المقاومة في الضفة الغربية من «جز العشب» إلى «اقتلاع الجذور»

سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

رام الله ـ «القدس العربي»: لم تنته العملية العسكرية في شمال الضفة الغربية، فهي متدحرجة ومستمرة و»عند الطلب» الميداني، فالعملية التي انطلقت في 28 آب/أغسطس 2024 بعملية عسكرية مكثفة على ثلاث من محافظات شمال الضفة الغربية ومخيمات اللاجئين فيها، شملت جنين ومخيمها، وطولكرم ومخيمي نور شمس وطولكرم، ومدينة طوباس ومخيم الفارعة، لم تنته، وبالكاد انسحبت القوات الإسرائيلية من مدينة أو مخيم فلسطيني حتى تعود إليه موقعة خسائر في صفوف مواطنين ومقاومين وبنية تحتية.

وهو ما يعجل بطرح السؤال الأبرز: هل يسعى الاحتلال إلى حسم مستقبل الضفة حسب منظوره السياسي؟ وهو السؤال ذاته، الذي حاول تقدير موقف صادر عن مركز رؤية للتنمية السياسية حمل عنوان: «العدوان الإسرائيلي على الضفة.. الادعاءات والمآلات» الإجابة عليه.
وحسب الباحث سليمان بشارات، معد التقدير، فقد عمل الاحتلال الإسرائيلي على تضخيم التهديد الأمني الذي يتعرض له من محافظات شمال الضفة، وأعطى لذلك زخمًا سياسيًا وإعلاميًا عبر منصاته المختلفة، وعلى لسان قياداته السياسية والعسكرية، بل ذهب أبعد من ذلك عندما وصف الضفة بأنها جبهة قتال ثانية بعد غزة، حيث استدعى وحدات من الجيش كانت متمركزة عند الحدود الشمالية لتعزيز الحالة العسكرية بالضفة، وهو ما يشي بأن هناك حالة من التضخيم تتخطى الأهداف المعلنة، المتمثلة في القضاء على النموذج المقاوم الذي نشأ في شمال الضفة.
ينطلق الادعاء الإسرائيلي في سرديته من تصاعد حالة المقاومة في الضفة، والتحول في أدواتها ومنهجياتها من التصدي للعدوان اليومي الذي تعيشه مدن وبلدات الضفة عبر التوغلات والاقتحامات، إلى الانطلاق في تنفيذ عمليات إطلاق نار، وإيقاع قتلى في صفوف الجيش والمستوطنين، كالعملية التي وقعت في منطقة الأغوار، أو التطور في صناعة العبوات الناسفة التي باتت تشكل هاجسًا للآليات العسكرية المقتحمة لمخيمات وبلدات الضفة، وصولًا إلى العملية الاستشهادية التي وقعت في تل أبيب. وبالتالي، ووفقًا لهذه الادعاءات، فإن الخشية الإسرائيلية من فقدان السيطرة على الحالة الميدانية بالضفة، باتت واضحة.
ويرى بشارات انه انطلاقًا من الادعاءات التي يحاول أن يروج لها الاحتلال، فإن الأهداف الإسرائيلية المعلنة للعدوان تبدو كغطاء لإضفاء شرعية على تنفيذ عملية ممنهجة لتحقيق أهداف استراتيجية للاحتلال بالضفة، تتمثل في إعادة رسم ملامح الخريطة الجغرافية والديموغرافية الفلسطينية فيها، تمكن الاحتلال من فرض رؤيته للمستقبل، وتعزيز وجوده على حساب الوجود الفلسطيني، وهو ما يمكن أن يتمثل في أربعة أهداف رئيسية وهي: إعادة الثقة للقدرة العسكرية الإسرائيلية، وإعادة السيطرة والتحكم في ظل ظهور المجموعات المقاومة تحت مسمى «الكتائب» أو «المجموعات» في شمال الضفة بعد عام 2022 وإضعاف فرص إقامة الكيان السياسي الفلسطيني، وضرب الحاضنة الشعبية وإضعافها ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة الطوعية.
ويخلص بشارات، وهو باحث في مؤسسة يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، أن الاحتلال الإسرائيلي يعتقد، وفي مقدمته تيار الصهيونية الدينية الذي يسيطر على مفاصل الحكم داخل الكيان، أن التوقيت الآن بات مناسبًا والفرصة مواتية، لفرض برنامجهم الذي عبر عنه سموتريتش عام 2017 فيما سمي بخطة حسم الصراع بديلًا عن إدارة الصراع، والذي يفضي في محصلته إلى إقامة الدولة اليهودية على حساب الوجود الفلسطيني، والدفع بالفلسطينيين إلى الهجرة، والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي الفلسطينية. وما يشجع ذلك هو حالة الانسياق التام، والغطاء الذي توفره الولايات المتحدة، إلى جانب حالة الصمت والعجز العربي والإقليمي لما يحدث بحق الفلسطينيين.
يذهب الباحث معز كراجة إلى نفس استنتاجات بشارات حيث يقول: «لم تتطور قدرات المقاومة في الأسابيع والأشهر الأخيرة حتى تفرض على إسرائيل ضرورة شن هجوم عسكري واسع، خاصة وأنها تلاحق شمال الضفة تحديدا منذ عملية كاسر الأمواج وتمارس منذ سنوات ما أسمته جز العشب. لذلك كل التحليلات التي تغزو الإعلام حاليا مجرد تساوق ساذج مع الطريقة الدعائية التي سوّق بها الاحتلال هجومه هذا».
يقول كراجة: «بدأ الاحتلال تسويقه ببيان عسكري، وبتصريحات على مستويات سياسية عليا كوزير خارجيتهم، الذي تحدث عن حرب شاملة و إجلاء السكان من مناطق القتال، وبكثافة التوصيفات التي ضخها الإعلام العبري لدرجة تشعرك بأنهم ذاهبون لمواجهة جيش نظامي، وإسرائيل لا تفعل هذا التسويق من فراغ، وإنما هذه أحد عناصر استراتيجيتها التي اتبعت في غزة، وتعيد إنتاجها الآن في الضفة، حيث تعلن عن أهداف صالحة للتداول الإعلامي، كالقضاء على المقاومة واستعادة الأسرى في غزة، وإحباط خطر عمليات إرهابية ستصدر من الضفة كما صرح قبل قليل رئيس الأركان. ولكن تحت هذه الأهداف المعلنة هناك هدف غير معلن وهو الأهم الذي تسعى إليه ويتمثل في حسم شكل العلاقة مع الضفة والقطاع».
ويرى الباحث كراجة أن إسرائيل تسعى الآن إلى تجاوز تركة «اوسلو» وترتيباته الإدارية والسياسية الى غير رجعة. تجاوز يقوم على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية أكثر مما هي عليه الآن، وإعادة تشكيل التوزيع السكاني الفلسطيني من خلال سياسات «النزوح والإجلاء» بما يلائم الاستيطان وإعادة الاحتلال، وتفكيك الكيانية الفلسطينية وتحويلها لمجموعات لا روابط سياسية وإدارية وتمثيلية بينها. هذه الأهداف التي تراكم تحقيقها يوما بعد يوم تحت ستار الأهداف المعلنة.

المختلف في العملية

سألت «القدس العربي» الدكتور أحمد أبو الهيجاء، الباحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية حول تكتيكات الجيش الإسرائيلي في عمليته العسكرية الراهنة، وعن الجديد الذي تضمنته فأكد على أنها «استمرار للعمل العسكري السابق، لكن بطريقة أكثر قسوة. فعليا ليست أول مرة يدمر بنية تحتية أو يغتال. لكن هذه المرة مارس الضغط بطريقة أكثر شمولية، فهو في مرحلة أزمة شديدة داخلية. ومن الطبيعي جدا أن يفجر كل أزماته بشكل انتقام من الفلسطينيين، فهذا سلوك تاريخي».
يتابع: «يمكن هنا أن نضع عنوانا في هذا الملف وهو أن إسرائيل بعد 7 أكتوبر دخلت مرحلة التوحش من أوسع أبوابه، ليست هناك تكتيكات حرب بل ممارسات توحش، حيث نرى كل الممارسات الخارجة عن الأعراف والقوانين واتفاقيات جنيف المعمول بها».
ويكمل في حديثه عن التكتيكات العسكرية المستخدمة مشددا على أنه يغلب عليها الضربات الاستباقية لأي ظهور مقاوم في الضفة الغربية، ويشدد أبو الهيجا: «هنا نلمس استشعارا كبيرا لحالة عدم يقين من بقاء الضفة ساكنة وصامتة، وأن تبقى بحال الخمول الذي كانت فيه. الجيش يلجأ لأساليب أكثر قسوة. في هذا الاتجاه. قد يكون في الموضوع سوء تقدير لموقف أو قراءة مختلفة لإمكانية احتواء الحرب في الشمال، وبالتالي يجب ان يكون هناك عملية بهذا الكم واستجلاب جنود بهذا العدد من أجل استباق الأمر في حال حدثت الحرب في الشمال، وهذا يعني أنه يراد أن تكون جبهة الضفة خاملة وتم السيطرة عليها بشكل كامل في هذا الوقت».
ويكمل أبو الهيجا: «يجب النظر لما يجري في جنين ومحيطها على أنها بروفة أولية لطريقة التوحش في الضفة الغربية خلال السنوات المقبلة وليس خلال الفترة القريبة».
وحول رؤيته وتقييمه لردود فعل مجموعات المقاومة شدد على أن هناك تباينا كبيرا، بدرجة أولى هناك حالة من الصمود، والإصرار والعناد الشديد عند جيل الشباب من المقاومين، وهذا لا يمكن الاستهانة به أو التقليل منه، لكن في المقابل ما نلاحظه أن هناك نوعا من الضعف الأمني الموجود عند المقاومين، بحيث يتم الحاق خسائر فادحة بهم بذات الطرق المتكررة والتي تعكس عدم اتباعهم الارشادات الأمنية في هذا الموضوع، هنا يمكن الحديث كثيرا، فالمجموعات المقاومة لها ما لها وعليها ما عليها».
ويشدد: «غير أن المهم رغم كون الحالة النضالية هشة إلا انها طموحة ومثابرة وعنيدة إلى درجة كبيرة وصعبة الاستئصال».
يتحدث أحمد أبو الهيجاء حول سيناريوهات مستقبل المقاومة في الضفة الغربية بعد العملية العسكرية الحالية مشيرا في البداية إلى أنه لا يمكن إنكار أن العملية العسكرية نجحت في تصفية مفاصل أساسية للخلايا العسكرية لمجموعات المقاومة في جنين وطولكرم وطوباس، لكنه يستدرك بالقول: «ذلك حدث مرارًا خلال السنوات الأخيرة، ولم يحتج الأمر لأكثر من أسابيع قليلة لإعادة ترميم تلك المجموعات بعناصر جديدة، وهو المتوقع في هذه المرحلة، ولا يوجد ما يشير لغير ذلك».
ويرى أن أحد السيناريوهات هو أن تقوم السلطة الفلسطينية بملء الفراغ فورًا بعد انسحاب قوات الاحتلال، بفعل اختلال التوازن وضعف تلك المجموعات بعد العملية الإسرائيلية المركبة.
ويرى أبو الهيجا أن هناك سيناريو يقول إن أنماط ونماذج المقاومة قد تتغير من خلال التحول إلى الخلايا المغلقة السرية ذات الاحترافية العالية، وهو سيناريو أقرب للتعميم في المرحلة المقبلة خاصة مع استشعار التكلفة الباهظة لعمل المجموعات شبه المكشوفة والاشتباك المباشر.
وإلى جانب السيناريوهات الثلاثة يرى أن هناك سيناريوهين الأول يرى أن هناك احتمال تعميم المقاومة بمختلف مناطق الضفة الغربية، وثانيا أن يحدث الانفجار الشامل في الضفة وهو سيناريو مستبعد في هذه المرحلة.

مرحلة اقتلاع الجذور

ويرى أبو الهيجا أن الاحتلال انتقل من عملية جز العشب إلى اقتلاع الجذور، والملاحظ هنا انه من الصعب أن تقتلع الجذور لكن المتوقع هو أن تغير المقاومة شكلها مثل التحول نحو السرية وإعادة تقييم تجربتها، فنحن فعليا في مرحلة التوحش التي تم التحذير منها خلال السنوات الماضية لكونها تتم بدون قواعد أو ضوابط عسكرية.
وأمام ما يطلق عليه «مرحلة التوحش» يكون السؤال حول الموقف الفلسطيني واستجابته، يعلق الباحث أبو الهيجا معتبرا مرحلة التوحش التي وصل إليها الاحتلال الإسرائيلي تعكس في جزء منها عدا عن نزعة التطرف العالية التي وصلها المجتمع الإسرائيلي، تعكس أزمة اتخاذ القرار في إسرائيل، هنا يشدد على أنه من الواضح أن الممارسات الاحتلالية في الضفة الغربية ليست مناورة عسكرية، بل هي نتيجة الخلاف بين المستوى العسكري والسياسي في التعامل مع الضفة الغربية، فالمستوى الأمني والعسكري ليس معنيا بالتعامل الفض مع الضفة، فهو لا يريد اخراج المارد من القمقم كما يقال، وهو يصف السياسيين المتطرفين في إسرائيل على انهم غير مخضرمين وينقصهم فهم الواقع الفلسطيني، وفي المقابل يذهب اليمين لموضوع الحسم مع الضفة، يريد أن يأخذ الضفة لتصعيد شامل، فهناك أجندة أيديولوجية عند المستوطنين يحكمها عامل التفجير الذي قد يقود لتهجير داخلي أو سيطرة على الأرض».
هنا من المهم التأكيد ان الإسرائيليين لا يختلفون على الهدف بين المستويين السياسي والعسكري، لكن الخلاف حول الطريقة، وهو ما يتطلب من الفلسطينيين أن يكونوا أكثر تماسكا، أن تكون لديهم استراتيجية للتعامل مع الضفة، «نحن بحاجة إلى الوحدة الوطنية، وكذلك إلى رؤية لتعزيز صمود الناس في أرضيها، ورؤية للدفاع عن المواطنين، والأهم استراتيجية المقاومة متفق عليها، وأخيرا، تعزيز الحاضنة الشعبية بعيدا عن الممارسات الضيقة التي تتم على أرض الواقع».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية