الهجرة من وإلى بريطانيا: أوقفوا الريح!

انتهت الانتخابات العامة في بريطانيا بمفاجآت أهانت، قبل الخاسرين من أحزاب وشخصيات، مراكز استطلاعات الرأي لأنها خالفت كل توقعاتها، وطرحت أسئلة عن جدوى انتظار نتائج سبر الأراء والتعويل عليها.
من وجهة نظر شرقية (بالمعنى الجغرافي والثقافي) فوز المحافظين يعني في المخيال الجمعي، ان العرب خسروا، وخسر المسلمون، وخسر المهاجرون وكل من يدور في فلكهم.
فحزب المحافظين قد يكون صاحب سياسة داخلية ناجعة ومثمرة على المدى المتوسط أو البعيد، لكنه على صعيد السياسة الخارجية، يجسد خيبة الأمل كاملة، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وأزماتها المعقدة. أما حزب العمال فقد يكون صاحب سياسة داخلية أميل إلى الشعبوية، لكنه على صعيد السياسة الدولية أفضل من المحافظين، وخصوصا في القضايا العربية الشائكة وتحت قيادة إدوارد ميليباند.
في الغالب الأعم، نادراً ما يشعر البريطانيون المنحدرون من إثنيات وأصول مهاجرة بأنهم قريبون إلى المحافظين. ولا يشعر كثيرون من المحافظين بأن الكثير يربطهم بأبناء الأقليات.
وفي السياق لن يكون مستغرباً أن تكون الهجرة وتفاصيلها عنوانا رئيسيا ثابتا في خطابات رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ووزراء حكومته طيلة السنوات الخمس المقبلة. بل لقد بدأ العزف منذ اللحظات التي أعقبت ظهور النتائج بعودة الحديث عن استفتاء مغادرة الاتحاد الأوروبي بقوة وثقة أكبر. وأحد محركات هذا الحديث، الذي ينزل أحيانا إلى شعبوية غير مقبولة، هو الهجرة الأوروبية إلى المملكة المتحدة وما يترتب عنها من حقوق والتزامات مالية تجاه المهاجرين تفرضها معاهدات واتفاقات الاتحاد الأوروبي.
المتابع للشأن الداخلي البريطاني يقف بسهولة على نوعين من الهجرة يغذيان الخطاب السياسي المحلي: هجرة أوروبية هي رمز لحرية التنقل والعيش داخل الفضاء الأوروبي، لكنها تطرح للبريطانيين إشكالات اقتصادية ومالية. وهذه لا يصاحب النقاش حولها تابوهات واضحة، والساسة يشعرون براحة أكثر في تناولهم لها. هذه هجرة مؤقتة ـ في الغالب ـ لأن هدف الشاب أو الشابة القادم من بولندا أو سلوفاكيا أو إسبانيا الى بريطانيا هو تحسين وضعه المادي وتعلم اللغة وكسب تجربة في الحياة ثم العودة إلى الوطن الأم بعد سنوات معدودة.
وهناك الهجرة الشرقية. هي في الحقيقة أزمة لاجئين ومهجّرين أكثر منها هجرة، لأنها عنوان أزمات وحروب وضنك العيش في مناطق شاسعة من هذا العالم. هي أكثر تعقيداً من الأولى لأنها تطرح إشكالات ثقافية وأسئلة هوية واندماج وقبول وتقبّل في المجتمع الجديد. هذه الهجرة غامضة في الزمن، حتى أصحابها لا يعرفون هل سيعودون يوما إلى أوطانهم ومتى وفي أي ظروف. كانت هذه الهجرة قبل خمسين عاما وأكثر مجرد عنوان اقتصادي، لكنها مع الأجيال تحوّلت إلى مشكلة أعمق ـ في الخطاب السياسي الانتخابي على الأقل. هذه الهجرة تصاحب النقاش حولها بعض المحاذير وسرعان ما يستحضر الخائضون فيها الخوف من الوسم بالعنصرية.
ربما يفيد التنويه إلى أن الخطاب اليميني الذي يحترف تخويف البريطانيين البسطاء من الهجرة يتعمد تجاهل أن هناك خمسة ملايين بريطاني يعيشون في الخارج موزعين على قارات العالم ينعمون بخيراتها وينافسون سكانها على وظائفهم وقوتهم. ويتعمد تجاهل وأن ما معدله 350 ألف يغادرون بريطانيا سنويا للاستقرار في الخارج، في الغالب نحو 50٪ منهم بريطانيون والآخرون مقيمون يفضلون المغادرة. هؤلاء مهاجرون اقتصاديون أيضا لأن أحد أسباب هجرتهم البحث عن فرص عمل وتحسين ظروفهم المادية. وحديثا أُضيفت لهم فئات أخرى من الباحثين عن تقاعد مريح في دول مناخها أرحم مثل أستراليا وقبرص وإسبانيا.
تقارير بريطانية عدّة تعتبر الهجرة المعاكسة نزيف أدمغة لأن بين المغادرين كفاءات يحتاج لها المجتمع. لكن هذا جزء من الثمن المطلوب ولا يختلف عن النزيف الذي يصيب مجتمعات أخرى وتكون بريطانيا هي المستفيدة منه. أصوات العقل في لندن وغيرها تقرّ بأن الهجرة (أوروبية وغير أوروبية) إلى المملكة مقلقة لكنها لم ترقَ بعدُ إلى معضلة. المفرطون في التفاؤل يرونها إضافة للمجتمع.
في كل الأحوال هي أمر واقع لن يوقفه أحد، لأنها ثمنَ أن تكون جزءاً من العالم المتحضر في القرن الحادي والعشرين، وثمنٌ تدفعه البشرية لقاء حماقاتها وحروبها واستعمارها وطريقة إداراتها للعالم وخيراته. أما الحديث عنها وانتقادها فضرورة انتخابية وسياسية مقبولة لإلهاء الرأي العام، وخصوصا الفئات القلقة من الهجرة والخائفة على لقمة عيشها.
الآن، في هذه اللحظات، قبلها وبعدها، هناك أناس يُسمَّون مهاجرين يغادرون بلدانا ويدخلون أخرى. بعضهم نظاميون واغلبهم بلا وثائق هوية وبلا وضع قانوني. ومن هذه البلدان بريطانيا التي على الرغم من كونها أرض جذب هامة، لا يمكن اعتبارها متضررة كثيرا من الهجرة لأنها بعيدة عن موانئ الإقلاع والعبور والوصول، وسياساتها وقوانينها متشددة.
ديفيد كاميرون وإد ميليباند ونايجل فاراج (زعيم حزب الاستقلال المستقيل) ومَن سبقهم ومَن سيحل محلهم يدركون أن بريطانيا، مثل فرنسا وألمانيا وأستراليا والصين وغيرها، تستقبل وافدين جددا على مدار اليوم والساعة، وأن محاولة وقف هذه الدورة تشبه محاولة منع هبوب الريح.
العاقل، بدل أن يقارع الريح يتعايش معها ولا يحاول منعها.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية