لندن ـ «القدس العربي»: أثار الهجوم الكبير الذي نفذته دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد حزب الله اللبناني بواسطة أجهزة اتصال محمولة موجة من المخاوف حول ما إذا كان من الممكن أيضاً تنفيذ هجوم مشابه بتفجير أجهزة الهواتف المحمولة التقليدية التي يستخدمها عامة الناس في مختلف أنحاء العالم، وهو ما يعني أن كل شخص أصبح يحمل قنبلة لا تفارقه بين يديه.
وشنت إسرائيل هجوماً كبيراً على مدى يومين الأسبوع الماضي، حيث في اليوم الأول تم تفجير الآلاف من أجهزة النداء الآلي «البيجر» التي يستخدمها عناصر حزب الله اللبناني للتواصل فيما بينهم، وهو ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، وفي اليوم التالي تم استهداف شبكة اتصالات لاسلكية «ووكي توكي» يستخدمها عناصر الحزب للتواصل المباشر والفوري فيما بينهم، حيث تم تفجيرها بشكل جماعي ومتزامن وهو ما أدى أيضاً إلى إصابة عدد كبير من اللبنانيين.
ويعتبر الهجوم الإسرائيلي الذي حول أجهزة الاتصالات إلى قنابل في أيدي حامليها الأول من نوعه في العالم، وهو ما أشعل موجة من القلق والرعب في أوساط الكثير من الناس الذين تساءلوا عما إذا كان من الممكن استخدام الطريقة ذاتها في هجوم يستهدف شبكات الهاتف المحمول التقليدية، بما يجعل «الموبايل» في أيدينا قنبلة موقوتة قد يتم تفجيرها في أية لحظة.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي» إن الهجوم أثار مخاوف عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أن الهواتف الذكية قد تكون هي الهدف التالي، وهو ما سيعني أن كل شخص في العالم الآن بات في يديه قنبلة قد تنفجر وتؤدي إلى مقتله في أي لحظة.
وحاول الخبراء الذين تحدثوا للصحيفة البريطانية الكشف عما إذا كان هذا احتمالاً أم لا، وكيفية معرفة ما إذا كان الهاتف الذكي الذي تم شراؤه حديثاً آمناً أم لا.
وتدفق الناس على وسائل التواصل الاجتماعي زاعمين أن «الهواتف الذكية هي التالية» و«يمكن استخدام أي جهاز إلكتروني مثل القنبلة».
وقال أحد المعلقين «إذا كان من الممكن اختراق أجهزة النداء (البيجر) حتى تنفجر، فإن الهواتف المحمولة ستكون التالية».
وتوقعت بعض التقارير أن يكون الهجوم الإسرائيلي ناتجاً عن اختراق إلكتروني من قبل إسرائيل تسبب في ارتفاع درجة حرارة البطارية وأحدث احتراقاً مفاجئاً، لكن أحد الخبراء قال لجريدة «دايلي ميل» إن «هذا غير مرجح» وقال إن «الأمر مجرد حالة أن الجهاز قد تم العبث به فعلياً».
أجهزة اتصالات لاسلكية صغيرة
وكانت أجهزة النداء «البيجر» تُستخدم على نطاق واسع في التسعينيات، وهي أجهزة اتصالات لاسلكية صغيرة تصدر صوتاً أو اهتزازاً عند تلقي إرساليات من الآخرين.
وتعرض الشاشة الموجودة على جهاز النداء رسائل أبجدية رقمية، مثل رقم الهاتف للشخص الذي يحمل الجهاز للاتصال به.
وتتلقى أجهزة النداء أحادية الاتجاه الرسائل فقط، بينما تتعرف أجهزة النداء ذات الاتجاهين وأجهزة النداء على الرسائل وترد عليها باستخدام جهاز إرسال داخلي.
واتفق الدكتور لوكاس أوليجنيك، الباحث الزائر في قسم دراسات الحرب في كلية «كينجز لندن» على أن أجهزة النداء أصبحت الآن تقنية «متخصصة» ولكنها لا تزال مفيدة في حالات الطوارئ أو «الاستخدامات المتخصصة حقاً». وقال: «كانت أجهزة النداء تستخدم لأسباب تتعلق بالأمن التشغيلي للحد من خطر التنصت أو التتبع».
وأضاف: «أجهزة النداء لديها سطح هجوم أصغر من الهواتف الذكية، ومن الصعب اختراقها».
ووفقاً للدكتور أوليجنيك، يمكن استهداف الهواتف الذكية في مثل هذه الهجمات بدلاً من أجهزة النداء، باستثناء أن «الهواتف الذكية يمكن تعقبها بسهولة أكبر». لكن الأكاديمي أضاف أنه «لا يوجد خطر من أن يفجر شخص ما هاتفك الذكي».
وقال: «تم تصنيع معظم الهواتف الذكية الحديثة بطرق تجعل مثل هذا العبث في أي مكان من الصعب جداً إلى المستحيل تقريباً».
ويقول الخبراء إنه في حال كان الشخص يشعر بالخطر الزائد، أو يظن بأنه مستهدف وقد يتعرض للاغتيال، فإن عليه استخدام جهاز كشف المواد المتفجرة على الهاتف، وعليه أيضاً أن يحرص على الشراء من الشركة المنتجة مباشرة وليس من وسطاء، فاذا كان يرغب بشراء جهاز «آيفون» فعليه أن يشتريه من معرض تابع لشركة «آبل».
وأضاف الدكتور أوليجنيك أن هذا السيناريو نادر للغاية و«ليس وكأننا سنشهد انفجار أي أجهزة إلكترونية على أساس شائع».
ويصف الدكتور أوليجنيك النظرية التي تغمر وسائل التواصل الاجتماعي بأن الاختراق الإلكتروني تسبب في ارتفاع درجة حرارة البطارية واحتراقها – وبالتالي بدون أي متفجرات مزروعة – بأنها «غير مرجحة».
اعتراض سلسلة التوريد
وتظهر الصور من لبنان بقايا أجهزة النداء التي تحمل علامة «غولد أبولو» وهي شركة تايوانية لتصنيع أجهزة «البيجر». لكن «غولد أبولو» قالت إنها رخصت علامتها التجارية لشركة في بودابست تسمى «BAC Consulting» ولم تشارك في إنتاج هذه الأجهزة.
وقال نيكولاس ريس، الباحث في مجال الكمبيوتر في جامعة نيويورك: «من الصعب أن نتخيل أن الشركة المصنعة كانت مشاركاً نشطاً فيما حدث بسبب التأثيرات المحتملة على أعمالها».
وأضاف: «ومع ذلك، كان لدى إسرائيل بوضوح إمكانية الوصول المادي إلى الأجهزة لزرع التكنولوجيا ثم إعادة تعبئتها». وتابع: «سيكون القيام بذلك بهاتف ذكي أكثر صعوبة إلى حد كبير».
وقال: «ستكون هناك حاجة إلى مساحة مادية كافية داخل حاوية الهاتف الذكي لوضع المتفجرات، وهو أمر غير مرجح مع أي هاتف ذكي حديث، كما أن فتح الحاويات وإعادة إغلاقها بطريقة لا تؤثر على الهاتف أو لا يمكن اكتشافها».
وحسب ريس فان «شركة آبل على وجه الخصوص تتمتع بنظام قوي للغاية لإدارة سلسلة التوريد».
واستناداً إلى اللقطات المتاحة، يعتقد الخبراء أن أجهزة النداء تم إدخال متفجرات فيها في مكان ما على طول سلسلة التوريد قبل أن تنتهي في أيدي أعضاء حزب الله.
وأبلغ مصدر أمني وكالة «رويترز» أن ما يصل إلى 3 غرام من المتفجرات كانت مخبأة في أجهزة النداء ولم يتم اكتشافها من قبل حزب الله لعدة أشهر.
ويتفق أولاف ليسن، عالم الكمبيوتر المقيم في النرويج، على أن هذا الهجوم تم من خلال اعتراض سلسلة التوريد. وقال: «يبدو أن معظم الخبراء يخمنون الآن أن المعدات تم إرسالها من المزود سليمة تماماً، ولكن تم اعتراض الشحنة، وتم إدخال المتفجرات جنباً إلى جنب مع وظيفة الزناد أثناء وجود المعدات في الشحنة».
وأضاف: «يمكن بالتأكيد العبث بهاتفك. ومع ذلك، فإن احتمالية قيام شخص ما بوضع متفجرات فيه ضئيلة للغاية ما لم تكن هدفاً لوكالة استخباراتية بارعة».
ويعتقد جوزيف جورنيت، أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية في جامعة نورث إيسترن، أن أجهزة النداء تم التلاعب بها بحيث تنفجر عند تلقي رسالة معينة.
وقال البروفيسور جورنيت: «في مكان ما بين الشركة المصنعة والمستخدم، كان لدى شخص ما حق الوصول إلى هذه الأجهزة». وأضاف: «ولم يكتفوا بتعديل البرنامج، بل جعلوه يتفاعل في وجود رسالة معينة، كما أضافوا متفجرات صغيرة بجوار البطارية، بحيث لا يكون رد الفعل مجرد انفجار البطارية، بل سيكون انفجار أجهزة النداء الفعلية».
ويعتقد ن. ر. جينزن جونز، الخبير في الأسلحة العسكرية ومدير خدمات أبحاث التسلح في أستراليا، أن الأجهزة المتفجرة تم دمجها في أجهزة النداء في وقت مبكر.
ويقول: «يشير الحجم إلى هجوم معقد على سلسلة التوريد، وليس سيناريو تم فيه اعتراض الأجهزة وتعديلها أثناء النقل».
ووصفت وزارة الخارجية اللبنانية الانفجارات بأنها «هجوم إلكتروني إسرائيلي» لكنها لم تقدم تفاصيل حول كيفية التوصل إلى هذا الاستنتاج.
ووصفها هارجيندر سينغ لالي، مدير مركز الأمن السيبراني بجامعة وارويك، بأنها «هجوم تجسس متطور للغاية» مع «تداعيات خطيرة محتملة». وقال: «يبدو أن أجهزة النداء قد تم تعديلها وتوزيعها من دون أن يلاحظ أحد أي مشاكل في سلسلة التوريد».
وتابع: «هذا يشكل سابقة خطيرة للغاية، على سبيل المثال، يمكن تعديل المعدات المملوكة للوزراء وغيرهم من الشخصيات المهمة».