتس ووتش اللتين اشتكتا من أن القرار جاء متأخرا وكان يجب أن يشمل منع المزيد من الأسلحة، كما وشجبتا عدم شمل التعليق على قطع مهمة لمقاتلات أف-35.
وأكد وزير الدفاع هيلي بأن بريطانيا ملتزمة بحكم القانون ولم يكن القرار ليرضي الطرفين في النزاع. وكان للقرار أثره على السياسة المحلية، فقد عبرت مجموعة أصدقاء فلسطين في حزب العمال عن رغبة في رؤية تعليق المزيد من الأسلحة، بما فيها المعدات المستخدمة في الضفة الغربية. وقالت مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال إنها قلقة بشكل كبير وحذرت من تشجيع أعداء إسرائيل، وتحديدا إيران.
وكان وزير الخارجية السابق ديفيد كاميرون قد عبر عن قلق من تزايد أعداد القتلى وعدم وصول المواد الإنسانية، وقال إن بريطانيا قد تفكر بالاعتراف بدولة فلسطين كجزء من جهود دبلوماسية تؤدي لدولتين وتنهي الصراع المستمر. لكن رغم التقييمات القانونية التي فحصت إن كانت إسرائيل تخرق القانون الإنساني الدولي في غزة، ظلت حكومة المحافظين مترددة في تعليق الأسلحة وواصلت دعمها للخطوات الأمريكية.
وبدأت حكومة العمال بمراجعة السياسة حالة وصولها إلى السلطة وألغت بداية الحظر على تمويل أونروا الذي علق بعد اتهامات إسرائيل للمنظمة بأن موظفين فيها شاركوا في هجمات العام الماضي. وجاء القرار البريطاني بعد قرار الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول استئناف الدعم. وبعد أسبوع قرر ستارمر التخلي عن التحدي القانوني لطلب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية. وجاءت هذه التحركات بعد ضغوط شديدة من المناصرين لفلسطين أثناء الحملات الانتخابية.
وأثار ستارمر رعب العديد من اليساريين في صفوف حزبه عندما قال في الأيام التي أعقبت هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر إن إسرائيل لها الحق في حجب الكهرباء والمياه عن غزة. ولكنه أصر لاحقا على أنه أخطأ في الكلام، مع أنه كان بطيئا في تصحيح كلامه.
وفي يوم الانتخابات خسر الحزب خمس دوائر انتخابية لمرشحين مستقلين مؤيدين لفلسطين، في وقت رأى عدد آخر من النواب تراجعا في شعبيتهم بسبب مواقفهم من الحرب. وأشار ستارمر قبل الانتخابات إلى أن حكومته ستقوم بمراجعة صادرات السلاح لإسرائيل حالة توليها الحكم. ورغم القرار الأخير، نفى حزب العمال أن يكون هناك تحول في العلاقات مع إسرائيل.
ويعتبر الموقف الجديد لحكومة العمال تحولا يميزها عن حكومة المحافظين، فقد كشفت صحيفة “الغارديان” يوم الثلاثاء أن ديفيد كاميرون تجاهل نصيحة بشأن خطر تواطؤ بريطانيا في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة بسبب صادرات الأسلحة إلى إسرائيل. ونقلت الصحيفة عن مستشار سابق في الخارجية البريطانية، قوله إن “وزير الخارجية السابق ديفيد كاميرون تجاهل نصيحة من مسؤولين في وزارة الخارجية في إسرائيل ولندن تفيد بوجود أدلة واضحة على انتهاكات للقانون الإنساني الدولي في غزة، وهو ما قد يجعل المملكة المتحدة معرضة لخطر التواطؤ”.
وقال المسؤول للصحيفة، إن ما ظهر في المذكرة “يشبه ما تم إرساله إلى الحكومة من مسودات مختلفة من قبل مستشاري وزارة الخارجية منذ شهر شباط/ فبراير، وكان الكثير منه مرتبطا بالوضع الإنساني المتدهور في غزة. ولكن ما تم نشره في النهاية كان بلغة أقل حدة”. وأضاف: “يجب أن نأخذ بعين الاعتبار المأساة، كم عدد الأرواح التي كان من الممكن إنقاذها لو تم إيقاف تراخيص تصدير الأسلحة في ذلك الوقت وليس في أيلول/ سبتمبر، وما هو التأثير المحتمل الذي قد يكون على كيفية رد فعل الدول الأخرى بوقف التجارة”.
وأضاف المسؤول في حديثه، “كانت النصيحة المرسلة إلى وزارة الخارجية واضحة بأن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي الإنساني كقوة احتلال.. كانت واضحة للغاية لدرجة أن هناك خطر تواطؤ المملكة المتحدة إذا لم يتم سحب التراخيص”.