بغداد: أكّد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الأربعاء أن بغداد وطهران ترفضان “توسعة الصراع” المستمر منذ أكثر من 11 شهرا في قطاع غزة، وذلك خلال مؤتمر صحافي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي يجري في العراق أول زيارة له إلى الخارج منذ انتخابه ويسعى لتعزيز العلاقات الثنائية.
وحطّت طائرة بزشكيان بعد ساعات من وقوع “هجوم” على “منشأة دبلوماسية أمريكية” في مطار بغداد الدولي من دون تسجيل إصابات، على ما أكّدت السفارة الأمريكية في العراق الأربعاء.
وفي تصريح لوكالة فرانس برس مساء الثلاثاء، قال مسؤول أمني عراقي كبير طالبا عدم الكشف عن هويته إنّ “صاروخين من نوع كاتيوشا” سقطا “أحدهما على سياج مكافحة الإرهاب والثاني داخل قاعدة التحالف” الدولي الذي تقوده واشنطن.
واستقبل السوداني بزشكيان في مطار بغداد الدولي حيث تصافحا ثم استمعا إلى عزف النشيدين الوطنيين.
بعد ذلك، توجه الرئيس الإيراني إلى النصب التذكاري في موقع اغتيال القائد السابق لفيلق القدس اللواء قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس بضربة أمريكية على بغداد في العام 2020، ووضع إكليلا من الزهر، حسبما أظهرت لقطات بثها التلفزيون الرسمي العراقي.
والتقى بعدها نظيره العراقي عبد اللطيف رشيد الذي دعا إلى “إطلاق مياه الأنهر الحدودية المشتركة والتوصل إلى تفاهمات مُرضية للجميع حول تقاسم المياه”.
ثم توجه بزشكيان إلى القصر الحكومي حيث وقّع مع السوداني “14 مذكرة تفاهم” في مختلف المجالات حسبما أكّد المسؤولان. وتشمل المذكرات الموقّعة مجالات التربية والإعلام والاتصالات والزراعة والمناطق الحرة العراقية-الإيرانية.
توقيع 14 مذكرة تفاهم بين العراق وإيران كمقدمة “لتعزيز التعاون”
وقال السوداني إن هذه “المذكرات (…) ستمثل مع مذكرات التفاهم الموقعة السابقة خارطة عمل واعدة للمضي في تعزيز التعاون المشترك بين البلدين”، مؤكدا أنه “كلما اتسعت هذه الشراكات، فإنها تنعكس إيجابا على مستوى الاستقرار الاقليمي”.
من جهته، أكّد بزشكيان أنه والسوداني “بحثا في مشاريع استراتيجية على المدى البعيد ستؤدي إلى تعاون أكبر بين البلدين”.
بعد حرب استمرت بين العامين 1980 و1988، تعزّزت العلاقات بين العراق وإيران خلال العقدين الماضيين بعد الغزو الأمريكي في العام 2003 الذي أطاح نظام صدام حسين.
وتتمتع إيران التي تعدّ أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق بنفوذ سياسي كبير في هذا البلد، خصوصا على الأحزاب الشيعية الرئيسية وفصائل الحشد الشعبي التي باتت منضوية في القوات الرسمية العراقية.
وتستمر زيارة بزشكيان ثلاثة أيام يعقد خلالها، بالإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، لقاءات مع إيرانيين ورجال أعمال، حسبما أفادت الرئاسة الإيرانية.
وسيزور مدن النجف وكربلاء والبصرة وكذلك إقليم كردستان العراق الذي تربطه بطهران علاقات متوترة.
وقال بزشكيان قبل مغادرته طهران إن “هذه الرحلة ستكون جيدة وفعالة من أجل خلق وتعميق العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية مع الدول الإسلامية بدءا بالعراق”.
وكان تعهد إعطاء “الأولوية” لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة في إطار سعيه إلى تخفيف عزلة إيران الدولية وتخفيف تأثير العقوبات الغربية على اقتصاد الجمهورية الإسلامية.
كذلك، تعهّد بزشكيان خلال حملته الانتخابية السعي لإحياء الاتفاق الدولي لعام 2015 الذي أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء تقييد أنشطتها النووية. وانسحبت الولايات المتحدة أحاديا من الاتفاق في 2018 معيدة فرض عقوبات قاسية خصوصا على صادرات النفط.
وعيّن بزشكيان مهندس اتفاق العام 2015 محمد جواد ظريف نائبا له للشؤون الاستراتيجية في إطار سعيه إلى انفتاح إيران على الساحة الدولية.
الثلاثاء، دانت باريس وبرلين ولندن “قيام إيران بعملية تصدير وحيازة روسيا لصواريخ بالستية إيرانية”، معلنة أنها ستفرض عقوبات جديدة على طهران.
من جهتها، هددت إيران الأربعاء بـ”اتخاذ تدابير” بشأن العقوبات الأوروبية “العدائية”.
ويزور سنويا ملايين الحجاج الإيرانيين مدينتَي النجف وكربلاء العراقيتين المقدستين.
وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن حجم التجارة غير النفطية بين إيران والعراق بلغ حوالى خمسة مليارات دولار بين آذار/ مارس 2024 وتموز/ يوليو 2024.
وتصدّر إيران كذلك ملايين الأمتار المكعبة من الغاز يوميا إلى العراق لتشغيل محطات الطاقة. والدولتان عضوان في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
وفي أيلول/ سبتمبر 2023، أطلق البلدان “مشروع ربط البصرة-الشلامجة” للسكك الحديد، وهو خط سيربط المدينة الساحلية الكبيرة في أقصى جنوب العراق بمعبر الشلامجة الحدودي على مسافة أكثر من 32 كيلومترا.
وتأتي زيارة بزشكيان وسط اضطرابات في الشرق الأوسط أثارتها الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة المقاومة الفلسطينية “حماس” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، والتي دفعت الفصائل المسلحة المدعومة من إيران في جميع أنحاء المنطقة لدعم الفلسطينيين.
وتطالب كل من طهران وبغداد بوقف لإطلاق النار في غزة. لكن في عملية توازن دقيق، تحافظ الحكومة العراقية أيضا على علاقات استراتيجية مع واشنطن خصوصا من الناحية العسكرية.
وفي آذار/ مارس 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقا أمنيا بعد أشهر قليلة على تنفيذ طهران ضربات ضد مجموعات كردية معارِضة في شمال العراق.
ومنذ ذلك الحين، اتفق البلدان على نزع سلاح المجموعات المتمرّدة الكردية الإيرانية وإبعادها من الحدود المشتركة.
وقال السوداني الأربعاء إن بغداد أكّدت “موقفها المبدئي والدستوري والقانوني بعدم السماح لأي جهة بارتكاب عدوان أو عمل مسلح أو تهديد عابر للحدود ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتخذ منطلقا من الأراضي العراقية”.
وأضاف “نجحنا في الاتفاق على ضبط الأوضاع الأمنية عند المناطق الحدودية”.
وتتّهم طهران هذه المجموعات بالحصول على أسلحة من جهة العراق، وبتأجيج التظاهرات التي اندلعت في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في أيلول/ سبتمبر 2022، بعد أيام على توقيفها من جانب شرطة الأخلاق لعدم التزامها قواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.
(أ ف ب)