الموسيقي السوري حسان طه: أنا خارج الإطار الذي يريده الغرب

حجم الخط
0

باريس- «القدس العربي»من راشد عيسى: يعمل الموسيقي السوري حسان طه منذ سنوات خارج بلده، لذلك ربما كان من الصعب تتبع سيرة عمله الموسيقي. هو سوري بلا حدود، تشغل باله بلاده ومدينته في كل تفصيل من حياته وعمله، ومع ذلك فإن أعماله، وجدت حظاً طيباً من الثناء، حيث يقيم في سويسرا.. لم تصلنا أخبارها، فهو من جهة وقف بحزم ضد النظام، ما يعني تهميشه وعدم الاعتراف بعمله، ولم يسع في الوقت ذاته إلى أطر المعارضة ومؤسساتها الثقافية والإعلامية التي لم تتعرف بعد، على ما يبدو، على خريطة المبدعين السوريين. القليل الذي وصلنا من أعمال الموسيقي حسان طه مؤثر ومبدع في تمثيله لثقافة بلده. هنا حديث مع الفنان عن شيء من تجربته في التأليف الموسيقي، وكيف اشتغل على بعض أعمال الشـــاعر الفلسطــــيني محـــمود درويش، وكيف أثرت الثــــورة في بلــده في حياته وأعماله.

■ أين أنت اليوم من عازف العود الذي كنته؟ من صورة شاب حمصي يتأبط عوداً؟
□ هناك تغير كبير طبعاً، لكن لا يمكن النظر إليه من خلال بُعد تقييمي (أفضل، أحسن، أعمق..)، فهي عملية طويلة من التغيّر والتحول كبير الصِّلة بمفهوم الحياة نفسها. كنت أتعامل مع آلة العود كمؤلف ولم أزل. علاقتي بالعود جاءت عن طريق الوراثة، من خلال عائلتي الحمصية (جدي وعمي العازف الحمصي سميح طه). غالباً ما أجد أن علاقتي بالعود علاقة ازدوجية يحكها التنافر والتصالح. شكلت بمراحل متعددة من حياتي عبئاً كبيراً كان من الصعب التخلص منه (مفهوم الهوية)، خاصة لمؤلف يحمل مشروعاً تجريبياً/ تخريبياً، بعيداً كل البعد عن ذهنية النقل، وإنما الإضافة. في المقابل شكل العود بالنسبة لي مرجعاً مهماً للمقام العربي، الذي لم أتعامل معه في كل أعمالي الموسيقية بشكل تقليدي، سواء على المستوى الموسيقي البنائي العمودي أو الأفقي، أحياناً بشكل غير مسر للأذن العربية من خلال تدميره للحصول على شكل موسيقي حي آخر. هنا عودة إلى مفهوم التحول والتغير الذي بدأت به حديثي كفعل حتمي لمفهوم الحياة.
■ أنت جئت في وقت كانت مغرية صورة عازف العود يجوب العالم وحيداَ مع عوده ومقطوعاته، الشهرة التي حققها منير بشير، نصير شمه، وسواهما، كانت مغرية لعازف عود أن يختار طريقاً مماثلا.
□ وأنا الآن في وقت الجميع في العالم العربي وأوروبا يريد أن يصبح مثل ربيع أبو خليل أو أنور إبراهام. المعادلة تصبح أكثر صعوبة هنا في أوروبا عندما يريد الأوروبي أن يضعك في الإطار ذاته. عازف عود مع بعض السرديات الموسيقية من موسيقى الجاز، لا تشكل في النهاية إلا عبارة عن ثرثرة موسيقية فارغة، يجدها الأوروبي مسلية.
■ أنت من مدينة حمص القديمة، تلك التي كان لها حضور كبير في الثورة السورية، وتعيش في الغرب قبل الثورة بسنوات، كيف تلقيت خبر اندلاع الثورة؟ كيف تفاعلت معها؟
□ تلقيت خبر الثورة السورية بخوف شديد ممزوج بدهشة كبيرة، الخوف يعود لعوامل كثيرة، من بينها أنني كسوري عشت معظم حياتي في ظل حكم ديكتاتوري. نعم، عشت أو تعايشت شعورياً أو لاشعورياً مع الخوف. أقول ذلك بكل شفافية. ذلك لا يشكل لي الآن طبعاً أي حالة مرضية، ولكنني وعيت في لحظة تلقي خبر الثورة من أين جاء ذلك الخوف، وكم من الطاقة يحتاج المرء للتخلص منه. الشق الآخر من الخوف سببه إدراكي أن الثمن سيكون غالياً جداً. كنت أتناقش مع نجاة (زوجتي) خلال الأشهر الأولى من الثورة، وهي كانت لا تفعل شيئاً سوى متابعة الأخبار، قلت لها الأحسن أن يعود الناس إلى بيوتهم، لم يحن الوقت بعد. طبعاً لا أجد هذا الكلام منطقياً الآن. لا زمان مناسباً أو تنظيماً عقلياً حتى يقول الإنسان لا. لن تنتظر هذه الـ(لا) حتى يحين الوقت. إنها تأتي كما الانفجار الكونيّ الأول، تحمل الكثير من الصدفة، الفوضى والطاقة. كنت قد عالجت مفهوم السلطة والقوة في عملي الموسيقي المسرحي «الباب هو الباب»، وهذا حديث آخر. لم أكن أتخيل في حياتي أن يخرج السوري يوماً إلى الشارع ليقول «لا»، و «بدنا حرية»، «الشعب السوري ما بينذل»، ولاحقاً «الشعب يريد إسقاط النظام». في عام 2011 كنت مشغولاً بكتابة أطروحة الماجستير في المدرسة العليا للفنون في برن، أذكر أنني كنت أذهب إلى ذلك المكان وأنا أردد بداخلي تلك الهتافات. لحظات من الانفصال عن الواقع الذي هنا، ذلك الـ»هنا» (سويسرا) يحمل إيقاعاً آخر بعيداً كل البعد عمّا يحدث هناك. كثيراً ما سببت لي لحظات الانفصال تلك مشكلة مع من أعمل معهم هنا.

بيانو مخيم اليرموك

■ هل تعتقد أن الموسيقى يمكن أن تفعل شيئاً أثناء الثورة؟
□ لا يمكن تحميل الموسيقى والفن أكثر مما يحتمل. أعتقد أن دور الموسيقى، كبقية المجالات الفنية الأخرى، سيكون مهماً في توثيق ما يحدث. لعب الفن في التاريخ هذا الدور، في أوروبا مثلاً بشكل كبير. لكن كيف يتم هذا التوثيق، الذي هو بالدرجة الأولى موقف إنساني جراء ما يحدث، ثم كيف سيكون طرح هذا الموقف فنياً تالياً. في اعتقادي من الأفضل أن يحمل هذا الطرح ثورية تتماشى مع ما يحدث، وبالتالي الثورية أيضا في المعالجة الفنية، وفي طرق التفكير.
الموسيقى، والفن بشكل عام، يقدم للثورة عندما يحمل فكراً تجديدياً بعيداً عن الكليشيهات. القصة يجب ألا تتلخص في أغنية حماسية فقط. أفكر دائماً بأن الثورة السورية قد تجاوزتنا بمراحل، نحن العاملين بالفن.
أذكر هنا ما تقوم به فرقة «شباب اليرموك» مثلاً. كنت قد سميتهم «البيانو المتحرك»، ذلك المشهد أراه يحمل أبعاد المفهوم المسرحي الموسيقي، طبعاً إذا تم النظر إليه بعيون جديدة وبأدوات نقد معاصرة. هو حتماً يشكل مادة فنية جديدة خصبة ومعاصرة، أتحدث هنا عن مفهوم آلية تفكير بعيداً عن اللحن والكلمة. البيانو المتحرك خلقته شروط الثورة، وشروط مكان لم يكن قبل الثورة.. لم يكن قبل الثورة بيانو متحرك في الشارع أو حتى على خشبة المسرح، كان هناك فقط البيانو الثابت في «دار الأسد».
■ شاهدت عملك «الخطبة»، على شريط فيديو، ورأيت أن حضور التأليف الموسيقي فيه يماثل في سطوته وقوته أداء الممثل، ماذا عن حيثيات هذا العمل؟ كيف يجري التأليف الموسيقي لعمل مسرحي شعري من هذا النوع؟ ماذا عن طريقة العمل؟ أعني متى بدأ شغلك، وماذا عن علاقتك مع الممثل، المخرج وباقي المشتغلين على العمل؟
□ عمل «خطب الدكتاتور الموزونة»، نص الشاعر الفلسطيني محمود درويش، لعازف إيقاع مع بدلة عسكرية، يعتمد على تقنية خاصة بالكتابة الموسيقية يطلق عليها المسرح الموسيقي أو (المسرح المؤُلف)، تتلخص أدواتها في توسيع مدى الآلة الموسيقية إلى الفضاء الخارجي المحيط بها، بدءاً من جسد الآلة نفسها (الطرق عليها) إلى العازف نفسه، جسده، إيماءاته، صوته وحركته. تعود جذور هذا النوع من الكتابة، وبحسب المؤلف الأمريكي John Cage، إلى اعتبار ان كل صوت هو موسيقى، وكل موسيقى هي صوت. هنا، في (المسرح المؤُلف) يصبح هذا الصوت هو المحرك الرئيسي لكل ما يحدث على الخشبة، وبالتالي يصبح كفعل. بدأت فكرة العمل عن طريق الصدفة، في صالة الأزياء في مدرسة الحركة في مدينة بيل السويسرية، حيث كنت أعمل على تحضير عمل «الحمام» مع عازف الإيقاع الألماني Raphael Sbrzesny، وكان يُحضر معي الماجستير في قسم «المسرح الموسيقي» التابع للمدرسة العليا للفنون في برن. كنّا نضحك من خطاب معمر القذافي، ثم فجأة جاءت فكرة البدلة العسكرية، وكيف يمكن أن تصبح، بما تحمله من نياشين وأوسمة، آلة موسيقية إيقاعية. بداية كان الأمر مضحكاً وفيه الكثير من اللعب وعدم الجدية، بعدها قامت مصممة الأزياء الألمانية Julia Hartmann بتصميم هذه البدلة /الآلة. لم يكن نص محمود درويش حاضراً في البداية في ذهني، لكن خلال الكتابة الموسيقية جاءت فكرة أن يصبح العمل كخطبة. نص درويش يتضمن ثلاثة خطابات: «خطاب الجلوس»، «خطاب الضجر»، و»خطاب السلام» ، ولقد اخترت خطابي الجلوس و الضجر، ومختارات من النص فقط.

موسيقى ضد الرأسمالية

■ لماذا تصر على تسمية العمل إذن تأليفاً موسيقياً وليس إخراجاً مسرحياً؟
□ لأن بناء العمل يعتمد على بارامتر موسيقي. هنا تصبح كل حركة بصرية، إيماءة، صوتا/ ضوء كعلامة موسيقية لها شكلها الزماني واللوني المحدد، كما لو أنك تقوم بعزفها على موسيقى معينة.
في الواقع أنا كمؤلف لا أكتب كل أعمالي الموسيقية بهذا التكنيك، القصة تتعلق بماهية الموضوع الذي تود أن تعالجه في مقطوعتك، وطبيعة الرسالة الجمالية والفكرية التي تريد إيصالها للمتلقي. في هذا النوع من التأليف الموسيقي تصبح الكتابة الموسيقية أكثر تعقيداً، لكن تصبح هناك مساحة أكبر لكسر نمطية التلقي الموسيقي، صدم المتلقي ونقله من موضع التلقي الموسيقي العادي إلى المواجهة، لذلك مثلاً في عملي «في المحيط»، الذي كتبه في 2012 بطلب من مهرجان «بينالي برن»، استخدمت أيضا تقنية المسرح الموسيقي في كتابة هذا العمل. وجدته مناسباً لنقد الرأسمالية والاحتجاج ضدها، وبالتحديد في قضية التلوث البيئي كنتيجة مباشرة من نتائج الاستهلاك الرأسمالي (جزيرة القمامة في المحيط الهادئ)، أو نقد كيفية استغلال العمال في الدول الفقيرة من قبل شركات تصنيع الموبايل العملاقة. «في المحيط» الذي يبدأ فيما العازفون يؤدون صلاة طقسية للرب (المال)، ثم ينتهون بأكياس قمامة سوداء كبيرة ومغلقة. أذكر أنه بعد العرض جاءتني سيدة سويسرية لتقول لي: «شيء مرعب، لقد شعرت بالاختناق».
■ في عملك «لاعب النرد» مقاربة موسيقية مختلفة جداً عن الكثير من أعمال تناولت قصائد محمود درويش، لماذا اخترت هذا النص؟ كيف قرأته؟ دعنا نتحدث عن الآلات التي استعملتها هنا، ولماذا هي دون غيرها؟
□ «لاعب النرد» كُتب لمغن شرقي، سنتور، فيولا، باص كلارينيت وزارب، النص قائم على مقاطع شعرية متفرقة من قصيدة «لاعب النرد». في عام 2010 طُلب مني كتابة عمل موسيقي للتشكيل الآلي السابق، ومن المفيد ذكره هنا انه عادة ما يحدد ما هي الاَلات التي سيكتب لها المؤلف عمله الموسيقي، سواء من المجموعة الموسيقية التي ستُؤدي العمل، أو الجهة الداعية له، لذلك لم يكن التشكيل الآلي لـ»لاعب النرد» من اختياري الشخصي، إلا أنني أجده تشكيلاً يحمل خصوصية آلية وأبعاداً صوتية غنية ومعاصرة.
أما عن اختياري للنص فقد جاء بسبب انشغالي تلك الفترة، ولا أزال، بمفهومين متناقضين لعبا الدور الكبير في تشكيلي الوجودي والفكري، هما مفهوم السلطة /القوة ومفهوم الحظ. على الرغم من أن مفهوم الحظ ورمية النرد تبدو طافية على سطح القصيدة أكثر، إلا أن النص يحمل سؤالاً وجودياً كبيراً حول مفهوم الهوية.
ما أثارني هو كيف عالج درويش هذين المفهومين بلغة تبدو سهلة بمفرادتها وغنائيتها، إلا انها تحمل فلسفة الوجودي العارف، شفافية الصوفي المثمن لكل تفصيل وجودي في حياته. عملت على نص درويش موسيقياً من خلال عدة مستويات منها: الجانب الصوتي للحرف أو المقطع الصوتي للكلمة. تفسير النص إيحائيا وصوتياً أكثر من تفسير معناه. التوازي مع النص وأحياناً التعارض معه. هناك ملامح لأسلوب المسرح الموسيقي في المقطع ما قبل الأخير، حيث يوجد سرد كلامي بدون غناء، هذا السرد يقوم به العازفون انفسهم وفي ثلاث لغات: العربية، الفرنسية والألمانية.
يحمل العمل تناقضات كثيرة منها أنه يحافظ على طبيعة الغناء العربي (لا يوجد أي تأثيرات من أساليب غناء أخرى مثل الغناء الأوبرالي أو غناء الجاز)، مع مرافقة موسيقية غير معتادة تحمل الكثير من التنافر، التشويش، التناثر وعدم الخطية. لذلك، وهنا فرصة لأقول بأن المغنية نجاة سليمان غنت هذا العمل بحرفية عالية جداً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية