ارتفاع تكاليف العودة المدرسية يفاقم معاناة الأهل بين العمومي والخاص التعليم في تونس يتراجع

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:  أكّدت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك أنّ أسعار مستلزمات العودة المدرسية سجّلت زيادة تصل إلى حدود 12 في المئة مقارنة بالسنة الماضية، وأن كلفة العودة المدرسية باهظة جدا مقارنة بالمقدرة الشرائية للمواطن التونسي. واعتبرت المنظمة أن كلفة العودة المدرسية لهذا العام تبلغ 800 دينار للتلميذ الواحد في مستوى السنة الأولى من التعليم الأساسي والمستويات الأخرى من المرحلة نفسها. كما اعتبرت أن هذه الكلفة تطوّرت من 425 دينارا في 2019 إلى 750 دينارا في 2023 لتزيد بما قيمته خمسون دينارا هذا العام وهو ما لا يتماشى مع القدرة الشرائية للتونسيين باعتبار أن هناك من يتقاضى هذا المبلغ كراتب شهري وهناك أيضا من يتقاضى أقل منه بكثير.

كابوس حقيقي

لقد أصبحت العودة المدرسية والجامعية في السنوات الأخيرة كابوسا حقيقيا يقض مضاجع التونسيين مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ومع تراجع نسبة الطبقة الوسطى من عموم سكان البلاد. كما أن تراجع مستوى التعليم العمومي زاد من المصاريف وذلك مع إقبال التلاميذ مضطرين على دروس التدارك من أجل تجاوز النقص الفادح في التكوين، ومع إقبالهم أيضا على التعليم الخاص الذي أفرغ الجيوب.
ويتمتع التعليم في تونس بقداسة قد لا يوجد لها مثيل في عديد البلدان الأخرى، وهو ما يجعل العائلات تعتبره هاجسها الأكبر وتنفق عليه على حساب مصاريف أخرى تبدو ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى الشعوب الأخرى. كما أن دولة الاستقلال أعطته الأولوية على حساب البنى التحتية والأبراج الشاهقة والتسلح وأشياء أخرى كان يمكن إنجازها، وأنفقت عليه ما يزيد عن ثلث الميزانية السنوية طيلة عقود.
لذلك، وبالنظر إلى هذه الأهمية، فإن عدم قدرة الكثير من الأسر على توفير عودة مدرسية وجامعية لائقة للأبناء يجعلها في حالة من القلق والإحباط والسخط مما آلت إليه الأوضاع فيما يتعلق بغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية وتراجع مستوى التعليم العمومي. فالأخير كان في الماضي القريب سلما اجتماعيا يمكن التلاميذ والطلبة من ضعاف الحال من الارتقاء الطبقي والنهوض بمستوى أسرهم التي تكون قد دفعت الغالي والنفيس من أجل تعليمهم أفضل تعليم، لكنه تراجع اليوم وأصبح يشكو عديد النقائص.

اللجوء
إلى الاقتراض

لقد أصبحت عائلات عديدة في تونس تقترض من البنوك من أجل تدريس أبنائها وتكد على مدار العام من أجل تأمين مصاريف الدروس الخصوصية بالنسبة للتعليمين العام والخاص، ومصاريف الدراسة بالنسبة للتلاميذ الدارسين في منظومة التعليم الخاص. كما أصبحت أسر عديدة من أبناء الطبقة الوسطى تشتري الكتب والأدوات المدرسية بالتقسيط لأنها لا تستطيع توفيرها مع بداية السنة الدراسية والجامعية التي تأتي مباشرة بعد عطلة الصيف ومصاريفها، وتتزامن هذا العام مع ذكرى المولد النبوي الشريف التي للتونسيين فيها مصاريف هامة تخص إعداد الحلويات أو العصائد المعروفة التي يقبل عليها الكبار والصغار والمكلفة على جيب المواطن.
فالعجز عن توفير مصاريف العودة المدرسية من قبل العائلات التي تصنف في خانة الطبقة الوسطى يعتبر في نظر الكثيرين معضلة حقيقية وجب على الدولة أن تلتفت إليها وتوليها الاهتمام اللازم بدل التفكير في إثقال أبناء هذه الطبقة بالجباية لتغطية عجز الميزانية. ولا أحد بإمكانه اليوم إنكار أن الشعب التونسي يئن من كثرة المصاريف والأعباء التي حولت حياته إلى جحيم نتيجة تراكمات ونتيجة لإهمال من تداولوا على حكمه في العقود الأخيرة للجوانب الاجتماعية وأهمها القوت اليومي والتعليم والنقل والصحة وانصرافهم إلى كل ماهو سياسي ودستوري.

منح محدودة

تقدم الدولة منحا لموظفي القطاع الحكومي بمناسبة العودة المدرسية والجامعية كما تقدم مساعدات لضعاف الحال، لكن يرى البعض أن هذه المساعدات غير كافية لتأمين عودة مدرسية وجامعية مريحة لأبناء التونسيين في كامل تراب الجمهورية. ويتساءل هؤلاء، إذا كان هذا وضع القطاع العام الذي ينال موظفوه رواتب قارة فماذا عن القطاع الخاص ومن ذلك أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المهن الحرة التي تضررت كثيرا من جائحة كورونا ولم تجد من الدولة غير الترفيع في الجباية وخنق المبادرة الحرة، أليست لأبناء هؤلاء عودة مدرسية وجامعية في دولة راهنت على التعليم؟
ويشار إلى أن الدولة، ومن خلال الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي وزعت هذا العام مساعدات بمناسبة العودة المدرسية، شملت قرابة 100 ألف منتفع من العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل من المسجلين في برنامج الأمان الاجتماعي. وتشمل هذه المساعدات الأدوات المدرسية من كراسات وكتب ومعدات هندسية وأقلام تلوين ومحافظ وملابس وأحذية موجهة لتلاميذ مراحل التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي.
وقد بلغت قيمة المساعدات العينية المخصصة للعودة المدرسية 5 مليون و500 ألف دينار، نسبة هامة من هذه الأموال رصدتها سلطة الإشراف والباقي من موارد الاتحاد التونسي للضمان الاجتماعي. كما تضاف إلى هذه المساعدات الحكومية مساعدات أخرى تتأتى من مبادرات خاصة لأشخاص من الأفراد والمؤسسات التونسية في معاضدة لجهود الدولة المحدودة من أجل تأمين عودة مدرسية وجامعية مريحة.

الانقطاع المبكر

ترى الناشطة المدنية والحقوقية آمنة الشابي في حديثها لـ«القدس العربي» أن العودة المدرسية لم تكن كما كانت في السابق، أي ينتظرها التلاميذ والطلبة والأساتذة والمعلمون والآباء بفارغ الصبر للاحتفال بها، لقد أصبحت مصدر قلق سنوي لنسبة هامة وكبيرة من حيث العدد من التونسيين. فالقدرة الشرائية نزلت، حسب محدثتنا، إلى الحضيض والدولة عاجزة عن التحكم في الأسعار وهو ما سيؤثر سلبا وفي قادم السنوات على نسبة التمدرس في البلاد وسيزيد من ظاهرة الانقطاع المبكر عن التعليم.
وتضيف الشابي قائلة: «لا يعقل أن يحصل هذا في بلد مثل تونس راهن على التعليم وسخر له كل امكانياته منذ فجر الاستقلال، إذ من المفروض أن يزيد دعم التعليم والبحث العلمي لا أن يحصل هذا التراجع الرهيب والمخيف. فمن يتم إثقال كاهلهم بالضرائب من عموم المواطنين لإيجاد الموارد لميزانية الدولة هم أولياء هؤلاء التلاميذ، وهم الذين ينفقون على أبنائهم على مدار السنة وخصوصا خلال هذه الفترة من العام والتي تتزامن مع اقتناء الأدوات المدرسية دفعة واحدة.
لقد قامت الثورة من أجل تحسين الأوضاع الاجتماعية والارتقاء بالإنسان التونسي في مجالات عديدة ومن أهمها التعليم الذي يجب أن يكون إجباريا ومجانيا ويتمكن من خلاله الجميع ومن دون استثناء من الارتقاء في السلم الطبقي. لكن للأسف ما نراه اليوم هو وجود تعليم للأغنياء وآخر للفقراء وأصبح فعليا الفقير غير قادر على التعلم وعلى الارتقاء بنفسه وبأسرته وذلك بسبب ارتفاع التكاليف في مرحلة أولى ثم غياب آفاق التشغيل عند التخرج وإنهاء الدراسة وذلك بعد أن تم إلغاء باب الانتدابات في الوظيفة العمومية ومع هيمنة الاقتصاد الريعي على البلاد حيث يسيطر على كل قطاع عدد محدود من أباطرة الفساد، لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، يمنعون الشباب من المبادرة وبعث المشاريع في القطاعات التي يهيمنون عليها».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية