النَّقد يُقصي شُعراءَ الموصل

هل بدأنا نشهد تخندقا مناطقيا وطائفيا في إطار الفعل الثقافي مثلما هو حال المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003؟
هل بدأنا نؤكد في ممارستنا الثقافية على أننا لمْ نعُد نَخجَل، ولمْ نعُد نتلعثم في الإفصاح عن انحيازنا المناطقي والطائفي؟ وكأننا قد أصبحنا في تصالحٍ ووئامٍ تام مع ما كُنّا نعدهُ خطيئة قبل أن يكون خطأً.. مع ما كُنّا نَربأُ بأنفسنا عنه مِنْ توصيفات ومصطلحات وعناوين لا ترتبط بأيّ صلة بالمنجز الثقافي، بقدر صلتها بما ينتمي إلى ما هو متخلف من الموروث القَبَلي بكل أشكاله؟
هذا ما يبدو لنا في ظاهر صورةٍ اختفى عنها تعدد الألوان، ليتَسيّدَها اللونان الأسود والأبيض.. صورةٌ شاحبةٌ مُظلِلَة يقف خلف تصديرها مثقفون يفتقرون إلى أدنى مستوى من الشعور بقيمة الهوية الوطنية قبل أن تدركهم شؤون المعرفة والثقافة والإنصاف بالقول والتفكير.
صورةٌ بات يعكسها مشهد ثقافي ــ عراقي بامتياز ــ طالته شظايا واقعٍ مُلتَبسٍ ومُتلبَّسٍ بتناحرٍ وتجاهلٍ وتغافلٍ مناطقي وطائفي، استعار أدواته من واقع سياسي مُشوَّهٍ ومشوِّهٍ جاء نتيجة طبيعية لما فرضه المحتل الأمريكي عام 2003 من مفاهيم كان الهدف منها تدمير القيم والمثل الإنسانية التي كانت تجمع الناس على العيش والتعايش المشترك بشتى مِللِهم ونحلهم وفرقهم، إلى الحد الذي لا يرى أيّ منهم إلاّ نفسه وطائفته وعشيرته، وكل ما عدا ذلك لا وجود له. وإلاَّ ما معنى أن يُشطَب شعراء الموصل ــ جميعهم ــ في إصدار أدبي يدَعي توثيق الأسماء الشعرية ــ مع نماذج من نصوصها ـــ التي ظهرت في العراق خلال الأربعين عاما الماضية؟ وكأن الموصل وفق هذا الاصدار لم تعرف الشَّعر، ولم تكتب الشَّعر، ولم تحتف بالشَّعر، ولم تنجب شعراء! وهذا ما لا يتفق مع السياق العام للثقافة العراقية التي كان الشعر علامتها الفارقة، ولم تكن تخلو أي مدينة أو قرية عراقية من شاعر ينتمي لها، فكيف الحال بالموصل وهي واحدة من ثلاث مدن عراقية ــ بغداد البصرة النجف ــ كانت منذ العهد العباسي والأموي رافداً حيويا في مسار الثقافة العربية، وكان الشعر أحد أوجهها.
أليست الموصل في طليعة مدن العراق التي احتفت واحتضنت أولى علامات الحداثة والتحديث في المجتمع العراقي، ابتدأ من منتصف القرن التاسع عشر؟ أليست لها الريادة الأولى في تأسيس أول مدرسة وأول مشفى وأول مطبعة وأول عرض مسرحي؟ المدينة التي يكون سياق مسارها الحضاري على هذه الصورة لابد أن يولد فيها الشعر بالفطرة على لسان ابنائها وليس العكس هو الصحيح. لم تكن الموصل مدينة تقبع في مجاهل الصحراء ولا مدينة من رمال، وهي المدينة التي يأبى فصل الربيع إلاّ أن يزورها مرتين خلال العام الواحد، ولهذا تكنى بأم الربيعين، فكيف لا يولد من ربيعها شعراء. إن قائمة المطبوعات الشعرية التي صدرت عن شعرائها خلال العقود الأربعة الماضية يطول ذكرها، وفاز عدد من تلك الإصدارات بجوائز عربية ودولية، وقائمة المهرجانات الشعرية التي نظمها شعراء المدينة من الأهمية بمكان أن دفعت معظم شعراء العراق والعرب إلى المشاركة فيها، كما هو الحال في مهرجان ابي تمام بدوراته الاربع (دورته الاولى عام 1971ودورته الأخيرة عام 2010). وكان لبعض شعراء المدينة حضور متميز في مهرجانات الشعر العربية، كما هو الحال مع وليد الصرَّاف وعمر العناز اللذين كانا من أبرز المشاركين في مسابقة أمير الشعراء في أبوظبي، وقد اكتشف الصرَّاف عندما شارك قبل عامين في مهرجان شعري في موريتانيا ــ بلد المليون شاعر ـــ أن اغلب الحاضرين يحفظون أشعاره ويتغنون بها.
ما دفعني إلى هذه المقدمة ــ التي تحمل رسالة احتجاج أكثر مما تشير إلى خلل في عجلة الثقافة العراقية ــ قراءتي لكتاب يحمل عنون «القيثارة والقربان..الشعر العراقي منذ السبعينات وحتى اليوم» الصادر بطبعته الاولى عام 2013 عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع (553 صفحة ) وقد تولى تحريره وتقديمه سهيل نجم، كما كتب مقدمة مطوّلة له الشاعر شوقي عبد الأمير. كما يبدو فإن هذا الإصدار جاء ليكون مصدرا للدارسين والباحثين، يسهل عليهم معرفة خريطة الشعر العراقي خلال أربعة عقود مضت، اسماء ونصوصاً .
الملاحظة الجوهرية التي تسجل على هذا المطبوع إغفاله ــ التَّام ــ لكل الاسماء التي كَتبت الشعر في مدينة الموصل خلال الفترة التي رصدها وأرشفها، مع أن الذين كتبوا الشعر خلال الأربعين عاما الماضية في مدينة الموصل كان لهم حضورهم المؤثر خلال هذه الفترة، نذكر بعضا منهم على سبيل المثال لا الحصر: معد الجبوري، عبد الوهاب اسماعيل، سالم الخباز، ذوالنون الأطرقجي، مزاحم علاوي، حيدر محمود، أمجد محمد سعيد، يونس صدّيق، رعد فاضل، نامق سلطان، إياد العبّار، محمد صابر عبيد، كرم الأعرجي، كمال عبد الرحمن، كامل النعيمي، زهير بردى، أوس الفتيحات، عبد المنعم الأمير، وليد الصراف، عمر العناز، هشام عبد الكريم، محمود الدليمي، ماجد حامد محمد، حاتم حسام الدين، باسل كلاوي، جلال الصائغ، علي حيدر، ، أمير بولص وعد الله ايليا، وآخرين.
في المقدمة التي تصدَّرت المطبوع يقول محرر الكتاب سهيل نجم إن:» القارئ سيجد هنا قعقعة أصوات الحروب وآلامها وسرفات الدبابات ونداءات وتذمرات، فضلا عن الأصوات الداخلية التي تشتكي العزلة والوحدة ومصارعة وحش الغربة الممضة».
ويبدو أن سهيل نجم وشوقي عبد الأمير لم يجدا في نصوص شعراء الموصل «قعقعة أصوات الحروب وآلامها…. ولربما وجدوا أنهم انصرفوا إلى عوالم أخرى لا صلة لها بهموم الشعر العراقي التراجيدية، ولهذ لم يحتف الكتاب بهم.
أي متابع للشعر العراقي المنتج خلال العقود الأربعة الماضية لا يستطيع أبدا أن يتجاهل صوتا شعريا مثل مَعَد الجبوري أو رعد فاضل على سبيل المثال.
في الوقت نفسه نجد عددا من الاسماء العراقية التي وردت في هذا الإصدار لا يمكن مقارنة منتوجها الشعري ــ من الناحية الفنية ــ بما يكتبه الجبوري وفاضل، بما تحمله أشعارهما من دلالات تشير إلى أنهما كانا في تفكير دائم بانتاج نص شعري يحمل علامات التجديد والتفرد في بنية النص الفنية.
هذا التجاهل ــ سواء كان مقصودا أم غير مقصود ــ يحمل بين طياته إجحافا كبيرا بحق شعراء مدينة الموصل، قبل أن يكون تنصُّلاً عن شرف الأمانة العلمية التي يتوجب على الباحث أن يتمسك بها، وهذا ما يفرض علينا أن نطرح سؤالا جوهريا على محرر الكتاب: لماذا تعامَلَ بهذه الطريقة ــ التي أقل ما يقال عنها أنها تفتقد إلى العلمية والموضوعية والإنصاف ــ مع شعراء الموصل، مع أن المدينة لم تكن طارئة بين المدن العراقية، سواء في وجودها التاريخي أو في حضورها الشعري، بل على العكس من ذلك كانت دائما حاضرة وفاعلة طيلة وجودها الذي يمتد لمئات السنين في الثقافة العراقية والعربية؟
أجد أن السيد محرر الكتاب سهيل نجم والشاعر شوقي عبد الأمير الذي كتب المقدمة له، قد وضعا نفسيهما في زاوية حرجة أمام الباحثين والنقاد والمبدعين المنصفين ــ الذين سينصفونهما جيدا ــ عندما سيطرحون عليهما اسئلة محددة بلا أدنى شك: لماذا هذا التجاهل؟ هل كان القصد منه مدينة الموصل أم شعراءها؟
جوابهما في كلا الحالتين سيزيد الطين بِلة، فالموصل لا يستطيع أن يتجاهلها أحد، مهما كان وأيّا كان، ولاحتى شعراءها .
ختاما نرجو أن يكون النسيان، وليس أمراً آخر، وراء هذا النسيان.

كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية