جيرار جينيت
الاستبدال مصطلح جينتي ـ نسبة إلى جيرار جينيت – ويعني تقانة سردية هي عبارة عن فعل عبور انتهاكي لمستويات السرد، وعادة ما توظف هذه التقانة في السرد بضمير المخاطب. وقد اهتم منظرو علم السرد ما بعد الكلاسيكي بالاستبدال، بعد أن وجدوا فيه من الإشكاليات ما يسمح لهم بالبحث عن حلول تمكِّن من وضع نظرية في السرد بضمير المخاطب. ولعل باكورة هذه الاهتمام اتضحت عام 1991 حين نشرت الأمريكية ماري لوري رايان كتابها (الاستبدال في الذكاء الاصطناعي) ونشر ديفيد هيرمان دراسته المهمة (نحو وصف اصطلاحي لسرد الاستبدال) 1997، ووصف الاستبدال بأنه عملية إذابة الحدود بين المستويات النصية وغير النصية، أو بين واقعين مختلفين عند مخاطبة القارئ بضمير المخاطب، التي تجعله يتحرك عبر الحدود الوجودية من عالم إلى آخر. وما يجعل الاستبدال قادرا على تجاوز انتهاك المستويات المعتادة في البناء السردي هو تشابك الأصوات والتلاعب بالحدود الانطولوجية للنصوص.
وفي عام 2002 صدر عن جامعة أوهايو كتاب (اختراق الإطار) لديبرا مالينا، وفيه عدّت مصطلح الاستبدال استراتيجية تعمل داخل النسيج السردي، وتمكن من تجاوز انتهاك مستويات السرد المعهودة والقواعد القارة على مستوى الإطار، فتتضح دينامية العملية السردية. واختارت للتمثيل على الاستبدال سرديات ما بعد الحداثة التي تسعى إلى تفكيك بنية الواقع وهرمية المجتمع، مثل رواية (اللامسمى) لصموئيل بيكيت، وروايات أخرى لكريستين بروكروز وأنجيلا كارتر. وأرجعت بدايات اختراق الإطار إلى دونكيشوت، وميزت بين الإطار الواقعي للقصة الرئيسية والقصة داخل القصة. وفي هذا التمييز رد على النسق الهندسي الذي وضعه جينيت، وفيه مستوى أعلى (غيري مبأر) ومستوى تحتي (مثلي مبأر) وبسببهما يغدو المؤلف مزدوجا.
ومثلما لا يوجد اتفاق نظري على تعريف جامع للسرد بضمير المخاطب، فكذلك لا يوجد اتفاق حول ماهية الاستبدال وأنواعه، ومدى علاقته بالسرد بضمير المخاطب. وتتفاوت آراء الباحثين في هذا المجال بين فريقين: الأول يرى أن ضمير المخاطب مخصوص بالسرد غير الطبيعي والاستبدال وسيلة في فك إشكالية اللاطبيعية. والفريق الآخر يرى في استعمال ضمير المخاطب ما يؤكد فاعلية القارئ في البناء السردي، وأن الاستبدال وسيلة لجذب القارئ وقياس نقد استجابة التلقي.
وسنركز النظر على آراء الفريق الأول، وفي مقدمتهم مونيكا فلودرنك بدراستها (تناوب الاستبدال والنمط الاستبدالي) 2003 وفيها أكدت، أن بدايات هذا النوع من الاشتغال تعود إلى الرومانسية النثرية الإنكليزية، وروايات القرن التاسع عشر. وركزت النظر على تنظير جيرار جينيت للاستبدال في كتابه (خطاب الحكاية) ووجدت فيها اضطرابا. وتتبعت أنواعا من الاستبدال، منها الاستبدال البلاغي، واجترحته ماري لوري رايان، ولم تأخذ به فلودرنك كونه لا يعالج الاستعمال الأكثر شيوعا من الاستبدال. وفرقت بينه وبين الاستبدال الوجودي أو الأنطولوجي الذي فيه بعض الانتظام. أما الاستبدال المجازي فيعتمد على طريقة الفهم المحاكى للسرد وعلى التمييز الدقيق بين القصة والخطاب.
واهتم براين ريتشاردسون بدراسة دور الاستبدال الوجودي في السرد غير الطبيعي. وحدد وظيفته كالآتي: حين يتم خرق السرد بأفعال مستحيلة جسديا، أو ذاكراتيا، أو نفسيا باستعمال نصوص غير واقعية تتضاد مع المحاكاة، أو هي لا محاكاتية، فإن الاستبدال يعيد إنتاج الشخصيات والأحداث من العالم الفعلي. وقسَّم فاعليته إلى: 1- الاستبدال الصاعد، ويتحقق حين يقفز السارد، أو الشخصية من عالم القصة الضمني إلى عالم القصة الإطاري الذي هو في الأعلى 2- الاستبدال النازل ويكون حين يقفز السارد أو الشخصية من عالم القصة الإطاري إلى عالم القصة الضمني، أو يقفز المؤلف من العالم الفعلي الخارجي إلى عالم القصة الداخلي 3- الاستبدال الأفقي ويعني التوسط أو التعادل في التحول كأن تكون الشخصية في إحدى الروايات وتدخل في رواية أخرى.
ولعل أهم ما طرحه ريتشاردسون في هذا الصدد يتمثل في البحث عن الاستبدال في صوت السارد غير الطبيعي الذي لا يستطيع إنتاج السرد ويتظاهر بأن له صوتا، أو السَّراد الذين يتعددون ويندمجون مع بعضهم بعضا، دون أي إشارة أو تفسيرات أو الذين هم غير متجانسين في أصواتهم داخل النص، أو الذين ينتقلون من مستوى أنطولوجية النص إلى مستوى آخر بطريقة مستحيلة.
واستنادا إلى نظرية العوالم الممكنة، فرَّق جان البر في مجال توظيف الاستبدال الوجودي بين هوية العابر الأصل ونظيره غير الطبيعي، وطرح استعمالات موضوعية تجعل الاستبدال دالا رمزيا على الهروب من الواقع مثلا، أو يدل على انتقاد النزعة الرأسمالية وإساءة استخدام السلطة. وأكد أن في الاستبدال دليلا على فاعلية التخييل التي تجعل المبدعين في مواجهة مع ما يكتبونه، إلى درجة قد يفقدون سيطرتهم على إبداعاتهم.
ويعد فيرنر وولف أكثر الباحثين اهتماما بدراسة الاستبدال، تدلُّ على ذلك دراساته المخصوصة في هذه التقانة. بيد أنه لم يتطرق إلى دورها في السرد بضمير المخاطب. وسنقف عند دراسته الموسومة (الاستبدال والاحتجاب غير الطبيعي: هل يكون بالضرورة غير متوافق؟ ) – وهي جزء من كتاب (شعرية السرد غير الطبيعي) 2013 – وفيها ناقش أربعة مفاهيم هي: الاستبدال واللاطبيعية والتطبيع والاحتجاب. ورأى أن الاستبدال ليس بالضرورة غير متوافق مع واحد من هذه المفاهيم. وعدَّ التأثيرات الأكثر شيوعا وقوة، هي التي يتم استنباطها عادةً في «اللاطبيعية» وتحقق الوهم الجمالي مما يوحي بأن السارد والشخصية يبدوان وكأنهما يشتركان في المجال الواقعي نفسه. وركَّز وولف على كل من الاستبدال والاحتجاب، وما يثيرانه من تأثيرات متضادة فيعطل أحدهما الآخر. وعرَّف الاستبدال بأنه (انتهاك متناقض للواقع واستقلالية عالم الشخصية وهو أداة بها يتم الخلط بين المستويات الوجودية «الواقع الفعلي» ومستوى الواقع المصنوع. وتخضع هذه المستويات إلى ما يمكن تسميته عبوراً حدودياً «غير طبيعي» مستحيلاً مادياً من الداخل، ويقفز إلى قمة السطح. لكن لا يكون هذا السيناريو بالضرورة غير طبيعي بالنسبة إلى متلقيه). وأما الاحتجاب فهو انغماس خيالي وعاطفي في عالم مُمثل، وتجربة ليست متطابقة مع الحياة الواقعية، ما يولِّد الوهم الجمالي الذي هو حالة ذهنية ممتعة بشكل أساس تظهر في أثناء توظيف النصوص الواقعية أو التخييلية.
والبادي أن وولف ينظر إلى الاحتجاب مقترنا بالاستبدال فتتضاعف إنتاجية التخييل في السرد غير الطبيعي. ولا يخفى ما في الاحتجاب والاستبدال من اشتغال هو جزء من فاعلية أعم هي التخييل، الذي لا حدود له سواء وُظف فيه الاستبدال والاحتجاب أو لا. واختتم وولف دراسته متسائلا مجددا: هل تكون العلاقة بين المفاهيم أعلاه بالضرورة غير متوافقة؟ وأجاب بالنفي؛ إذ لا تعارض بين الحالات التي يبدو فيها الاستبدال غير طبيعي، والحالات المتولدة من جراء الاحتجاب والتطبيع والوهم الجمالي، مؤكدا أنّ أغلبية الاستبدالات لا يزال يُنظر إليها على أنها تتبع الفرضية القائلة بأنّ اللاطبيعية تؤدي إلى عدم الاعتياد، ونتيجة لذلك، قد تعيق أو حتى تعطل الاحتجاب.
كاتبة عراقية