نير حسون
بين وفاء عليان (27 سنة) من قرية بيت نقوبا قرب القدس وحلمها باستكمال اللقب الجامعي الثاني في القانون في الجامعة العبرية، وقف امتحان واحد بسيط وهو امتحان “ياعل”، الذي يفحص معرفة اللغة العبرية وتم إجراؤه في نهاية تموز، والذي لا يبدو أنه عائق حقيقي للتسجيل قبل التعليم. ولكن عليان لم تنجح في التسجيل لهذا الامتحان، لأنها لا تملك رقم بطاقة هوية، ولم تنجح أيضاً في محاولة التسجيل بواسطة رقم بطاقة هوية والدها كما فعلت عندما سجلت لللقب الأول في جامعة بيت لحم.
ولدت عليان في القدس لأب من سكان إسرائيل وأم من الضفة، لكنها غير معترف بها كمقيمة في إسرائيل. عملياً، هي ليست مواطنة أو مقيمة في أي دولة في العالم. “لا يمكننا العيش”، قالت بحزن، “لا يمكنني التعلم في جامعة داخل إسرائيل لأنني لا أملك بطاقة هوية. يوقفونني على الحواجز، لا سيما أنني محجبة، ولا يمكنني الذهاب إلى صناديق المرضى، وفي فترة كورونا لم أتمكن من تلقي التطعيم إلى أن وافقت وزارة الصحة على ذهابي إلى عيادة الأجانب.
مثل عليان، في إسرائيل آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في وضع مؤقت غير محتمل في ظل غياب احتمالية الحصول على مكانة في الدولة التي يعيشون فيها. سبب ذلك هو تعديل قانون المواطنة في العام 2003 الذي منع منح الإقامة لفلسطينيين من الضفة أو من غزة الذين تزوجوا بإسرائيليين، والذي ينص على فرض قيود على إعطاء مكانة قانونية للأولاد. الأطفال الذي سجلوا في وزارة الداخلية قبل جيل الـ 14 يحصلون على مكانة الأب الإسرائيلي، في حين أن الأولاد الذي تم تسجيلهم بعد ذلك حصلوا على إذن إقامة عسكري، يتم تمديده بين حين وآخر. في الحالتين، العيش في الضفة الغربية ولو لفترة قصيرة، يسحب من الولد مكانته.
جاء تعديل القانون بقرار من الحكومة في الانتفاضة الثانية بذريعة اعتبارات أمنية، ولكن منذ ذلك الحين اعتبر سياسيون وموظفون عامون بأن هدف التعديل الحقيقي ديمغرافي. في العام 2002 تم إعداد مطوية في وزارة الداخلية كتب فيها أن “سن الهجرة (للفلسطينيين) ينطوي على خطر أمني جنائي وسياسي، وعبء اقتصادي، بالأساس ديمغرافي، على مستقبل إسرائيل”. وفي العام 2022 عندما صودق على التعديل من جديد كتعليمات لحالة الطوارئ، قال الوزير سموتريتش بأنه يهدف إلى منع “العودة الزاحفة إلى داخل دولة إسرائيل”.
المحكمة العليا ناقشت قانونية هذا التعديل عدة مرات، وصودق عليه في نهاية المطاف بأغلبية صوت واحد. “نقطة كانت انطلاق القضاة أن الأمر يتعلق بقانون مؤقت، لكن منذ ذلك الحين يمدد تلقائياً في كل سنة”، قالت المحامية عيدي لوستغمان التي تمثل عشرات الفلسطينيين الذين يريدون تسوية مكانتهم في إسرائيل. تعديل القانون تسبب بأن آلاف الفلسطينيين من الضفة وغزة الذين تزوجوا من إسرائيليين، لا سيما أولاد الزواج المختلط – فلسطينيين من شرقي القدس ومن مناطق السلطة الفلسطينية – يعيشون في إسرائيل بدون مكانة.
الأطفال الذين ولدوا لهؤلاء الأزواج في الانتفاضة الثانية أصبحوا بالغين الآن، ولبعضهم أزواج وأولاد لا مكانة لهم في إسرائيل، وبعضهم يعتبرون من سكان مناطق السلطة الفلسطينية رغم أنه لا عائلة أو علاقات هناك لهم، وآخرون لديهم إذن إقامة عسكري في إسرائيل بما يشبه العمال. ومن لديهم بطاقة هوية مؤقتة وعليهم تجديدها كل سنة بإجراء بيروقراطي معقد، وجب عليهم الإثبات فيه بأن إسرائيل هي مركز حياتهم وليس الضفة؛ كثيرون منهم لا مكانة قانونية لهم في أي مكان في العالم.
جميع هؤلاء يضطرون للعيش بشكل محدود، ولا يتمتعون بالحقوق الأساسية مثل المخصصات، ويجدون صعوبة في كسب الرزق. بدون رقم بطاقة هوية، لا يمكنهم فتح حساب بنكي أو إصدار رخصة قيادة أو العمل بشكل قانوني أو القبول في الدراسات العليا أو التسجيل في صناديق المرضى، ويطلب منهم عمل تأمين صحي خاص باهظ الثمن ومقلص. وأي خروج من البيت، لا سيما إذا كان مقروناً باجتياز حاجز، ربما ينتهي بالاعتقال. السياسة المتبعة بشأنهم تخرق حتى الميثاق الدولي حول مكانة من ليس لديهم جنسية، الذي يلزم الدول التي وقعت عليه ومن بينها إسرائيل، من التأكد بأنه لا يعيش داخل حدودها أشخاص لا مكانة لهم.
الخوف من الشرطة
أحياناً، يحدث أن أولادا لوالدين لديهما مكانة، يكونون بلا مكانة. فؤاد وأحمد (أسماء مستعارة)، 32، 33 سنة، اثنان من بين خمسة أخوة لوالدين فلسطينيين من القدس، لديهما مكانة مقيم دائم. الأخوة الثلاثة الآخرون تسجلوا في وزارة الداخلية وحصلوا على بطاقة الهوية الإسرائيلية، وليس ذلك بخصوص فؤاد وأحمد، اللذين بقيا بدون مكانة رغم أنهما ولدا في إسرائيل. وقد تضررا من ذلك في عدة مجالات، أحدها أن فؤاد رغم إنهائه 12 سنة تعليم في القدس، ولكن لا يتمكن من الحصول على شهادة الثانوية؛ لأنه بطاقة هوية له.
يقول فؤاد إنه في ظل غياب المكانة، فالصعوبة الأساسية التي يواجهها هي الخوف من الاعتقال. “كلما أشاهد رجال الشرطة أشعر بالخوف”، قال. هو يجد صعوبة أيضاً في إحصاء عدد المرات التي يُعتقل فيها ويؤخذ إلى مركز الشرطة لعدم امتلاكه لبطاقة هوية شخصية يعرضها لرجال الشرطة. ورغم ذلك، هو وشقيقه أحمد يعتبران محظوظين؛ لأنهما بعد نضال قانوني طويل حصلا على بطاقة هوية مؤقتة يمكن تجديدها في وزارة الداخلية كل سنتين بدلاً من كل سنة.
المحامية لوستغمان التي مثلتهما قالت: “من ليست له مكانة سيعيش في إسرائيل مثل المهاجرين أو مثل العمال الأجانب من المناطق؛ بدون أي حقوق أساسية مع شعور بالتقييد والتمييز والإهانة. وهذا لا يعتبر وضعاً مؤقتاً كجزء من إجراء الهجرة الذي له بداية ونهاية، ولكنه وضع دائم تعتمده وزارة الداخلية، وهي إجراءات معقدة، تسبب صعوبة حتى للمحامين لتجديد التصاريح”. وقد أشارت المحامية أيضاً إلى أن تجديد بطاقة الهوية المؤقتة مرهون بتقديم عشرات الوثائق وجلسة استماع أمام موظف في وزارة الداخلية، وأحياناً إجراء تحقيق مهين يتم فيه فحص أثاث بيت من يقدم الطلب، مثل الخزانة والثلاجة.
هناك حالات لا يحصل فيها الشخص على المكانة رغم أن كل أخوته يحصلون عليها، مثل حالة عادل متعب الذي ولد في 1978 لأم من سكان إسرائيل وأب من الخليل. قدمت الأم طوال سنوات عدداً من الطلبات للم شمل العائلة، إلى أن اعترفت الدولة في النهاية بالأخوة العشرة، بعضهم أكبر منه وآخرون أصغر منه كمقيمين. ولأسباب غير واضحة، بقي متعب بدون مكانة. وهو في سن الأربعين، بعد تقديم أربعة التماسات إدارية وسبعة طلبات لعقد جلسة إنسانية في وزارة الداخلية، أعطي بطاقة هوية مؤقتة يجب تجديدها كل سنتين.
“لم تكن لدي رخصة قيادة أو مكان عمل”، قال متعب قبل حصوله على بطاقة الهوية المؤقتة. “كان عليّ الذهاب إلى طبيب خاص، وأنا لم أتزوج لأنني لا أملك رقم بطاقة هوية. أعمل في سوبرماركت في حي للحريديم في القدس. وفي كل مرة يعتقلونني يأتي والدي لإطلاق سراحي. أحياناً لم أحصل على الراتب لمعرفتهم أنني لا أملك بطاقة هوية، ولا أستطيع فعل شيء لأطلب حقي”، قال.
وضع غير محتمل
عبد الله الجعبري ولد في 1987 لأم من سكان إسرائيل وأب من الخليل. ولأنه حتى العام 1994 لم يكن باستطاعة النساء من مواليد إسرائيل تقديم طلب للسماح للأزواج من الضفة بالمكوث في إسرائيل في إطار لم شمل العائلات، فقد اضطرت العائلة إلى العيش في الخليل. في 1995 تم تعديل القانون عقب التماس قدم للمحكمة العليا، وقدمت الأم طلبا للم شمل العائلات. ولكن قبل المصادقة عليه، ترك الأب العائلة وعادت الأم للعيش في القدس مع الأولاد الخمسة. خلال السنين، حاولت الأم تسوية مكانة الأولاد في إسرائيل، لكنها أصيبت بمرض السرطان وتوفيت عندما كان عمر الجعبري 15 سنة. لو عولج الطلب الذي قدمته في الوقت المناسب لحصل الجعبري على الإقامة في إسرائيل، لكنه كان أقل من 14 سنة عندما عاد مع والدته إلى القدس. وعندما أصبح عمره 27 سنة، بعد نضال قانوني طويل، حصل هو وأخوته الثلاثة على أرقام بطاقة هوية مؤقتة “لأسباب إنسانية”، لكن قبل سنتين، ألغت وزارة الداخلية إقامته المؤقتة لأنه تبين لها بأنه لم يبلغ عن زواجه من فلسطينية من الضفة. القاضية في المحكمة المركزية في القدس، عينات افمان مولر، رفضت الاستئناف الذي قدمه على القرار.
“أخطأت”، حاول الجعبري أن يشرح لها سبب عدم الإبلاغ عن زواجه. “لا أعرف اللغة العبرية. تربينا في القدس وكنت بصعوبة أجلب الطعام لإخوتي. لا يوجد لي والدان”. وقال للصحيفة بأنه خشي من الإبلاغ عن زواجه. “خفت من أن لا يعطوني بطاقة الهوية، ولا أريد أن يعاني أولادي. لم أحصل في أي وقت على أي شيكل من التأمين الوطني، ولم أحصل على العلاج من صناديق المرضى، ليس عليّ ديون للدولة لأنني أدفع كل شيء”. قدم استئنافاً للمحكمة العليا، وفي الشهر الماضي وافقت القاضية دفنه براك إيرز على موقف الدولة، وقررت أنه سيتم إلغاء مكانته المؤقتة منذ تشرين الأول، وبسبب ذلك سيفقد الجعبري مكان عمله وسيصبح مقيماً غير قانوني في بيته، ولا يمكنه العمل أو السياقة.
وجاء من سلطة السكان والهجرة: “في بداية الحديث، نوضح بأننا نفحص كل حالة على حدة مع الأخذ في الحسبان الظروف وحسب القانون والإجراءات المتبعة. بشكل عام، في الحالات التي يكون فيها أحد الوالدين مقيماً دائماً والآخر من سكان “المناطق” (القصد الضفة الغربية) فإننا لا نعطي المكانة بقوة الولادة، لأن الأمر يتعلق بأطفال لآباء من المقيمين. هناك إجراءات منظمة لتقديم طلب تسوية المكانة في مثل هذه الحالات. كثيرون، بما في ذلك أخوة الحالات التي تمت مناقشتها يحصلون على المكانة بحسب هذه الإجراءات. في إطار الطلب، المطلوب هو إثبات أن إسرائيل هي مركز الحياة”.
وجاء أيضاً بأن “عدم تقديم طلب في سن صغيرة ربما يكون مرتبطاً بالصعوبة في إثبات هذا الشرط، وفي الحالات التي يكون فيها الأولاد بالغين فإنهم لا يستحقون المكانة في إسرائيل. وعندما يدور الحديث عن بالغ، وأحد والديه من سكان المناطق (الضفة الغربية) وهو نفسه يعيش في مناطق السلطة، فسيكون التعامل معه وكأنه من سكان “المناطق”. وحسب تعليمات حالة الطوارئ، لا يحق له الحصول على مكانة في إسرائيل. في الحالات الاستثنائية التي لها أسباب إنسانية خاصة، يمكن التوجه إلى اللجنة الإنسانية التي تعمل بقوة قانون الطوارئ”.
هآرتس 9/9/2024