«الغرفة المجاورة»: بيدرو ألمودوفار يصنع فيلما مبهجا عن الموت في مفارقة كبرى

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

فينيسا ـ «القدس العربي»: طالما كان الموت حاضرا في السينما، حيث تناولته السينما في العديد من الأفلام، من بينها تصور ما يأتي بعده مثل فيلم «مسألة حياة أو موت» لباول وبرسبرغر (1946) أو التي تتناول الانتحار مثل «الساعات» لستيفن دالدري (2002) أو التي تتعامل مع الشق الفلسفي للموت مثل «الخاتم السابع» لإنغمار برغمان (1957) لكن تناوله كان دوما حزينا رصينا تأمليا قاتما، مثل رقصة الموت في «الخاتم السابع» لبرغمان. لكن بدرو ألمودوفار في فيلمه «الغرفة المجاورة» المتوج بالأسد الذهبي لمهرجان البندقية في دورته الحادية والثمانين، يصور الموت تصورا مغيرا تماما، فهو موت ذو ألوان زاهية وغناء وحمرة شفاه حمراء فاقعة، وهو انتصار للإرادة الإنسانية وانتصار لقيم الرحمة والصداقة. يمكننا القول إن «الغرفة المجاورة» يطلب منا أن نجلس وجه لوجه مع الموت دون أن يبدو ذلك أمرا كئيبا. إنها جلسة في جو صحو مشمس تنتصر فيها إرادة الإنسان.
تدور أحداث الفيلم حول صديقتين في أواخر الخمسين أو أوائل الستين من عمريهما، هما صديقتان منذ أعوام طويلة، لكن ظروف العمل والحياة والأسفار باعدت بينهما. الصديقتان هما إنغريد (جوليان مور) وهي كاتبة وروائية، ومارثا (تيلدا سوينتون) وهي مراسلة حربية غطت جل الحروب التي شهدها العالم مثل غزو العراق. أثناء زيارة لنيويورك لحضور حفل توقيع لكتابها الجديد، تعلم إنغريد من صديقة مشتركة أن مارثا في المستشفى في نيويورك بعد إصابتها بالسرطان في مرحلة متأخرة، وأنها تخضع للعلاج الكيميائي لمحاولة السيطرة على المرض. وتعرف إنغريد أيضا أن مارثا تتلقى جرعات من عقار تجريبي قد يعد، إن نجح، فرصتها الوحيدة لوقف تدهور حالتها جراء المرض العضال.

تتجدد الصلات بعد زيارة إنغريد لمارثا في المستشفى، وتعود الصداقة قوية متينة لا تشوبها شائبة عتاب. يخلق المرض والشعور بأن الموت يدنو من مارثا، حالة من التأمل، التفكر في حياتها وفي علاقاتها، خاصة في علاقتها بابنتها الوحيدة، وهي علاقة إشكالية وشائكة. كما يضع المرض مارثا في مواجهة الموت، هي شجاعة لا تخشاه، لكنها تود أن تلقاه بشروطها لا بشروطه، تود أن تلقاه وهي ما زالت واعية لم يسلبها المرض قواها أو سيطرتها على جسدها أو حالتها العقلية. لدى مارثا رغبة كبيرة في البوح، في الحديث عما يعتمل في داخلها وعن رغبتها في أن تواجه الموت بشروطها، لكنها لا تفصح عما يعتمل في داخلها إلا لإنغريد، صديقتها التي تفهمها والتي تعلم أنها ستكون سندا ودعما لها في قراراتها. في واقع الحال، الفيلم إطاره الرئيسي محادثة مطولة بين الصديقتين، محادثة تتكشف فيها أسرار، لكنها تبقى محادثة حميمية بين صديقتين، حتى في مواجهة خصم لا مفر منه، وهو الموت.

«الغرفة المجاورة» أول فيلم روائي طويل لألمودوفار باللغة الإنكليزية، لكن اختلاف اللغة لا يغير من الطابع المميز لأفلام ألمودوفار، فنحن نرى طابعه المميز في أفلامه بلغته الأم، اللغة الإسبانية. نرى ألوان ألمودوفار الزاهية، الأزرق المتفجر الزرقة، والأحمر القاني، والأخضر الفاقع، نستمع إلى المحادثات بين الصديقات التي تتكشف فيها الأسرار، والتي ننفذ من خلالها إلى أعماق الشخصيات. تتحدث الصديقتان عن الأحباب السابقين، وعن علاقات الحب السابقة، وعن الكتاب الجديد لإنغريد، وعن علاقة مارثا بابنتها. لكن الحديث الرئيسي، والحاضر الغائب دوما هو الموت. لم تزهد مارثا في الحياة، ولا تخشى الموت أيضا، لكنها تود مواجهته بكرامة كندٍ له، تود أن تكون في أبهى حللها وأفضل زينتها، وأن تختار كيف ومتى ستواجهه.
اختيار ألمودوفار لتيلدا سوينتون لتؤدي دور مارثا، اختيار موفق ومتقن ومؤثر للغاية. ملامحة سوينتون، ببياضها الشاحب وقسماتها الدقيقة الحادة، توحي بالرهافة والتصميم وقوة الشكيمة في آن. هي امرأة يوحي جسدها النحيل ووجهها الشاحب بأنها تواجه مرضا عضالا، لكنها في الوقت ذاته ذات نظرة حادة تتقد ذكاء وتتسم بالتحدي والعزم والإصرار. مارثا امرأة اعتادت على أن تكون على الجبهة تنقل أنباء الحروب، واعتادت في حياتها العملية على رؤية الموت والقتل، لكنها الآن تواجه الموت، ليس كأمر يحدث للآخرين لكن كأمر يحدث لها شخصيا، وهي بالتالي في حاجة إلى عون صديقتها إنغريد، لتكون إلى جوارها، في الغرفة المجاورة، حين تقرر أن تتخذ أصعب قرارات حياتها.

«الغرفة المجاورة» ليس فيلما عن القتل الرحيم، وليس عن المطالبة بتقنينه، رغم أننا نستشف أن الفيلم يساند قرار المرء أن ينهي حياته بكرامة قبل أن يسلبه المرض والألم قدراته الجسدية. وعلى الرغم من أن جزءا من أجزاء الفيلم مخصص لتلقين مارثا لإنغريد ما يجب أن تقوله للشرطة بعد موت مارثا حتى تنفي عن نفسها شبهة مساعدة صديقتها على إنهاء حياتها، وهو أمر مناف للقانون في الولايات المتحدة، إلا أن جوهر الفيلم هو كل ما يعتمل في نفس الإنسان، كل الأمنيات وقرارات الماضي والتأمل في الحياة، التي يواجهها الإنسان، حين يعلم أنه على وشك الموت. رغم أن القضية الرئيسية في الفيلم هي الموت ومواجهته، إلا أنه أيضا فيلم يحفل بالحياة ويحتفي بها. نرى مارثا في بادئ الفيلم تروي الزرع في شرفتها، حتى يبقى مزهرا منتعشا، ونراها تقرر أن تستأجر منزلا أنيقا وسط الطبيعة الغناء والغابات والحياة البرية، حتى تكون محاطة بالحياة حين تقرر الموت، بل إن مارثا تجد امتدادا لذاتها وحياتها في صديقتها إنغريد، فهي تقرر أن تورث منزلها الأنيق في نيويورك مشاركة لابنتها وصديقتها إنغريد، لتسلم الراية لصديقتها لتكمل رسالتها كأم وراعية للمنزل والابنة.
«الغرفة المجاورة» كما هو الحال في العديد من أفلام ألمودوفار مثل «فولفير» (2006) و»نساء على وشك الانهيار العصبي» (1988) و»أمهات موازيات» (2021) و»خوليتا» (2016) فيلم عن النساء وعالمهن. هو فيلم تلعب فيه الصداقة بين النساء دورا رئيسيا، ويلعب فيه الحديث بين النساء والبوح بالأسرار، الذي لا يمكن أن يحدث إلا مع صديقة مقربة، دورا رئيسيا. تستمع إنغريد إلى بوح مارثا بفهم وتفهم، لا يحتاج الأمر تبريرا ولا خلافا، بل هو التفهم التام من الصديقة لصديقتها والرغبة في أن تكون سندا وسكنا في أصعب أوقات الحياة.
قد يبدو النقاش عن الموت أمرا كئيبا مظلما، لكن ألمودوفار يحيل هذه الظلمة نورا وألوانا وشمسا تدفئ الروح والجسدن وبوحا بين صديقتين. قد يبدو إنجاز فيلم بهيج دافئ عن الموت مهمة شبه مستحيلة، لكن ألمودوفار في «الغرفة المجاورة» يحقق تلك المهمة شبه المستحيلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية