إسرائيل إزاء “حزب الله”.. من سياسة الاحتواء إلى “الضغط الخانق”

حجم الخط
0

في بداية المعركة، وربما الحرب، يجب الاعتراف بأن حزب الله يهدد إسرائيل في جبهتين: الأولى تهديد على عموم الجبهة الداخلية والبنى التحتية العسكرية والمدنية في إسرائيل، بصواريخ بعيدة المدى ثقيلة وأساساً دقيقة جمعها حزب الله. والأخرى جبهة الحدود التي يهددها حزب الله من خلال قوة الرضوان، والسلاح الصاروخي، والمُسيرات ومضادات الدروع على بلدات الحدود وسكانها.

وبينما لم يتحقق التهديد على إسرائيل بعد في الجبهة الداخلية، فقد نجح حزب الله في خلق قاطع أرض محروقة داخل أراضي إسرائيل أخلاها 60 ألفاً من سكانها، ويعيشون خارج بيوتهم منذ نحو سنة، وهي تدمر وتحترق يومياً.

في قرار الكابنت قبل نحو أسبوعين، قضت حكومة إسرائيل بأن هدف الحرب ليس إزالة التهديدين اللذين يطرحهما حزب الله على إسرائيل، بل أحدهما فقط: التهديد على سكان وبلدات الشمال، عملياً حتى خط حيفا. هذه ليست صدفة؛ فلكي يتصدى الجيش ويصفي التهديد العام على الجبهة الإسرائيلية الداخلية، يتعين على دولة إسرائيل الخروج إلى حرب شاملة طويلة، ندفع فيها ثمناً باهظاً بالخسائر وبالضرر الاقتصادي في الجبهة وفي الجبهة الداخلية أيضاً، وقد تجر أيضاً إيران ووكلاءها الآخرين لمشاركة مباشرة في الحرب.

إدارة بايدن – هاريس توضح لإسرائيل في الأيام الأخيرة بضع مرات في اليوم بأنها لا تريد حرباً شاملة تبدأها إسرائيل لأنها ستشعل حرباً إقليمية ستضطر الولايات المتحدة للمشاركة فيها، وسترفع أسعار النفط في السوق العالمية، وربما تتسبب بخسارة كمالا هاريس في الانتخابات. كما أن حزب الله وأسياده الإيرانيين لا يريدون حرباً شاملة. يعرف نصر الله أن لبنان وبناه التحتية ستتعرض لدمار رهيب، وسكان لبنان بمن فيهم الطائفة الشيعية، سيتهمونه بالمسؤولية عن الكارثة التي أوقعها عليهم.

وترى إيران في الصواريخ الثقيلة المخصصة لضرب مطارات سلاح الجو وعلى الكريا في تل أبيب ذخراً معداً لردع إسرائيل من هجوم على منشآت النووي في إيران، وعليه فإن إيران معنية بألا تمس الحرب الحالية بالمصالح الحيوية للأمن القومي الفارسي بسبب حماس.

بالمقابل، قررت إسرائيل فتح معركة عسكرية دبلوماسية متداخلة بتعاون مع الولايات المتحدة لتحقيق هدف الحرب المعلن: إعادة سكان الشمال إلى بيوتهم بأمان. بخطوط عامة، “الفكرة العامة” هي ممارسة ضغط عسكري متعاظم على حزب الله، وبالتوازي بذل جهد وساطة دبلوماسية – يفضل أن يكون سرياً – للوصول إلى صيغة تسمح لإسرائيل بتحقيق الأمن لسكان الشمال وإبعاد نصر الله قواته وسلاحه الثقيل عن حدود إسرائيل دون أن يبدو كمن استسلم وفقد مكانته في العالم العربي.

هذه مهمة غير بسيطة لكنها ممكنة، خصوصاً إذا ما واصل الجيش الإسرائيلي التمسك بثلاثة مبادئ هي المبادرة والتواصل والتحكم بالتصعيد، وكذلك إذا ما أدار الأمريكيون بالتوازي –وربما حتى من خلال وسطاء عرب مغفلين– المفاوضات الدبلوماسية للوصول إلى ترتيب يقبله الطرفان. بالنسبة للضغط العسكري، تفيد التجربة بأن حزب الله غير مستعد للتحدث إلا بوجود خطر حقيقي على وحدة لبنان الإقليمية وأمن ورفاه أهالي الطائفة الشيعية الذين هم الأغلبية في لبنان.

هي خطوة اتخذت، وابتداء من الثلاثاء الماضي، بتنا نرى أعمالاً عنيفة تتعاظم. والآن، ينبغي الإصرار على المبدأين الآخرين. بداية التواصل: عدم السماح للعدو بالتنفس، ومفاجأته بكل طريقة ممكنة. وهو ما سيسمح بتحقق المبدأ الثالث، التحكم بالتصعيد: فالتجربة العسكرية من حرب الماضي تثبت أن الطرف الذي يواصل التصعيد بعد انتقال الطرف الآخر إلى القتال السلبي، ينتصر بشكل عام في المعركة أو في الحرب. لقد جلب الجيش الإسرائيلي إلى المستوى السياسي سلسلة خطط أعدها سلاح الجو وشعبة العمليات في الجيش منذ بضع سنوات، وتسمح للمستوى السياسي ليقر مرحلة أخرى في التصعيد. إذا استمر هذا دون ترك القتال في قطاع غزة ودون تخفيف الضغط على عناصر الإرهاب في الضفة، ثمة احتمال أنه في غضون بضعة أسابيع – نعم ليس أقل من بضعة أسابيع – سيكون نصر الله وأسياده الإيرانيون أكثر إنصاتاً للاقتراحات التي تقدم لهم بها الوسطاء سراً كي يحموهم من فقدان الكرامة الذي هو مهم جداً في العالم الإسلامي.

أما إن لم تكن ضربات النار الجوية والمدفعية لإقناع نصر الله الدخول في مفاوضات جدية على الترتيب، فأمام إسرائيل حينئذ إمكانية للتصعيد بمناورة برية. وثمة افتراض بأن يناور الجيش الإسرائيلي داخل لبنان بطريقة عمل مشابهة جداً للمناورة الغزية في أكتوبر 2023. في غضون بعض من الوقت، سيرابط الجيش على خط ما، وعندها توضح إسرائيل والولايات المتحدة لنصر الله بأن الانسحاب من هذا الخط لن يكون إلا بترتيب.

سيفضل نصر الله ابتلاع القرص المر لأن الجيش الإسرائيلي سيكون على أي حال في وضع يفكك فيه البنى التحتية والقدرات العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان.

إذا ما تحقق هذا السيناريو يمكن حينئذ إعادة سكان الشمال الذين أخلوا بيوتهم والبدء بترميم الدمار. وإذا لم يوافق نصر الله، فستكون الطريق مفتوحة أمام إسرائيل نحو حرب شاملة. وثمة احتمال من الجيد؛ وهو تفعيل خطة الهجوم على مراحل، لكن بعد أن يتحقق الترتيب بمفاوضات دبلوماسية، ويأتي الاختبار الحقيقي لحكومة إسرائيل: فرض الترتيب إذا لم يحترمه حزب الله، والتصميم الذي يعالج فيه كل خرق. على الحكومة أن تفهم بأن عصر الاحتواء انتهى حتى لو تحققت تسوية مرضية.

رون بن يشاي

يديعوت أحرونوت 23/9/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية