الحكومة السودانية: دعوة بعثة تقصي الحقائق إلى نشر قوة لحماية المدنيين في البلاد محض أمنية للأعداء لا يمكن تحقيقها

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم- «القدس العربي»: أعلنت الحكومة السودانية رفضها توصيات بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة جملة وتفصيلاً، مؤكدة على موقفها المعلن المتحفظ على البعثة والتعاون معها. واتهمت البعثة بالافتقاد إلى المهنية والاستقلالية، معتبرة إياها هيئة سياسية لا قانونية متجاوزة لحدود تفويضها.
واستنكرت استباق البعثة دورة مجلس حقوق الإنسان المنتظر أن تبدأ أعمالها في العاشر من سبتمبر/ أيلول الجاري، بنشر تقريرها قبل أن يستمع إليه المجلس الذي أنشأها وتستمد منه تفويضها.
وقالت إن مسلك البعثة يفتقر إلى المهنية، الأمر الذي يعضد موقف حكومة السودان منها منذ تشكيلها الذي لم تؤيده أي من الدول الإفريقية والعربية، مشيراً إلى أن التوصيات التي قدمتها البعثة تتجاوز حدود تفويضها وتتماهى مع تحركات يشهدها مجلس الأمن الدولي من “قوى دولية معروفة ظلت تتصدر المواقف العدائية ضد السودان”.
والجمعة، أوصت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان، بنشر قوة مستقلة ومحايدة بتفويض لحماية المدنيين دون تأخير، مطالبة جميع الأطراف في البلاد بوقف الهجمات ضد المدنيين دون قيد أو شرط.
ودعت في تقريرها الأول إلى توسيع حظر الأسلحة القائم في دارفور، وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1556 للعام 2004 والقرارات اللاحقة، ليشمل كل السودان لوقف توريد الأسلحة والذخائر وغيرها من أشكال الدعم اللوجستي أو المالي للأطراف المتحاربة ومنع المزيد من التصعيد، مؤكدة على ضرورة إنشاء آلية قضائية دولية منفصلة تعمل جنباً إلى جنب ومكملة لمهام المحكمة الجنائية الدولية في السودان.
ويشار إلى أن بعثة تقصي الحقائق في السودان المكونة من ثلاثة خبراء برئاسة محمد شاندي وعضوية كل من جوي إيزيل ومنى رشماوي تشكلت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي. ويشمل نطاق تكليفها التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك تلك المرتكبة ضد اللاجئين، والجرائم ذات الصلة في سياق النزاع المسلح المستمر منذ 15 أبريل/ نيسان من العام الماضي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وتتضمن مهام البعثة التي أنشئت لمدة أولية مدتها عام واحد، القيام بجمع الأدلة وتحليلها تمهيداً لأي إجراءات قانونية مستقبلية وتقديم توصيات بهدف إنهاء الإفلات من العقاب وضمان المساءلة ووصول الضحايا إلى العدالة.
واعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية، بابكر الصديق، نشر البعثة تقريرها على نحو استباقي عملاً دعائياً قبل بدء مداولات مجلس حقوق الإنسان للتأثير على مواقف الدول الأعضاء لتحقيق أهداف سياسية بعينها وتمديد عمل البعثة.
وقال إن التقرير تناول ما ترتكبه قوات الدعم السريع من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم العنف الجنسي والاستعباد وتجنيد الأطفال واستهداف المدنيين على أسس عرقية. وزعم أن النزاع امتد إلى 14 ولاية من أصل 18. ومع ذلك دعا لحظر سلاح يشمل القوات المسلحة السودانية، مشيراً إلى أنها تقوم بالتصدي لهذه “الميليشيات” وتدافع عن المواطنين في وجه تلك الجرائم.
ولفت إلى أنها على الرغم من دور الجيش في حماية المدنيين تناقض البعثة نفسها بدعوتها إلى حظر سلاح الجيش على حد سواء مع الدعم السريع مع مطالبتها في ذات الوقت بتشكيل قوة دولية لحماية المدنيين.
وأضاف: ” هذا التناقض غريب، التوصية بحظر السلاح عن الجيش الوطني الذي يضطلع بدوره الدستوري والأخلاقي في حماية البلاد وشعبها، في اتساق مع القانون الدولي، وتوكل مهمة حماية المدنيين لقوة دولية لا يعرف متى ستشكل، وهل ستكون كافية لتغطي 14 ولاية، وهل سيشملها حظر السلاح الذي تدعو له البعثة في تجاوز واضح لتفويضها وصلاحيتها”. وتابع: “هذه الدعوة لا تعدو أن تكون أمنية لأعداء السودان ولن تتحقق”.
وشدد على أن حماية المدنيين ظلت أولوية قصوى لحكومة السودان، وإنها وقعت إعلان جدة في 11 مايو/ أيار من العام الماضي وتقدمت بمقترحات عملية لإقامة آلية مراقبة تضمن تنفيذه، مضيفاً: “إن الأطراف الدولية المعنية تجاهلت ذلك وظلت تتساهل مع استهداف الدعم السريع الممنهج للمدنيين والمؤسسات المدنية”. وأكد على أن إعلان جدة هو الإطار العملي الملائم لحماية المدنيين.
وأشار إلى تشكيل الحكومة اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني، كهيئة مستقلة، مؤكداً أن الغرض من تشكيلها محاربة الإفلات من العقاب وأنها قطعت شوطاً في أداء مهامها وقدمت تقريرين لمجلس حقوق الإنسان وستقدم تقريرها المرحلي في الاجتماع المرتقب.
وقال إنه في ظل وجود مسار قضائي وطني، فإن الدور الطبيعي لمجلس حقوق الإنسان هو دعم المسار الوطني إعمالاً لمبدأ التكاملية وليس السعي لفرض آلية خارجية بديلة.
ورحبت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” بما ورد في تقرير بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة من “رصد موثق للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها طرفا النزاع والقوى المحاربة معهما في السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل/ نيسان 2023.
ورأت أن البعثة بذلت جهداً في توثيق الانتهاكات والجرائم التي تشهدها البلاد، مؤكدة على ضرورة محاسبة المنتهكين وإنصاف الضحايا وجبر الضرر الذي حاق بملايين المدنيين العزل.
ودعت مجلس حقوق الإنسان لتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق ودعم عملها بما يقود لتطوير جهودها، مشددة على أهمية رفع وتيرة التواصل والتعاون بين القوى المدنية الديمقراطية في السودان وبعثة تقصي الحقائق بما يعينها على توثيق الانتهاكات والتوصية بسبل وآليات من شأنها إنهاء معاناة المدنيين وحمايتهم.
وأكدت “تقدم” على دعمها كل التدابير التي تقود لإنهاء الحرب وحماية المدنيين وتوصيل المساعدات الإنسانية وتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وعدم إطالة أمد الحرب، مشيرة إلى أن التقرير بين الحجم الواسع للانتهاكات ضد المدنيين مما يعلي من أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لوقف هذه الجرائم والتصدي لها.
وقالت إن إنهاء هذه المعاناة وحماية المدنيين وتجنيبهم مزيداً من المآسي التي يعيشونها لن يتحقق بصورة كاملة إلا عبر وقف الحرب وإنهائها وتحقيق سلام عادل ومستدام في البلاد، وتكثيف الجهود من أجل الوصول لوقف فوري للعدائيات بآليات مراقبة متفق عليها، داعية إلى توحيد أصوات السودانيين المناهضين للحرب وتنسيق الجهود الإقليمية والدولية.
وطالبت بالضغط على الأطراف التي وصفتها بالسالبة- لم تسمها- مشيرة إلى أنها ظلت تعيق محاولات وقف الحرب المتعددة وتقف حائلاً دون وضع حد لهذا للنزاع الدامي في البلاد، وإلزام جميع الأطراف بتنفيذ ما اتفق عليه في المنابر التفاوضية السابقة عبر قرارات وآليات ملزمة تقود لإنهاء الحرب.
وفي السياق، قال نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني وعضو الهيئة القيادية لتنسيقية القوى الديمقراطية خالد عمر يوسف، إن التقرير الذي أصدرته بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة يعد تقريراً مهماً وثق للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها طرفا النزاع والقوات المتحالفة معهم في السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل/ نيسان الماضي.
ورأى أن التوصيات التي اقترحها التقرير جيدة، مؤكداً على أن الخيارات الأفضل تظل بيد أهل السودان متى ما اشتد عزمهم لإنهاء الحرب عبر حل سلمي منصف ومستدام.
وأشار إلى أن صدور تقرير بعثة تقصي الحقائق يجب أن يسهم في إزالة الغشاوة التي غبشت الرؤية بخصوص الأوضاع في البلاد، مؤكداً على أن الواجب الآن ملقى على عاتق السودانيين المناهضين للحرب.
ودعا إلى العمل بجد لتعزيز كل ما من شأنه أن يضمن وقف هذه الانتهاكات وإيجاد سبل فعالة لحماية المدنيين، وتفعيل آليات العدالة التي تضمن المحاسبة والانصاف وجبر الضرر، مشيراً إلى أن التقرير حرر النقاش حول الجرائم التي ضيقت النزاع السياسي، ووضعها في سياقها الحقوقي والأخلاقي.
ويشار إلى أن تقرير بعثة تقصي الحقائق أشار إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتمثل في القتل والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتهجير القسري والنهب وتدمير الممتلكات.
وقالت إن القوات التي يتزعمها محمد حمدان دقلو “حميدتي” أصدرت أوامر بتشريد السكان المدنيين وتجنيد الأطفال دون سن 15 عاماً في الأعمال العدائية، فضلاً عن تنفيذها هجمات مروعة ضد المجتمعات غير العربية خاصة قبائل المساليت في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور وما حولها.
وفي ذات الوقت، قالت إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، والقوات المتحالفة مع الجانبين، مسؤولون عن أنماط من الانتهاكات واسعة النطاق.
وتشمل تلك الانتهاكات الهجمات العشوائية والمباشرة التي نفذت من خلال الغارات الجوية والقصف ضد المدنيين والمدارس والمستشفيات وشبكات الاتصالات وإمدادات المياه والكهرباء الحيوية.
وقالت البعثة إن تقريرها استند إلى مجموعة من التحقيقات قام بها الخبراء خلال زيارات لكل من تشاد وكينيا ويوغندا وشهادات 182 ناجياً من الحرب بالإضافة إلى خبراء حقوقيين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية