الشخصية الحكائية في «كتاب الأم» لإدموند عمران المالح

حجم الخط
1

تمثل الشخصية النسائية في «كتاب الأم» لإدموند عمران المالح، مكانة حميمية تعود بالكاتب إلى الماضي الممزوج بالذكريات التي ربطته بالأم، وحديثنا هنا ليس المقصود منه الأم بصورتها التاريخية، وإنما الأم هنا تعني الوطن وما خلفه الحنين إليه، فالإنسان مهما سافر ومهما حولته الغربة إلى آلة ميكانيكية، فحب الوطن يظل دائما شمعة لا تنطفئ، رغم الريح العتيدة، فالأم حاضرة بكل تجلياتها في حياتنا.
يأتي «كتاب الأم» انعكاسا قويا للحب الذي جمع المالح بوطنه الأم المغرب، فالرجل كان يحتفظ بكل ما هو مغربي، ورفضه الحصول على الجنسية الفرنسية، واحتفاظه بالجواز المغربي رغم المشاكل التي كان يتعرض لها أثناء تنقله عبر العالم بسبب التأشيرة، فقد ظل الجواز الأخضر مفخرة له وهوية يعتز بها دائما.
يتكون الكتاب من 24 صفحة من الحجم المتوسط، الصادر عن دار النشر ليكسوس سنة 2004 في الدار البيضاء، صفحة الغلاف تتصدرها لوحة للفنان التشكيلي خليل غريب، والكتاب مخصص للفنان التشكيلي وعائلته المتمثلة في الأم والابنة، الأم التي هي التاريخ، الوطن، الحنين والتعايش. والابنة هي المستقبل، البنوة التي حرم منها المالح، الأمل في الغد، ورغم حجمه الصغير، إلا أن كل سطر من أسطره مرآة تعكس لنا مسار المالح وصديقه الفنان.
يبدأ المالح كتابه بالحديث عن تلك العجوز التي تجلس على السرير المقابل للمدخل «كانت جالسة على السرير، هناك، مقابلة للمدخل. وبإمكان المرء أن يقسم أنها لم تتحرك منذ زيارته الأخيرة في السنة الماضية. هي إذن هناك، جالسة، مائلة، منحنية قليلا، وكان وجهها الجميل الهادئ والناعم، خاليا من أي تجعيدة، وقد لفتت ابنتها من قبل انتباهها إلى أنها رغم سنها لم يشب شعرها، كانا معا، هو وهي، قد بلغا الثمانين من العمر، لكنها خلافا له كانت أما وجدة لعائلة متعددة الأفراد…»، فالشخصية الحكائية هنا رمز للمرأة المغربية التي عاشت من أجل أبنائها وضحت بكل ما تملك من أجلهم، المرأة التي تتدفق منها تلك القوة الرمزية المملوءة بالدلالات المتعددة والمتنوعة في الآن نفسه، أم خليل غريب «لالة السعدية اليملاحي الشاعر، هو اسمها العائلي، ابنة قاض، غير أن هذه الوظيفة كانت أيامها تعني رجل الأدب، المنكب على الفقه، القانون والشعر في الآن». شخصية الأم المعطاءة التي وصفها الابن في رسالة بعثها للكاتب «(قطة) مؤطرة بالأصفر لتأكيد مركزيتها. كتب خليل، كأنه يتوسل بالكتابة تكريما لأمه: (إنها مثل قطة)، هكذا كان ينظر إليها، وديعة هادئة، وكلها ألغاز. (شجرة) أيضا، ومؤكدة دائما باللون الأصفر، شجرة تنمو بلا ضجيج وتقدم ثمارا بدون ترقب جزاء ما «، هي الأم التي تعطينا الأمل عند اليأس، القوة عند الضعف، والحياة عند الموت… فالعلاقة الثلاثية التي جمعت الكاتب والفنان والأم هي علاقة متجذرة في الماضي البعيد، وهذا ما يفسره لنا خليل غريب في حوار له مع رشيد مرون في مقابلة نشرت في «الشرق الأوسط» «إن ألواني الشخصية باهتة وحزينة وهامدة، بسبب إحساس دائم بالارتياح لها، الاستثناء الوحيد في هذا الباب هو استخدامي لبعض خيوط الحرير. وقد فسر إدموند عمران المالح سبب ذلك بكونه حنينا إلى عالم الأم وتكريما لها، فأنا ولعت بالتشكيل وأنا طفل صغير نتيجة لمشاهدتي وافتناني بمطرزات أمي اليدوية، حيث كانت تنجز صورا وتنميقات بالحرير على الأثواب». فلالة السعدية التي كانت تمتهن التطريز على الأثواب بالحرير الذهبي والفضي، وانعكاس ذلك على شخصية الابن الذي حول بعد ذلك تلك الخيوط الحريرية إلى لوحات فنية تمتزج فيها الخيوط بالفن التشكيلي الأصيل.
كما أشار المالح في كتابه عن الأم إلى مجموعة من محطات حياته، ابتدأها بحديثه عن الوسام الذي وشحه به الملك محمد السادس سنة 2004 تقديرا لأعماله ومواقفه الوطنية وحصوله على جائزة الاستحقاق الكبرى، وهي أرفع جائزة ثقافية تمنح في المغرب «… توجه له بصوت خفيف كالهمس، عبارات الترحيب قائلة إنها شاهدته بفرح وهو يتسلم من يدي ولي العهد تلك الجائزة عن مجموع أعماله ومساهمته في جوهر الثقافة الوطنية». والعودة إلى الوطن الأم بعد سنوات من البعاد عنها، وبعد فراق دام عشر سنوات، «1975، فصل الصيف، تخيلوا رجلا في سن معينة، مستندا إلى درابزون سطح الباخرة العالي ويتملى طنجة وهي تبزغ من الضباب في بياض قصبتها، ومقدمة رصيف المرفأ ومينائها…». وحديثه عن التزامه الوطني والنضالي اتجاه بلده الأم «… لم يترك ذلك الالتزام النضالي الذي دام أربعة عشر عاما – في ظروف صعبة وقاسية جدا، طفا منها بصعوبة مقابل قطيعة جذرية سنة 1959 أي لحظة متعة أو استراحة ليتفرغ لأنشطة مصدرها الرغبة والأذواق الخاصة».
نظر ادموند المالح في كتابه «الأم» من زاوية رؤية الراوي أو ما يسمى بأشكال التبئير «Focalisation «، التي استعمل فيها الرؤية مع «vision avec» هذه الرؤية تقوم على:»تساوي معرفة الراوي مع معرفة الشخصية الحكائية، يستعمل فيها ضمير الغائب أو ضمير المتكلم، والراوي هنا مصاحبا للشخصيات، يتبادل معها المعرفة بمسار الوقائع، وقد تكون الشخصية نفسها تقوم برواية الأحداث… «. ونجد هذا ممثلا بشكل واضح في الكتاب، فالمالح يتناوب مع خليل غريب في السرد لكن بطريقة تجعلنا نشارك في الحكي من خلال تلقي النص، وهذا ما يصيغ النص صياغة متناسقة وثلاثية الأبعاد، الراوي من جهة (ادموند المالح) والفنان (خليل غريب) من جهة والمتلقي للنص من جهة ثالثة.
فموت الشخصية الحكائية في كتاب (الأم) تجعل الراوي والفنان يعرفان نوعا من الاضطراب، هو اضطراب طبيعي ناتج عن الموت، لكنه موت جعلهم ينعزلون عن العالم، فالراوي الذي شعر بأن رحيل الأم هو رحيل يتبعه رحيله هو… والفنان باعتبارها الأم التي تمثل كل شيء في عالمه الخاص، فرحيل «أم خليل غريب» هو رحيل يحمل بين طياته تلك المرارة التي ليس بعدها شيء يمكن أن يجعل من العالم حلو المذاق.»انقطع الحكي. لقد ماتت للتو، هي، صديقته القديمة، الأم، هكذا إذن، قال لنفسه، كانت هي أول من رحل منهما» .
تأتي الشخصية النسائية الثانية متمثلة في ابنة خليل غريب «منى» التي تمثل في النص كما سبق الذكر البنوة التي حرم منها المالح، لكنها في الوقت نفسه المستقبل الذي يمنحنا الأمل في العيش، الإيمان بالمستقبل، فبعد رحيل الأم لم يبق سوى الفتاة الصغيرة، التي تمثل بالنسبة للراوي والفنان الغد الذي قد يحمل معه الجديد، لكن هذا لا يمنع أن الماضي «الأم» سيمتد مع الحاضر ليخلق لنا حياة متناسقة ومتماسكة. «لقد بعث له خليل، صحبة رسالته، بصورة حديثة العهد لمنى، ابنته منى، عندما توصل بها، وضعها مستقيمة خلف الآلة الكاتبة على مكتبه… منى تقف في هيئة طفلة صغيرة لطيفة، خطوة مقدمة نحو الأمام، الساعدان مضمومان إلى بعضهما والنظرة باتجاه العدسة». صورة «منى» الصغيرة التي لا تغيب عن ذاكرة الراوي «… لماذا لا تكف إذن هذه الصورة إذن، واليوم خاصة بعد سنوات عديدة، حيث لم يعد ازريرق يعمل بعد أن جف من كل كتابة، إلا كنوع من الأليغوريا، لماذا لا تكف إذن هذه الصورة، صورة منى الشخصية، عن حبسك – تبعا لقصد خليل- عند حافة تأمل ما يزال مترددا بعكس توقف ما؟». هو انحباس جعل الراوي يدخل في حوار داخلي مع الصورة، لدرجة أنه تخيل الحوار الذي سيقال حين رحيله للصغيرة: «إن «عمو» تلك التسمية الفريدة التي يتعذر ترجمتها في الواقع، لمعجونة من الحنان والاحترام الذي يعجز عنه الوصف. سيقال لها إنه جاء ذات يوم صدفة إلى هاته المدينة ليسترد لحسابه هذا العنوان ذا الذاكرة اللإنجيلية: أزيلا لن أنساك أبدا».
رحلت هي في الأول، كان رحيلها وقفة تأمل للرجلين (الراوي والفنان)، ورحل هو ثانيا ليبقى الفنان وحيدا بين لوحاته التي يرفض بيعها، فاللوحات هي للإهداء فقط، إهداء لروحين ظلتا مرتبطتين معا، رغم الاختلاف الديني، ورغم الاختلاف الثقافي، فهما مثال واضح للتعايش الديني بين الإسلام واليهودية، بين العشق للوطن والحنين له، بين الوجود والعدم.

باحثة أكاديمية مغربية

نجوى خالدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية