من وريث العظماء إلى الهاوية… كيف انهارت مسيرة نيمار؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: في مثل هذه الأيام قبل عقد من الزمن، كان الاعتقاد السائد في البرازيل وعالم كرة القدم، أن ساحر «الماراكانا» الجديد آنذاك نيمار جونيور، سيسير على خطى أساطير اللعبة في بلاده في العصر الحديث أمثال روماريو ورونالدو الظاهرة ورونالدينيو وريفالدو وبقية الأسماء التي أعادت الهيبة المعروفة عن السيليساو في حقبة التسعينات وبداية الألفية، بالتأهل إلى نهائي كأس العالم 3 مرات بين عامي 1994 و2002، والفوز به مرتين، قبل أن تُطلق عليه وسائل الإعلام الأوروبية لقب «الوريث المستقبلي» للثنائي الأفضل في التاريخ المعاصر وربما في كل العصور كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، لينتهي به المطاف، بأرشيف أقل ما يُقال عنه لا يتناسب مع حجم موهبته ولا الصورة التي رسمها لنفسه في سنوات الذروة في مسيرته الاحترافية مع برشلونة وباريس سان جيرمان، وبينهما خيب آمال الملايين من عشاق منتخب بلاده، تارة لإخفاقه في تقمص دور البطولة المطلقة في المواجهات الفاصلة في البطولات الكبرى المجمعة، وتارة لابتعاده لفترات طويلة عن الملاعب، كما الوضع في الوقت الراهن، بتزامن سلسلة النتائج الكارثية لأبطال العالم 5 مرات، والتي وصلت لحد الاكتفاء بتحقيق انتصارين مقابل 7 هزائم في آخر 9 مباريات دولية، مع الانتكاسة طويلة الأجل التي يعاني منها منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وفي تقريرنا هذا، دعونا نستعرض معا أسباب التحول الصادم في مسيرة نيمار من خليفة رونالدو وميسي إلى الهاوية والضياع مع الهلال السعودي.

فرصة العمر

بالعودة بالذاكرة إلى صيف 2016، سنتذكر الضجة الإعلامية التي أثارها الإعلام الفرنسي في فترة ما بعد رحيل الأسطورة زلاتان إبراهيموفيتش، بتسونامي من التقارير والإشاعات التي تضع اسم نيمار بأصحاب «حديقة الأمراء»، كمرشح فوق العادة لخلافة السلطان في هجوم باريس سان جيرمان، لكن في الأخير، لم يحدث أي شيء ملموس على أرض الواقع، بل إن النادي الكتالوني حاول حماية نجمه البرازيلي من أكوام المال الباريسية، بتأمين مستقبله في «كامب نو» حتى 2021، ومعها بدا وكأن أثرياء عاصمة النور، أخرجوا شريك ليونيل ميسي ولويس سواريز من حساباتهم في ميركاتو صيف 2017، حيث كانت أغلب التقارير تتوقع انضمام كيليان مبابي أوأليكسيس سانشيز وفيليب كوتينيو أو سيرجيو أغويرو، لكن فجأة وبدون سابق إنذار، تلقى رئيس النادي الباريسي ناصر الخليفي، مكالمة هاتفية من أحد وكلاء النجم الكبير، لإخباره بأن الأخير على أهبة الاستعداد لمغادرة «كامب نو»، وحدث ذلك بعد أسابيع قليلة من مباراة العمر التي قدمها أمام «بي إس جي» في إقصائيات دوري أبطال أوروبا، أو ما تُعرف بأشهر «ريمونتادا» في تاريخ الكأس ذات الأذنين، التي خرج منها بهدفين وتمريرة حاسمة في الوقت المحتسب بدل الضائع، مساهما في قيادة البارسا لقلب الطاولة على منافسه الفرنسي بنتيجة 6-5 في مجموع مباراتي الذهاب والعودة، بعد التأخر في الذهاب برباعية نظيفة، ما جعل رجل الأعمال القطري يوافق على عرض فريق النجم البرازيلي، رغم رسوم التحويل الباهظة، التي بلغت نحو 222 مليون يورو، نظير تفعيل البند الخاص بفسخ عقده مع ناديه الإسباني، في صفقة هزت الرأي العام العالمي آنذاك، ليس فقط للمبالغ الطائلة التي تحملها العملاق الباريسي، بل أيضا للتوقعات الكبيرة التي صاحبت الصفقة الأغلى في تاريخ اللعبة، بإجماع على أنها صفقة مثالية للطرفين، أو على أقل تقدير مفيدة للطرفين، حيث كانت الإدارة الباريسية تبحث عن صفقة إعلامية من الوزن الثقيل، وفي نفس الوقت تعرف من أين تؤكل الكتف في دوري الأبطال، وهذا ما كان يتمتع به نيمار وقتها، بعد دوره في فوز البارسا بالكأس ذات الأذنين عام 2015، وكذلك الأمر للاعب، الذي كان يعتقد أن الخروج من ظل ميسي في «كامب نو» سيكون بوابته لتحقيق أهدافه وطموحاته الشخصية الكبيرة، في مقدمتها كسر هيمنة الدون والبرغوث على جائزة «الكرة الذهبية»، كأفضل لاعب في العالم.

