ناحوم برنياع
أخذ بن غفير شرطة فاشلة وضعيفة ومفزوعة، وفي أجزاء كبيرة منها لا تؤدي مهامها، ثم جعلها شرطة فاشلة، ضعيفة، عنيفة وسياسية. في البداية، هذا مضحك: مثل لوي دي بينس في مسلسل الأفلام الفرنسية “الشرطي من سان تروباز”، ومثل ليزلي نيلسان في مسلسل الأفلام الأمريكي “المسدس مات من الضحك”، ها هي شرطة إسرائيل تنشغل بملاحقات لا جدوى منها وراء المجرمين غير الصحيحين. الكثير من الطاقة، الكثير من الأعصاب، الكثير من القوة، القليل من العقل.
متى يتوقف هذا عن إثارة الضحك.
في السنتين الأخيرتين، حيال حكومة لم نشهد لها مثيلاً منذ الـ 76 سنة دولة، يجري في مركز الساحة السياسية سياقان متضاربان: الأول يسعى إلى كبح الحكومة واستبدالها؛ ويسعى الثاني لتطبيع جملة ظواهر حتى الحكومة الحالية اعتبرت غير شرعية وغير ممكنة، ومجنونة. تسلق بن غفير إلى القمة ليس بفضل العصبة الكهانية من التلة التي ترعرع فيها، بل بفضل سلسلة مطبعين من الوسط السياسي. نبدأ بمطبعين سمحوا للمجرم المدان أن يتعلم القانون ويحصل على رخصة محامٍ؛ وننتقل إلى أفضل الصحافيين الذين سرهم أن يحصلوا منه على قصة، وأن ينشروه في التلفزيون؛ ثم نواصل إلى نتنياهو الذي عمل معه في الخفاء، جنده لآلة سمه ورفعه إلى قمة الحكومة؛ وننهي بغانتس وآخرين في المعارضة ممن يفكرون بأن مصافحة مجرم إرهاب مؤشر ودليل على الرسمية.
هذه ليست رسمية، بل انبطاح. من يطبع مع بن غفير يشهد بأنه يفتقد للعمود الفقري؛ والأهم لا إحساس تاريخياً له. “اعتقدت أنه سيعتدل”، قال نتنياهو في إحدى المرات التي ناكفه فيها بن غفير علناً. الناس من نوع بن غفير لا يعتدلون: هم ينتفخون. وهذا ما حصل في الشرطة تماماً.
في غضون أقل من سنتين، غير شرطة إسرائيل من الأساس. وأغلق الدائرة في الأيام الأخيرة، باستقالة طوعية أو إجبارية لمعظم قيادة الشرطة وبتعيين ضباط مشكوك فيهم من حيث سجلهم المهني، لكنهم موالون لروح القائد. أصبحت الشرطة من الكتائب، ميليشيا، تحولت من فارضة نظام إلى خارقة نظام: ما حصل في أوروبا في الثلاثينيات يحصل هنا الآن.
حاضر الشرطة واضح، ويلقى تعبيره في مناورات عابثة غبية مثل اعتقال النساء الثلاث اللواتي وضعن منشورات بريئة تدعو إلى تحرير المخطوفين على كراسي كنيس في هرتسيليا (الشرطة لم تسمع بعد عن مناشير التحريض والكذب التي توزع في آلاف الكنس في البلاد)؛ أو مثل اعتقال نوعا غولدنبرغ التي رشقت أو لم ترشق حفنة رمال نحو بن غفير على شاطئ البحر.
المستقبل يقلقني أكثر. الشرطة الآن في زخم تجنيد: رتب لها بن غفير يوماً فضياً. قلة المعلومات التي نشرت تدل على تخفيض المقاييس وتقليص الدورات: الشرطة عطشى للقوة البشرية.
فكروا من الذي يتجند ومن لا يتجند لشرطة بن غفير: يتجند شبان وشابات يرون فيه وفي عقيدته نموذج قدوة. خدمة الجمهور ليست في رأس اهتمامهم، بل الحرية في استخدام القوة، والاحتكاك بالناس دون دفع ثمن. هؤلاء هم شرطة الغد وضباط ما بعد الغد. من يضع احترام القانون أولوية لن يتجند: هذه ليست شرطته.
حتى لو تخلصنا من بن غفير بشكل ما، سيتبقى “البنغفيرية” داخل الشرطة وستواصل تسميمها. ثمة أمور محظور تطبيعها؛ وثمة وزراء محظور تطبيعهم.
يديعوت أحرونوت 16/9/2024