لبنان في قلب العاصفة: حينما تتحول أجهزة التواصل إلى أدوات للموت في لعبة الدم والإعلام

استيقظ لبنان على فاجعة جديدة، حملت معها دماء أبنائه وأزيز الألم، الذي تغلغل في أرجاء البلاد. لقد انفجرت أجهزة البيجر، التي يحملها عناصر من حزب الله، تلك الأجهزة التي كانت جزءا من روتينهم اليومي، بين أيديهم وفي جيوبهم، تحولت فجأة إلى أدوات للموت.
كانت سلطة الإرهاب الإسرائيلية وراء هذا الهجوم المروع، الذي طال المدنيين في غرف نومهم، قبل العسكريين، في بيوتهم، في شوارعهم، وفي محلاتهم التجارية.
هذا الهجوم السيبراني الدموي، الذي استهدف الأجهزة المنتشرة في مختلف أنحاء لبنان، تسبب في جرح الآلاف وقتل الكثير، دون معرفة العدد حتى الآن، بينهم طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها.
هذه الأرقام التي خرجت إلى العلن، ليست سوى البداية، إذ أن الكثير من المصابين ما زالوا في حالة حرجة، مما يجعل احتمال ارتفاع أعداد الضحايا أمرًا حتميًا مع مرور الساعات.
الهجوم كان غير مسبوق في نوعيته عالميا؛ لم يكن هجومًا تقليديًا عبر القذائف أو الطائرات الحربية، بل كان اغتيالًا صامتًا عبر التقنية الرقمية، استهدف حياة اللبنانيين، وهم في أكثر لحظات يومهم عادية.
في أحد الشوارع الهادئة في الضاحية الجنوبية لبيروت، خرج أحد الشهود بعد أن قرأ عن الانفجارات على الإنترنت. تحدث، بنبرة تحمل مزيجًا من الصدمة والذهول، قائلاً: «خرجنا إلى الشوارع ووجدنا الضاحية وكأنها مدينة أشباح». هذه الضاحية التي كانت تعج بالحياة، امتلأت فجأة بجثث المارة.. تحدث عن أصدقائه الذين عرفهم لسنوات، كيف كانوا ملقيين على الطرقات، مصابين أو جثثًا هامدة.
شاهد آخر، وهو في طريقه إلى العمل، وصف كيف تحول روتينه اليومي إلى كابوس. لقد رأى سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر تملأ المكان، والأشخاص ملقون على الأرض بين السيارات وفي الشوارع المزدحمة. كانت هناك دماء تغطي الأرصفة، وأصوات سيارات الإسعاف تملأ الأجواء. قال: «لم نكن نعلم ما الذي يحدث، لكن الدماء كانت تجري في كل مكان».
لقد انتشرت تلك القصص الموجعة وقصصاً أخرى مفجعة على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وتناقل رواد الـ»سوشيال ميديا» العديد من الفيديوهات التي يصعب مشاهدتها لما تحمله من ألم ودمار.
إن تلك الدماء، التي سالت على طرقات لبنان، ليست مجرد أرقام أو حوادث عرضية؛ إنها جزء من حرب تقنية مبرمجة، بدأت بأجهزة اتصالات كان من المفترض أن تكون وسيلة تواصل، لكنها تحولت إلى وسيلة للموت. أحد الشهود أضاف أنه كان في طريقه لزيارة صديقه في المستشفى. هذا الصديق كان يحمل في جيبه أحد هذه الأجهزة عندما انفجرت به.
لكن المأساة الكبرى أن هذه الأجهزة لم تكن حكرًا على عناصر حزب الله فقط، بل كان يحملها العديد من الأشخاص العاملين في مجال الأمن، وحتى المدنيين. هكذا تحول الجهاز البسيط إلى أداة تخدم أهدافًا أكبر من مجرد التواصل، أداة قتل بدم بارد، تُستخدم ضد من يحملها، بغض النظر عن انتمائه.
أمام هذا المشهد المأساوي، تقف الولايات المتحدة الأمريكية مكتوفة الأيدي، مشغولة بصياغة تصريحات لا تغني ولا تسمن، مبررة هجمات إسرائيل بعبارات غامضة ومشوشة. «بينوكيو أمريكا» أو المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، قال إن الولايات المتحدة «لم تكن مشاركة» ولم تكن «على علم» مسبق بأي هجوم. وصف الأمر بأنه «حادث»، وكأنه محاولة لتخفيف وطأة الجريمة التي وقعت.
وكما جرت العادة، لم يقدم أي تفاصيل عما إذا كانت الولايات المتحدة ترى إسرائيل مسؤولة أم لا، وكأنها تغض النظر عن الحقائق الواضحة. فتوقيت هذا الهجوم ليس صدفة؛ لقد جاء بعد يوم واحد فقط من تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، الذي أعلن فيه أن الدبلوماسية مع حزب الله قد انتهت، وأن الحل العسكري هو الطريق المقبل.
وبينما تنفذ إسرائيل عملياتها بلا رادع، يتحول لبنان إلى مسرح جديد للفوضى، تغطيه دماء أبنائه وتغرقه أصوات الصراخ والأنين.

العملية العبقرية!

في مشهد آخر من هذا الكابوس الدموي، يظهر الإعلام العبري بوجهه المعتاد، متغذيًا على ما يبثه الإعلام العربي من فيديوهات وتقارير حول التفجيرات التي هزت لبنان. يتصيد الإعلام الإسرائيلي هذه الفيديوهات المنتشرة في الإعلام العربي، ليقوم بإجراء بعض التعديلات والتلاعب بها بما يخدم روايته. هكذا يظهر نفسه كأنه ليس فقط متفرجًا، بل شيطانا في تأطير القصص وصياغة الحقائق بما يتناسب مع أهدافه.
وكعادته في التباهي بالقتل والدمار، وصف الإعلام العبري العملية بأنها «عبقرية» و»محكمة» و»إبداعية»، مشيدًا بقوة الاختراق التقني، التي استهدفت هذه الأجهزة، وبالمساحة الجغرافية الشاسعة التي غطتها هذه العملية في لبنان. يروج الإعلام العبري لهذه العمليات وكأنها إنجازات عسكرية وبطولات تستحق الاحتفاء، متناسيًا دماء الأبرياء التي سالت في الشوارع.
وفي لحظة نادرة من الإدراك، أشار أحد الصحافيين الإسرائيليين إلى ملاحظة قد تبدو عابرة في خضم التغطية الإعلامية المتفاخرة. فقد لفت انتباهه أن بعض هذه الفيديوهات تُظهر بوضوح أن حاملي أجهزة البيجر ليسوا جنودًا أو مقاتلين فقط، بل هم أشخاص عاديون من مختلف الأعمار والخلفيات. يظهرون صغارًا وشبانًا ومسنين، يعيشون حياتهم اليومية بلا علم بما كان ينتظرهم. وتعليقًا على أحد الفيديوهات، أشار الصحافي إلى ظهور رجل مسن يشتري الخضار، قبل أن ينفجر الجهاز الذي كان يحمله في لحظة لا يمكن نسيانها.
تلك الأجهزة، كما يضيف الإعلام العبري نفسه، لم تكن مصممة للإرسال، بل فقط لاستقبال الرسائل، مما يطرح تساؤلات عميقة حول الطريقة التي تم بها استغلال هذه الأجهزة وتوظيفها في هذه العملية الإرهابية المعقدة. ومع ذلك، يستمر الإعلام الإسرائيلي في نهجه المعتاد، محاولًا تصوير هذا العنف كنوع من الإنجاز التقني والعسكري الذي يجب الاحتفاء به.
وبينما يزيف الإعلام العبري الحقائق ويحاول تشويه صورة الضحايا وتصوير الجريمة كنوع من «الإبداع» الحربي، يبقى الواقع المر أن الدماء التي سالت في شوارع لبنان ليست مجرد مشهد في لعبة سياسية أو حربية، بل هي أرواح أزهقت بلا رحمة، وضحايا دفعوا الثمن في لعبة لا مكان فيها للعقل وللإنسانية.

كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية