شهد بيتر بومونت مناطق حروب كثيرة خلال حياته، مثل العراق وأفغانستان وكوسوفو، ولكن عندما جاء إلى إسرائيل لتغطية الحرب في قطاع غزة واجهته صعوبة أخرى، وهي تغطية الحرب بدون أن يكون فيها. “هذا أحياناً كمحاولة تغطية الحرب من الفضاء الخارجي”، قال للصحيفة. “تنظر إلى صور الأقمار الصناعية وبيانات الموقع، وتحاول أن تستنتج منها ما يتعلق بالمكان الذي أنت بعيد عنه”. ليست هذه هي الزيارة الأولى لبومونت، المراسل الكبير في صحيفة “الغارديان”، في إسرائيل تحت النار. فقد كان هنا فترة عملية “الجرف الصامد” في 2014، وفي حينه شاهد من شرفة الفندق الذي كان فيه كيف تم قتل أربعة أطفال بقصف للجيش الإسرائيلي على شاطئ غزة. والآن يخفي ذلك عنه وعن المراسلين الآخرين.
هذا الأمر يستمر منذ 11 شهراً. عند اندلاع الحرب في قطاع غزة، تدفق إلى إسرائيل الكثير من المراسلين الأجانب الذين جاءوا لتغطية المذبحة، وأمل بعضهم في دخول القطاع، ولكنهم واجهوا إشارة ضوئية تقول “ممنوع الدخول”. في الوقت الذي لا يسمح العادية للمراسلين الإسرائيليين بدخول القطاع حتى في الأيام الأخيرة، سمح لمراسلين أجانب بالدخول إليها سابقاً، حتى في أيام الحرب (وأحياناً بعد نضال قانوني)، لكن الوضع تغير هذه المرة، ومن سبق له وكان هنا وكان يمكنه أن يبلغ عما يشاهده في الحروب السابقة، يضطر الآن لاعتماد على المراسلين المحليين وإجراء المقابلات عبر الهاتف وتحليل الأحداث بواسطة الأفلام والصور. عملياً، طريقة دخول المراسلين الوحيدة إلى القطاع مشروطة بصورة منظمة وبمرافقة أشخاص من قسم المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي؛ فيما تمر المواد التي يحصلون عليها من هناك بعملية “فحص”.
“ينجح الجيش في التحكم بالرواية على المدى القصير”، قال للصحيفة مراسل أجنبي يغطي الحرب لصالح جهة إعلام دولية. “ترمي إسرائيل الكثير من الادعاءات في الهواء، ويصعب فحصها أثناء الحرب وحتى بعدها، حيث لا يوجد لك أشخاص في الميدان”. وقال أيضاً إنه “حتى الآن، من غير الواضح ما الذي حدث في مستشفى الشفاء، على سبيل المثال”. ولكن ليست الادعاءات وحدها التي لا يمكن فحصها، فالمراسلون الذين تحدثت معهم “هآرتس” قالوا إنه وبنفس المستوى يصعب تأكيد ادعاءات حماس أو دحضها بدون التواجد في الميدان.
من بين الأسئلة الكثيرة، التي بقيت بدون إجابات في ظل غياب القدرة على الوصول إلى القطاع، يبرز السؤال حول الوضع في شمال القطاع. “لا أحد يعرف ما الذي يحدث هناك”، قال المراسل نفسه. “موضوع الجوع، كانت هناك أوقات صعبة جداً في الشمال، لكن لم نكن نعرف ما الذي يحدث. في الوضع الحالي، نضطر إلى الاعتماد على تغريدات المواطنين الذين يقولون أشياء كثيرة. لا يمكنك التأكد منها، والجيش ينفيها. عندها يصعب الإبلاغ عن ذلك”.
تذكر بومونت حرباً أخرى غطاها، وهي الحرب بين روسيا وأوكرانيا. ذات يوم، قصفت روسيا حافلة سيارات مدنية في أراضي أوكرانيا. “يمكنك الذهاب إلى هناك، وخلال خمس دقائق سترى أنك محاط بالجثث”، تذكر. “هذا يقلل الجهود لتفسير ما تراه، لأنك تعرف ما تراه”، قال. يعتقد أن القيود المانعة من وصول وسائل الإعلام إلى قطاع غزة ستغير التغطية بشكل جوهري. “هذه إحدى المشاكل الكبيرة. هذا يخلق إعلاماً يبتعد عن شهود العيان في المنطقة المعقدة جداً، التي تحاول فيها أن توازن الأمور والوصول إلى قرب كاف لما تعتقد أنه حدث”.
هل تريدون المخاطرة؟
في تموز الماضي، نشرت رسالة بتوقيع 73 وسيلة إعلام ومنظمة إعلامية، من بينها “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”سكاي نيوز”، دعت فيها إسرائيل إلى السماح بدخول المراسلين الأجانب إلى القطاع. حاولت الرسالة الإجابة عن الادعاء الذي يسمع بين حين وآخر في أوساط الجمهور الإسرائيلي، وهو أنه من الأفضل للمراسلين عدم الدخول إلى المنطقة؛ لأنه أمر قد يعرض حياتهم للخطر.
“ندرك الأخطار التي تحيط بمنطقة قتال أثناء التغطية”، كتب في الرسالة. “هذه أخطار أخذتها الكثير من المنظمات في الحسبان لعقود كثيرة من أجل تحقيق وتوثيق التطورات في الزمن الحقيقي وإدراك تأثير الحروب في أرجاء العالم”.
في ظل عدم وجود المراسلين الأجانب في القطاع، يقوم بالتغطية من الميدان الغزي مراسلون فلسطينيون، بينهم من يعمل لصالح وسائل إعلام دولية وبعضهم لصالح وسائل إعلام محلية، وهناك أشخاص يغطون لصالح الشبكات الاجتماعية. “هؤلاء المراسلون يقومون بعمل مدهش في ظروف لم يشاهدها أي مراسل أجنبي”، قالت جودي غينسبرغ، المديرة العامة لمنظمة لجنة حماية الصحافيين “سي.بي.جي”. وحسب أقوالها، فإن المراسلين المحليين يقومون بتغطية الحرب منذ أشهر بشكل مستمر تحت نفس القيود التي يعيش فيها كل سكان القطاع، من بينها عدم وجود الغذاء ونقص الوقود ومع أدوات تواجه الإضرار بها باستمرار. “بشكل عام، عندما يغطي المراسلون الحرب، محلياً أو دولياً، يمكنهم الانسحاب والاستراحة لبضعة أسابيع، وبعد ذلك يعودون”، قالت. “لكنهم يفعلون ذلك يوماً تلو الآخر”.
تغطية الحرب التي جرت في الميدان من قبل مراسلين فلسطينيين فقط، كما تقول غينسبرغ، تؤثر على الطريقة التي يتم فيها النظر إلى هذه التقارير، ويسمح لإسرائيل وأطراف أخرى بدحض المعلومات التي تأتي من هناك. “هذا يخلق مساحة يمكن التشكيك من خلالها بمصداقية المراسلين (الفلسطينيين) وقول كيف يمكننا الوثوق بهم؟”، قالت وشرحت. “بسبب أنهم محليون فهم بالتأكيد غير مستقلين”.
جميع المراسلين الأجانب الذين تحدثوا مع الصحيفة من أجل هذا المقال، أكدوا أهمية دور زملائهم بغزة في التغطية، لكن بعضهم قالوا إن الاعتماد عليهم لا يخلو من المشكلات؛ هذا لأنهم يتعرضون لضغط من حماس أو من وسائل إعلامها، أو من المحيط القريب، كما يحدث في أحيان كثيرة في مناطق الحروب.
“الكثير من المراسلين يعتقدون أن الدخول بمرافقة الجيش هو أفضل من لا شيء. ولكن خلال الحرب، كانت هناك وسائل إعلام أجنبية رفضت التوقيع على تعهد للجيش الإسرائيلي، وفضلت عدم الدخول. هذه مشكلة، خصوصاً حين تكون هي الطريقة الوحيدة للدخول. وكما يشير المفهوم نفسه، فإنك تكون مندمجاً مع الجيش”، قال كيسل. “تشاهد الأمور بمنظارهم وهم الذين يقررون مع من يمكن التحدث، ولا يسمح لك بالتحدث مع السكان المحليين، ليست هذه طريقة لتغطية حرب بشكل نزيه ودقيق ومهني”.
وقد جاء من المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي: “إن طلب المراسلين الأجانب الدخول بحرية، يخضع لاعتبارات المستوى السياسي. وفي إطار التماس قدمته منظمة الصحافيين الأجانب حول هذا الأمر للمحكمة العليا، رفضت المحكمة الالتماس ووافقت على موقف الدولة؛ بأنه لا يمكن السماح بحرية الحركة على خلفية الأخطار التي تنطوي على ذلك في الوقت الحالي. دخول المراسلين بدون تنسيق ومرافقة، ربما يعرض حياتهم للخطر، وربما قوات الجيش الإسرائيلي التي تعمل في القطاع”.
وجاء أيضاً بأن “الجيش الإسرائيلي لا يمس بالمراسلين بشكل متعمد. ربما أصيب هناك مراسلون على هامش نشاطات عملياتية، عسكرية وقانونية. في بعض الحالات، حدث الضرر عقب حقيقة أنهم نشطاء عسكريون في تنظيمات إرهابية، أو أنهم شاركوا مباشرة في القتال في ذلك الوقت”.
هاجر شيزاف
هآرتس 10/9/2024