العملية التي جرت في لبنان أمس ويعزوها حزب الله لإسرائيل، أحرجت حزب الله كثيراً. واتضح ذلك من ردود الفعل التي جاءت من لبنان في ساعات ما بعد الحدث ومن المساحة التي تركتها المنظمة لنفسها حول السبيل الذي ستختاره للرد.
لهذه الضربة عدة أبعاد، الفوري بينها هو الجسدي: آلاف أجهزة نشطاء المنظمة تفجرت بالتزامن في أرجاء الدولة (وفي سوريا أيضاً، حسب التقارير)، وتسببت بموت ما لا يقل عن تسعة أشخاص ومئات آخرين. هذه ضربة قاسية للمنظمة التي تهمها حياة رجالها، وبالتأكيد لمنظمة تعلن بأنها “حارس لبنان” – واتضح العكس.
البعد الثاني استخباري – عملياتي: فمن هاجم نجح في اختراق حزب الله مرتين؛ مرة استخبارياً، كي يعرف ما الذي ينبغي له عمله. وعملياتياً، كي يعمل هذا فعلياً. تجربة الماضي تفيد بأن مثل هذه العمليات تتطلب وقتاً طويلاً للإعداد، وتنتظر على الرف لسنين أحياناً إلى حين اتخاذ القرار لإخراجها في الوقت المناسب.
البعد الثالث هو بعد الوعي: فقد تلقى حزب الله أمس ضربة شديدة لغروره، ويدور الحديث عن منظمة مع غرور عظيم يقودها حسن نصر الله، رجل مع غرور استثنائي في حجومه. عشرات الأفلام التي ظهرت فيها هذه الأجهزة وهي تتفجر تحرج حزب الله كثيراً وجعلته الآن موضع سخرية في الشبكات الاجتماعية وفي بعض من وسائل الإعلام. وهذا، بالتوازي مع تعظيم لمن نسبت له العملية.
منظمة إرهاب مسربة
البعد الرابع هو التنظيمي الداخلي في حزب الله: فقد اضطرت المنظمة لتنفيذ بضعة تحقيقات داخلية في الأشهر الأخيرة بعد أن تبين لها بأنها تتسرب وتدفع على ذلك ثمناً باهظاً. حصل هذا في تصفية سلسلة قادة كبار، وعلى رأسهم رئيس أركان المنظمة فؤاد شُكر (محسن) الذي قتل بضربة مباشرة في الشقة التي كان فيها في قلب بيروت، وحصل هذا بعد أن نجحت إسرائيل في إحباط معظم هجمة رد حزب الله على تصفية شكر الشهر الماضي، حين دمرت معظم منصات الصواريخ على الأرض واعترض معظم المُسيرات في مراحل مبكرة من طيرانها.
سيضطر حزب الله الآن ليراجع مرة أخرى كيف اخترق، وأين لا يزال مخترقاً. بشكل طبيعي، سيقوده هذا ليشك بكل إنسان وجهاز. سيكون ملزماً بتغيير أساليب ووسائل اتصالاته، وبالضرورة سيكشف نفسه أكثر لمن يريدون ملاحقة أعماله. وهذا سيهز ثقته بنفسه وثقة نشطائه في المدى القصير، لكن ليس أبعد من ذلك. سيجد حزب الله أساليب ووسائل جديدة بالمساعدة الناجعة – النشطة لأسياده الإيرانيين.
إن الرد على تصفية شكر أظهر أن حزب الله لا يريد ارتجالاً، فهو يفحص كل الخيارات قبل العمل، وبالتالي ينبغي السؤال: كيف سيختار التوازن بين الإهانة العلنية التي تكبدها من جهة، وعدم رغبته الواضح في حرب شاملة؟ محاولته التي انكشفت أمس لتصفية مسؤول كبير سابق في جهاز الأمن الإسرائيلي بواسطة عبوة ناسفة كبيرة (محاولة ثانية في غضون سنة)، تدل على أنه يبحث عن سبل لمفاجأة إسرائيل وإيلامها دون أن يستخدم سلاحه الذي سيؤدي بالضرورة إلى حرب.
يحذرون من حرب شاملة
ثمة افتراض بأن صورة مرآة مشابهة ظهرت أيضاً أمام من هاجم لبنان. فإسرائيل، بافتراض أن الحديث يدور عنها، ربما تهاجم علناً، بطائرات قتالية، وعندها تجر حزب الله بالضرورة إلى رد وتصعيد يؤدي إلى حرب.
صحيح أن الكابنيت أضاف أول أمس الشمال إلى أهداف الحرب (بتأخير سنة)، لكن واضح أن إسرائيل لا تسارع إلى معركة شاملة في الشمال، خصوصاً مع غرقها في معركة نشطة في غزة.
لذا يفترض التساؤل فيما كان عليه هدف العملية. فإذا كانت معدة لإهانة حزب الله، فقد تحقق الهدف. لكن إذا كانت معدة لردعه، فالأيام ستقول.
سيكون ممكناً الحكم على هذا وفقاً لمدى وطبيعة النار التي ستطلق في الأيام القادمة على بلدات الشمال، وكذا وفقاً لمدى العصبية التي ستبث من بيروت. وسيؤدي هذا بالضرورة أيضاً إلى عصبية وتحفز في الجانب الإسرائيلي، المعتاد عليهما، وإن كان الواقع الحالي الذي هو الآن على جدول الأعمال، إقالة وزير الدفاع، سيزيد بالضرورة علامات الاستفهام في إسرائيل، في الأيام التي تحتاج لكل هدوء واستقرار.
رغم إحساس الإنجاز المفهوم، يجدر بالذكر أن لا شيء جوهرياً تغير أمس. لا يزال الشمال مهجوراً وسائباً، وسكانه بعيدون عن بيوتهم.
يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 18/9/2024