عاد الجيش الإسرائيلي مرة أخرى ليكون “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”. لم تكد تمر أربعة أيام على قتل جنوده للناشطة في حقوق الإنسان، الأمريكية، عائشة نور عزغي ايغي، حتى استكمل التحقيق الذي فتحه، والذي توصل إلى الاستنتاج المبرئ: أصيبت المواطنة بطريقة غير مباشرة وغير متعمدة في إطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي الذي كان موجهاً نحو أحد المحرضين الرئيسيين. إصابة غير مباشرة وغير متعمدة للنار الموجهة. هل فهمتم؟ مشكوك في ذلك.
في الوقت الذي نزل فيه المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بالحبل للنفق الذي أعدم فيه المخطوفون الستة ليعرض أمام العالم فظاعة الوضع الذي تم احتجازهم فيه (متى سيأخذنا إلى “سديه تيمان” لرؤية ظروف الاعتقال الصادمة للمخطوفين الفلسطينيين المكبلين هناك؟)، صاغ جنود وحدته تفسيراً متعرجاً للقتل الإجرامي لامرأة بريئة.
من نافل القول التوضيح بأن التحقيق الموسع هدف فقط لإرضاء الأمريكيين، الذين قال رئيسهم بأنه “قلق لقتل مواطنة من بلاده”. وبعد إزالة القلق، كانت رسالة الجيش المتعرجة كافية لتخفيف الانزعاج الرئاسي. الأمر الأخير الذي يقلق البيت الأبيض هو قتل ناشطة متعاطفة مع الفلسطينيين. من كان عليهم الانزعاج من هذا التفسير هم الذين لم يهتموا بالقصة من البداية- الإسرائيليون.
أعلن المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي “الموت للمحرضين”. الجنود أطلقوا النار على محرض لإعدامه، وبالخطأ أصابوا محرضة أخرى. هذا يحدث. بكلمات أخرى: تغيير مبالغ فيه في أوامر فتح النار، والآن أيضاً أصبح رسمياً وعلنياً. إذا كان الأمر يحتاج في السابق إلى إثبات وجود خطر، بات يكفي الآن تشخيص التحريض. من هو المحرض بالضبط؟ هل هو الذي يطالب بتحرير الشعب الفلسطيني أثناء المظاهرات؟ من يطالب بإخلاء البؤرة الاستيطانية الوحشية والهستيرية “أفيتار”؟ من يتظاهر لصالح تأييد حقه في أرضه؟
ما الذي قلناه؟ “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”. هناك شك إذا كان المتحدث بلسان الجيش الروسي سيتجرأ على الاعتراف بأن جنوده يطلقون النار من أجل قتل المحرضين.
“التحريض” بالنسبة لسلاح دعاية دانيال هاغاري مهما كان معناه، فهو ذريعة من أجل الإعدام. لم يبق سوى قدرة قنص فاشلة يوجهها أحد الجنود نحو أحد المحرضين (المحرض الرئيسي) ليصيب محرضة أخرى. يسهل وصف السائحة الأمريكية بأنها محرضة؛ فقد كانت تؤيد إعطاء العدالة للفلسطينيين. سيتم توضيح الإجراءات، وسيرسَل والجنود إلى حقل رماية آخر. من فضلكم، افحصوا جوازات السفر قبل الإعدام القادم. من الأفضل عدم المس بالأمريكيين. لو أن الإصابة في ذلك اليوم كانت لفلسطينية ابنة 13 سنة في قرية قريبة، لما حقق أحد في ذلك. لا أحد يقلقه ذلك. ربما هي أيضاً محرضة بوقوفها على شرفة البيت.
جندي يطلق رصاصة في مظاهرة، فقتلت متظاهرة. ما الأمر الأكثر طبيعية من ذلك؟ لكن الزميل يونتان فولك، الذي كان في القرية أثناء عملية القتل، قال إن الجنود أطلقوا النار على الناشطة بعد عشرين دقيقة على توقف المواجهة. إذا كان الأمر هكذا، فهو قتل بدم بارد. كان هذا نشاط عائشة الاحتجاجي الأول والأخير. أي مجتمع سليم كان على الأقل سيحترمها للمرة الأخيرة على شجاعتها ومبادئها.
الأمر الذي يجب أن يقلق هو ما يوجد بين السطور في إعلان المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي: التحريض ذريعة للإعدام. لم يعترض أحد على ذلك! توجد أوجه كثيرة للتحريض. إذا كانت الدعوة لحرية الفلسطينيين تحريضاً عقوبته الإعدام، وإذا كان الاحتجاج ضد سرقة الأراضي الخاصة تحريضاً، فيمكن التدهور بسرعة إلى منزلق لزج. لماذا لم يسمح لرجال الشرطة بقتل المحرضين في “كابلان”؟ وماذا عن المحرضين في مزرعة رونين؟ هم ليسوا محرضين فقط، بل وينفذون تحريضهم. هل نعدمهم؟ وماذا عن المحرضين الكبار في الحكومة وفي وسائل الإعلام الذين يطالبون بـ “تسوية غزة” و”زج” العشب الأخضر فيها؟ جميعهم يستحقون الموت. أيها القناصة، أطلقوا النار، بإذن من هاغاري.
جدعون ليفي
هآرتس 12/9/2024