دوافع وتنازلات

كل ما سبق، يخبرنا أن نيمار كانت لديه الدوافع الفردية الكافية لتحقيق أحلامه في «حديقة الأمراء»، بما في ذلك التحول إلى خصم لزميل الأمس ميسي، تمهيدا لكسر قبضته مع صاروخ ماديرا على الجوائز الفردية المرموقة طيلة العقد الماضي، حتى في أول تعارف مع رفاقه الجدد في العاصمة الفرنسية، حصل على القميص رقم 10، بعد موافقة خافيير باستوري على التنازل عنه، وبوجه عام، لم يجد أدنى صعوبة في التكيف على أجواء غرفة خلع الملابس ولا طبيعة اللعب في الدوري الفرنسي، في ظل وجود عدد لا بأس به من زملائه في المنتخب أمثال تياغو سيلفا وداني ألفيس وماركينيوس، لكن سرعان ما أقحم نفسه في دائرة مفرغة مع ناديه السابق برشلونة، بسلسلة من الدعاوى القضائية على الإدارة الكتالونية، لاسترداد ما تبقى من مكافأة توقيع عقده الجديد، وقابلها بركان من القضايا المرفوعة ضده من النادي، انتهت بإلزامه برد ما يزيد على ستة ملايين بعملة القارة العجوز إلى خزائن «كامب نو»، وأمور أخرى أثرت بشكل سلبي على مستواه وبريقه داخل المستطيل الأخضر، على غرار إصاباته المتكررة كلما اقترب موعد عيد الحب في فبراير/شباط من كل عام، والذي يتزامن مع الحفلات الصاخبة لشقيقته الصغرى في عيد ميلادها، لدرجة أنه احتاج لنحو 3 سنوات لكي يقترب من تحقيق الهدف الذي جاء من أجله، وهو قيادة النادي للفوز بدوري أبطال أوروبا، بعد الوصول إلى المباراة النهائية، قبل أن يستيقظ على كابوس الهزيمة أمام بايرن ميونيخ برأس الباريسي المولد والنشأة كينغسلي كومان، في مباراة أهدر خلالها قائد المنتخب البرازيلي أكثر من فرصة محققة بنسبة 100% لهز شباك الحارس مانويل نوير، منها تسديدة مقوسة من على حدود منطقة الجزاء في الدقيقة 18، وشبه انفراد في الدقيقة الأخيرة من الوقت المحتسب بدل الضائع، لتخرج بعدها صحيفة «لكيب» ذائعة الصيت في فرنسا، بمنحه ما مجموعه 3 درجات من 10 في تقييمها لأداء اللاعبين بعد نهائي كورونا الصامت، ومنذ ذلك الحين، لم يعد باريس إلى المباراة النهائية، ولا نيمار استعاد الشغف والدافع للعودة إلى مستواه المعروف عنه، والدليل على ذلك، استسلامه للعنة الإصابة أكثر من أي وقت مضى في السنوات القليلة الماضية، وما تبعها من حملات تشويه وسخرية من طريقته في السقوط على الأرض بعد كل التحام مباشر مع لاعبي الخصوم، بوضع في إطار الممثل البارع، الذي يتفنن في خداع الحكام.

التحول الدرامي

بعد هذه السنوات، يبقى السؤال المحوري: هل استحقت صفقة نيمار كل هذا العناء؟ من رسوم فلكية وأجور سنوية فلكية والكثير من التضحيات لشراء راحته؟ والسؤال الآخر لصاحب الشأن: هل نجح في تحقيق أهدافه وطموحاته بعد الهروب من ظل ميسي؟ في الحقيقة الأمر يبدو معقدا، وذلك لعدة أسباب، منها على سبيل المثال، أن الأمور لم تسر كما كان يخطط لها نيمار في بداية مغامرته مع النادي، بعد التحول اللافت في مسيرة الصديق المنافس كيليان مبابي، خاصة بعد ارتفاع حدة المنافسة بينهما على مستوى الشعبية لدى الجماهير في فترة ما بعد انفجار المدمر وفوزه مع فرنسا بكأس العالم روسيا 2018، قبل أن تتبخر أحلامه ليكون نجم الشباك الأول في مدرجات «حديقة الأمراء»، بعد انضمام ميسي إلى النادي في آخر موسمين لما كان يُعرف بفريق الأحلام الباريسي، لكن الشيء المؤكد والموثق، أنه لم يساعد نفسه لاستعادة مكانته والصورة التي رسمها لنفسه في بداية مشواره في الليغ1، بإدمان الغياب عن مباريات الفريق السهلة في الدوري المحلي، لدرجة أنه لم يكسر حاجز الـ22 مباراة على مستوى الدوري طوال فترة وجوده في معقل «بي إس جي»، بإجمالي 119 مباراة غاب عنها على مدار 6 سنوات، هذا بجانب إدمان حفلات البذخ وسهرات البوكر الممتدة حتى الصباح، واكتملت بتدهور نظامه الغذائي وأسلوب حياته، وغيرها من العادات السيئة التي أثرت بشكل سلبي على معاركه الشخصية مع إصاباته شبه المزمنة على مستوى الكاحل ومشط القدم، وبالتبعية تحول إلى لاعب بوزن زائد على الحد، كما وضح في فترة إعداده للموسم الجديد مع الهلال، التي فشل خلالها في استعادة كامل لياقته للانتظام في تدريبات ومباريات الزعيم، بل مؤخرا تم الإعلان من النادي، أن اللاعب الذي كبد الخزينة أكثر من 300 مليون يورو، لن يكون متاحا حتى يناير/كانون الثاني المقبل، في ما أثار استفزاز الصحافي دانييل ريولو، الذي علق على وضع نيمار وانتقالاته والرواتب التي تقاضها في السنوات الماضية بـ«أكبر فشل في تاريخ كرة القدم»، فهل يا ترى ستقوم قائمة لنيمار في المستقبل أو بعد انتهاء عقده مع ناديه الحالي مع إطلاق صافرة نهاية الموسم الحالي؟ أم أنه لم يعد يفكر في كرة القدم من الأساس؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية