لبنان في مرمى “سهام الشمال”… هل نشهد ضربة خاطفة أم اجتياحاً برياً واستنزافاً طويلاً؟

وديع عواودة
حجم الخط
4

 الناصرة- “القدس العربي”: هل اندلعت حرب لبنان الثالثة، بعد الهجمات الجوية الإسرائيلية الواسعة، أمس؟ هل تريدها إسرائيل؟ وهل يبقى ردّ “حزب الله” خافتاً، كما هو حتى الآن؟

 منذ الثامن من أكتوبر، أرادها “حزب الله” عملية استنزاف وجبهة إسناد وإشغال، ولا مصلحة له بحرب، لعدّة حسابات. فالحرب الشاملة لا يحتملها، كما لا يحتملها لبنان.

بعد 11 شهراً، وفي ظل انتقادات ومزاودات داخلية على طريقة إدارة الحرب، وإخلاء مستوطنات الجليل، وانجرار إسرائيل لملعب “حزب الله”، قرّرت تل أبيب وقف حالة الاستنزاف، من خلال تصعيد كبير، ومحاولة دفع “حزب الله” عنوةً للتراجع نحو “فك الارتباط” عن غزة، وتمكين سكان المستوطنات الحدودية من العودة لها، وهذا هدف جديد للحرب أضافته حكومة الاحتلال قبل أسبوع.

من المتوقع أن تواصل إسرائيل مهاجمة البقاع، حيث الصواريخ طويلة المدى، ومخازن طائرات مسيّرة كبيرة، في محاولة لمواصلة تعطيل القدرات الهجومية لـ “حزب الله”

واختارت إسرائيل القيام بذلك من خلال الشروع بضربة “صدمة وترويع” على الطريقة الأمريكية (في العراق وأفغانستان وغيرهما) ومواصلة عملية واسعة متدرّجة متدحرجة. واليوم، من المتوقع أن تواصل إسرائيل مهاجمة البقاع، حيث الصواريخ طويلة المدى، ومخازن طائرات مسيّرة كبيرة، في محاولة لمواصلة تعطيل القدرات الهجومية لـ “حزب الله”.

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن نتنياهو قوله، في اجتماع مع وزرائه، ليلة أمس، إن الهدف هو دفع “حزب الله” لوقف جبهة الإشغال، وإعادة النازحين للجليل.

لبنان ماذا بعد؟

والسؤال اليوم؛ ماذا بعد القصف الجوي الواسع؟ وهل تملك إسرائيل النيّة والقدرة على اجتياح بري، كما فعلت مرتين من قبل،عام 1982 و 2006؟ وهل تبحث عن مخرجٍ سياسي الآن يحول دون حرب شاملة ربما تتسع، تكون مكلفة لها، أم تعمل من أجل محاولة الإجهاز على “حزب الله” بمواجهة واسعة، حتى لو طالت، وتطلّبت حملة برّية؟

تدلل تجارب إسرائيل الطويلة في لبنان على خطورة الاجتياح البري، من ناحية الخسائر المترتبة عليه بالنسبة لجيشها، ولا بدّ أنها تؤخذ بالحسبان اليوم لدى صناع القرار فيها. ومن المرجّح أن كثرة التهديد والوعيد على لسان نتنياهو وغالانت وهليفي وكاتس وسموتريتش وغيرهم، أمس، تدلل على رغبة إسرائيل بعملية قوية قصيرة، دون دخول حرب ربما تطول وتتحوّل لحالة استنزاف أشدّ مضاضة، خاصة إذا ما اجتاحت براً، ولذا أسمتْها بالأمس عملية (سهام الشمال)، لا حرباً، تبحث بعدها عن إنتاج ضغط لبناني داخلي، وعن تسوية يضغط الغرب من أجلها، يقبل بها “حزب الله” في ظل ضربات وحسابات تمتد من لبنان إلى إيران.

نقطة خروج

يحذّر عددٌ من المراقبين في إسرائيل من الاستخاف بـ “حزب الله” وقدراته، بعد الضربات المتتالية التي تلقّاها منذ اغتيال فؤاد شكر، مروراً بعمليتي تفجير أجهزة الاتصال، ووصولاً للقصف الجوي الوحشي، منذ أمس، مثلما يحذّرون من عدم وجود خطة لليوم التالي، ومن فقدان نقاط خروج.

من هؤلاء مستشار الأمن القومي الأسبق يعكوف عاميدرور، الذي استفزّته احتفاليةُ القناة 14 العبرية بـ “الانتصار الإسرائيلي”، فقال، بلهجة غاضبة، إن الاحتفال بهزيمة “حزب الله” مبكّرة.

وتابع: “سمعت أحدهم يتحدث عن قرب الاحتفالية بالانتصار على “حزب الله”. هذا منفصم عن الواقع وغير واقعي”. وخاطب مقدّمَ الأخبار في القناة 14، الذي بدا منتشياً، بالقول: “إن كنتَ تتوقع نصرة من عند الله فلا مجال للحديث هنا بيننا”.

من جهته، أشاد القائد السابق لغرفة العمليات في جيش الاحتلال الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف بـ “الهجمات الجوية المدهشة” من ناحية النجاح الاستخباراتي الكبير، والتنفيذ الدقيق السريع. وقال زيف، في تعليق له للقناة 12 العبرية، إن لنصرالله عدة نقاط خروج من الممكن أن تخدم الجانب الإسرائيلي.

ويضيف: “الضربات الجوية تفكّك قدراً كبيراً من قدرات “حزب الله”، ولكنها بالأساس تعيده لحجمه، وتكشفه، فقد عاد ليكون منظمة إرهابية صغيرة، مرتبكاً، ومهاناً، وبقاؤه ليس مؤكداً. نصر الله، بخلاف السنوار، يملك تفكيراً منطقياً وله رؤية إستراتيجية، ويستطيع اتخاذ قرارات. رغم الضربات الموجعة يستطيع إنقاذ منظمته، وربما ترميمها، ولو جزئياً، وهذا يحدث بحال فعل خطة واحدة لا ثاني لها: بدلاً من الردّ بصواريخ فهو ما زال قادراً على الالتزام بأن قتاله هو جبهة إسناد وتكافل مع غزة، وهذا يعني تحذير السنوار ودفعه للقبول بصفقة، فهو الآن يسدّد الثمن الكامل، وهناك حدود لاستعداده للتضحية. إذا رفض السنوار، يستطيع القول علانية إنه فعل كفاية في حرب ليست حربه، والدخول بمفاوضات حول 1701، على أمل أن تقبل إسرائيل بذلك”.

ويرى زيف أن ما سيحسم أمره هو إيران، ففي حال تراجعت عن دعمه وبقي نصرالله وحيداً، سيسارع للتوجه للسنوار، موضحاً أن مصلحة إسرائيل أيضاً تقتضي الذهاب لهذا الخيار بدلاً من مواصلة تبادل اللطمات مطولاً. ويضيف زيف: “صحيح أن حزب الله تلقّى ضربات، لكن خسائر الدولة والاقتصاد المتطور أكبر منها لدى منظمة داخل دولة ضعيفة. خيار الحملة البرية الآن، بعد حرب طويلة في غزة، ليس خياراً مفضّلاً بكل المعايير. هذا هو الوقت للضغط أكثر على دوّاسة البنزين من أجل سحق قدرات “حزب الله” دون تفويت فرصة الخروج ويد إسرائيل هي العليا”.

وسبق أن حذّر رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق الجنرال في الاحتياط دكتور عاموس يادلين من الغرور، ودعا، أول أمس، لتحديد أهداف متواضعة للعملية في لبنان، وقال إنها “حرب سلامة الجليل”، وليست حرب لبنان الثالثة”.

وقال، في حديث للقناة العبرية 12، إن “حزب الله” يبدو غير معني بحرب شاملة، وإنه ينبغي على إسرائيل النظر بنظرة أوسع من نظرة تنحصر بلبنان. موضحاً أنه، بخلاف الحرب في غزة، على إسرائيل تحديد أهداف متواضعة أكثر لعمليتها في لبنان: ضرب مشروع الصواريخ الدقيقة، وفكّ الرابطة بين الجبهتين الشمالية والجنوبية”.

ويحذر عددٌ من المحللين الإسرائيليين من احتمالات التورّط، فيقول المعلق السياسي نداف أيال، في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، اليوم، إنها مكاسب براقة، ولكن ماذا بعد؟

ويوضح أن الجيش أتقن توجيه ضربة سريعة ناجعة ضد “حزب الله”.

وقال، في المقال، إن هناك أخباراً سيئة: “لا أحد يعرف كيف يترجم هذه المكاسب العملياتية لفائدة سياسية ولانتصار حقيقي يوقف الحرب في الشمال. “حزب الله” ما زال قادراً على إطلاق صواريخ نحو مركز إسرائيل وتوجيه ضربات موجعة لها. يكفي أن يقوم بين الفينة والأخرى في إطلاق صاروخ مضاد للدروع حتى تستمر الحرب. إسرائيل تستطيع التصعيد، وتتلقى ردّ “حزب الله” ضعيفاً جداً، لكن طالما يملك قدرة على إطلاق نار لن يعود سكان الشمال لمستوطناتهم، ولذا لا بدّ من التفكير بمنطق سياسي أيضاً”.

مستشار أمني إسرائيلي: سمعت أحدهم يتحدث عن قرب الاحتفالية بالانتصار على “حزب الله”، هذا منفصم عن الواقع

حرب سلامة الجليل

في المقابل؛ يرى مراقبون آخرون أن الحرب الواسعة باتت حتمية، فيقول المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل إن إسرائيل و”حزب الله” انتقلا في طريق سريع لحرب شاملة في لبنان، لكنها حالياً لا تسارع لحملة برية. بصرف النظر إن كانت ستكون عملية سريعة، أم تتحول لحرب واسعة وطويلة، حرب لبنان الثالثة، أخذ رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو كل الخيارات بقوله، أمس: “نحن أمام أيام مركّبة، ونحتاج لوحدة، ونفس طويل، ومعاً نقاتل، ومعاً ننتصر”.

 فيما اكتفى قائدُ جيش الاحتلال هليفي بالقول: “بعد الضربات الموجعة لحزب الله نحضّر للمراحل التالية من عملية “سهام الشمال”، وكل شيء عليه أن يصبّ نحو هدف استعادة النازحين”.

 ويشير للدور الأمريكي في التصعيد أكثر من عدمه، بالقول إن الولايات المتحدة، وبعد الفشل بمنع التصعيد، فإنها تسعى لمنع الغزو البري.

ويضيف: “واشنطن تناصر الهجمات الجوية الواسعة في لبنان ضد “حزب الله”، لكنها غير مقتنعة بأنها ستحقق أهدافها. أوستين، في محادثته مع غالانت، عبّر عن خوفه من أن العملية الإسرائيلية ستقود لحالة تصعيد دائم تستمر أسابيع، وربما شهوراً”.

ويؤكد هارئيل أن “إدارة بايدن تبدو لامبالية لما يحدث، وتخطئ إذا ما اعتقدت أن الوضع تحت السيطرة طالما لم تدخل إسرائيل في حملة برية”.

وربما يأخذ هارئيل بالحسبان أن “حزب الله” الآن في مرحلة امتصاص الضربة، ويستعد لرد عنيف، رغم أن ميزان القوى في 2024 ليس لصالحه، مقارنة بـ 2006، بسبب عدة متغيّرات، أهمها ابتكار القبة الحديدية التي تعطّل السواد الأعظم من صواريخه حتى الآن. وربما تكمن قوته الجوهرية اليوم في القتال البرّي، كما تجلى في “ترحيب” نصرالله بالاجتياح البري بالقول ساخراً: “أهلاً وسهلاً”، ضمن خطابه، يوم الخميس الفائت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية