رئيس الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال إسرائيل سفينة تبحر بلا بوصلة استراتيجية وحليفتها أمريكا لا تعرف ماهي أهدافها

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: يؤكد رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق الجنرال في الاحتياط والرئيس السابق لمعهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب دكتور عاموس يادلين أن إسرائيل تسير بلا بوصلة إستراتيجية وأن حلفائها لا يفهمون ماهي أهدافها وإلى أين تسير، ويقدّم رؤية مقترحة لتصحيح الانحراف. «إلى أين تتجهون؟» هذا هو السؤال الذي يتكرر في كل اجتماع. عن ذلك يقول إن الولايات المتحدة لا تفهم الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل من هذه الحرب، ومن وجهة نظرها، تبدو إسرائيل كأنها تخوض حرباً لا نهاية لها، تستنزف فيها مكانتها الاقتصادية والسياسية من ناحية، ولا تحقق أهدافها من ناحية أُخرى، فلا دُمّرت «حماس» ولا عاد المخطوفون، ولا توقّف حزب الله عن إنهاك الشمال، في حين تواصل إيران تقدّمها نحو السلاح النووي. يوضح يادلين أن هناك التزاما أمريكيا بشأن حماية إسرائيل؛ لكن هذا الالتزام ليس «شيكاً مفتوحاً»: أثبتت أمريكا التزامها على الأرض في بداية الحرب، وفي مواجهة هجمات الصواريخ الإيرانية في نيسان/أبريل، ومرة أُخرى في آب/أغسطس، أمام تهديدات إيران وحزب الله. إن نصف القوات البحرية الأمريكية المتاحة موجودة اليوم في الشرق الأوسط. من ناحية أُخرى، لن يكون هناك دعم لأيّ خطوات هجومية من إسرائيل قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي، وخصوصاً قبل الانتخابات الأمريكية، ومن دون تقديم رؤية سياسية إسرائيلية لإنهاء الحرب.

«طاولة نظيفة»
من غزة في الفترة المقبلة

يقول يادلين إن الجميع في العاصمة الأمريكية يتحدث عن أن واحدة من أولى المكالمات الهاتفية التي ستجريها الرئيسة، أو الرئيس المنتخب، ستكون مع رئيس وزراء إسرائيل، وتحمل مطالب واضحة بإنهاء الحرب، قبل استلام الرئيس منصبه في كانون الثاني/يناير. إذا ما استمرت إسرائيل في القتال من دون تخطيط، ومن دون أهداف واضحة، فقد تواجه رئيسة، أو رئيساً يضع هدف إنهاء الحرب كأولوية قصوى، ويفرض ذلك على إسرائيل، من دون عودة المخطوفين، أو الحفاظ على وسائل الضغط لإتمام الصفقة، ومن دون تغيير في الوضع الأمني في الشمال.

صفقة المخطوفين – إخفاق إسرائيلي

كذلك يقول يادلين إن الأمريكيين يُلقون باللوم على السنوار بشأن عرقلة الصفقة، بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة ومع ذلك، فإنهم يشيرون إلى أن «حماس» استجابت، في تموز/يوليو، بشكل إيجابي (على الرغم من بعض التحفظات التكتيكية) لمقترح نتنياهو الذي تبنّاه بايدن – وإسرائيل هي التي ترددت، وأضاعت الفرصة لاستعادة مواطنيها المخطوفين. كما يقول إنه وفقاً للأمريكيين، كان خطأً فادحا: بعد اغتيال هنية في طهران والحاج شُكر في بيروت، تجدد الأمل في نفس السنوار بتحقيق حلمه بتوحيد الجبهات واندلاع الحرب الإقليمية، وفي الوقت نفسه، تآكلت وسائل الضغط عليه، وصار أكثر صلابةً في مواقفه. لا توجد إجابة جيدة في واشنطن عن كيفية تعزيز الضغط الآن، وإسرائيل مطالَبة بإعادة إنتاج وسائل الضغط التي أهدرتها وبددتها طوال 11 شهراً من الحرب.

الخوف الأمريكي من فشل الوساطة

ويرى يادلين أن الإدارة الأمريكية تجد نفسها أمام معضلة تتمثل فيما إذا كانت ستقدّم عرضاً نهائياً لوساطة بين الطرفين – بصيغة «اقبلها كلّها، أو ارفضها كلها» ويرى أيضا أنه من الواضح للأمريكيين أن هذه الخطوة ستنجح، فقط إذا كانت عواقب رفض الخطة واضحة لدى الطرف الرافض وهي تخاف لأنها لا تمتلك وسائل ضغط حقيقية لتهديد «حماس» وتتوقع أن يقوم كلٌّ من مصر وقطر بهذا الدور، لكن هاتين الدولتين لا تسارعان إلى المساعدة. وفي النهاية، إذا اتُّخذ قرار عدم تقديم عرض الوساطة، خوفاً من الفشل الذي قد يؤدي إلى التصعيد، فإن البديل الأمريكي قد يكون في الانسحاب من الوساطة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات.

الانتخابات أولاً

طبقا ليادلين أيضا فإن أمريكا تنظر إلى العالم من خلال منظور الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، فكل خطوة عسكرية، أو سياسية يتم تقييمها، بناءً على تأثيرها في فرص كامالا هاريس في الفوز على ترامب. ويقول إن التوصل إلى صفقة لتبادل المخطوفين ووقف إطلاق النار، بغض النظر عن شروط مثل هذه الصفقة، يخدم حملة هاريس؛ أمّا الفشل في التوصل إلى صفقة، فسيُعتبر سلاحاً بيد ترامب لمهاجمة الإدارة الحالية. ويضيف «في هذه الأثناء، يتصاعد الخوف من نشوب حرب إقليمية قد تسبب أضراراً استراتيجية، وتوجّه ضربة إلى الحملة الانتخابية، لذا، فإن الإدارة الحالية مصممة على الحؤول دون نشوب هذه الحرب بأيّ ثمن. هذا هو الكابوس الحالي للإدارة».

إيران ليست على جدول الأعمال

ويرى أن هناك إنكارا وتجاهُلا للتحدي الكبير الذي تشكله إيران، والسبب ليس أنها غير خطِرة، أو لا تثير القلق، بل لا توجد استراتيجيا متماسكة للتعامل معها، وبصورة خاصة قبل الانتخابات. معتقدا أن الإدارة الأمريكية لا تريد التورط مع إيران الآن، لكن من الواضح للجميع أن مَن يدخل إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير، سواء أكانت هاريس، أم ترامب، سيكون عليه إيقاف تقدُّم إيران نحو السلاح النووي وإحباط خطواتها التي تهدد الاستقرار في الشرق الأوسط. ويضيف يادلين في هذا المضمار: «يجب أن تكون إسرائيل جاهزة بمواقف وقدرات تؤثر في خطوات الإدارة المقبلة تجاه طهران».

لا لحرب استنزاف لا نهاية لها

ويوضح أن الأصوات التي تشير إلى الانسحاب الأمريكي من الانخراط في الأزمة لا تتعلق فقط بصفقة المخطوفين. وعن ذلك يتابع يادلين: «يقول مسؤولو الإدارة لنا: إذا كنتم تعتزمون الاستمرار في القتال الدائم حتى العقد القادم، بما يحمله ذلك من معاني الانزلاق المستمر إلى حرب إقليمية – فنحن لن نكون معكم. ولأنني أتفق مع الاعتقاد القائل إن هذه الاستراتيجيا الإسرائيلية تخدم أعداءنا فعلاً، لقد تحديت محاوريّ من الأمريكيين بالسؤال عن الاستراتيجيا البديلة التي يقترحونها للعقد القادم، وكانت الإجابة مفاجِئة: ادخلوا في عقد من الحرب الباردة، من دون حسم عسكري، وعودوا إلى أنفسكم كدولة رائدة، قوية اقتصادياً، وتكنولوجياً، وأخلاقياً».

التسوية السياسية في الشمال هي الخيار الوحيد

وطبقا ليادلين هناك تفاؤل يسود واشنطن، مفاده أن الوسيط عاموس هوكشتاين سيتمكن من التوصل إلى تسوية تُبعد حزب الله عن الحدود، لكن هذا لن يحدث إلّا بعد وقف إطلاق النار في غزة. ويقول إن الفكرة القائلة إن إسرائيل ستقوم بإبعاد حزب الله عن مناطق الحدود بعملية عسكرية محدودة، إذا فشل هوكشتاين، تُواجَه بردٍّ بارد، وذلك بناءً على تقييم، مفاده أن عملية كهذه ستؤدي، باحتمالية عالية، إلى نشوب حرب شاملة. ويرى يادلين أن على إسرائيل تقديم خطة حرب تستفيد من الإنجاز العسكري القائم لتحقيق إنجاز سياسي يؤثر في استعداد الإدارة لدعم الخطوة في لبنان، بعد الانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر.

المشكلة الفلسطينية

في هذا المضمار يشير يادلين أن الولايات المتحدة تنتقد إسرائيل بثلاث نقاط رئيسية: 1. عدم استعدادها لفتح أفق سياسي أمام ستة ملايين فلسطيني في الضفة وغزة، وثانيا عدد الأبرياء الذين قُتلوا في غزة، وثالثا إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية. ويضيف يادلين: «مع ذلك، هناك الإدراك أن الأوضاع على الساحة الفلسطينية لن تعود كما كانت عليه في الماضي. هناك تفهُّم، مفاده أنه لا يجب مكافأة الفلسطينيين سياسياً على أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، في حين تبدأ بالظهور، في هذه الأثناء، ملامح فرصة في خلق رؤية سياسية جديدة، تخدم المصلحة الأمنية الإسرائيلية، وتتضمن المطالب الإسرائيلية الرئيسية الموجهة إلى السلطة الفلسطينية (1.وقف «الإرهاب»، 2.وقف تمويل «الإرهابيين»، و3. وقف التحريض). بالإضافة إلى ذلك، هناك إدراك أن القضية الفلسطينية يجب أن تُعالج ضمن إطار إقليمي أوسع، يشمل مواجهة التهديد الإيراني والجهادي».
وفي الخلاصة يقول يادلين إنه من الواضح جداً غياب رؤية إسرائيلية لتشكيل مستقبل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة، وقد يقوم الآخرون بتشكيل المنطقة بدلاً منا. وعن ذلك يتابع «سيجتمع زعيمان يحملان رؤية إقليمية ذات صلة في الأسبوع القادم في واشنطن، هما الرئيس بايدن ووليّ عهد الإمارات محمد بن زايد. وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس قدراً محتوماً: يتوقع حلفاء إسرائيل أن مشاركتها في تشكيل واقع جديد في المنطقة، ولأول مرة منذ تأسيسها، يمكن لها أن تلعب دوراً رئيسياً في المنطقة. لم تنتهِ مكانة إسرائيل كدولة قوية وحليف مهم: لكن أنظار أصدقائنا تشخص إلينا، من دون أن ينجحوا في إدراك ما نقوم به، وما هي وجهتنا في هذه الحرب، وما بعد هذه الحرب». ويختتم يادلين بالقول إن تعزيز الوحدة الشعبية، والشراكات الإقليمية مع الولايات المتحدة وحلفائها المقربين في أوروبا، في موازاة قوة الجيش الإسرائيلي، هو الرد الأكثر فعالية على التهديدات التي تواجهنا، سواء أكانت هذه التهديدات آتية من إيران، أم من الحدود الشمالية، أم من «الإرهاب» أم من الإضرار باقتصاد إسرائيل وقدرة مجتمعها على الصمود».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية