تزايد المخاوف من أن يلقى لبنان مصير غزة… والرئيس الثمانيني يستدرج إيران لحتفها

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ “القدس العربي”: من الهم الفلسطيني إلى شقيقه اللبناني، كتب على المواطن العربي الذي بات لا يملك سوى الدعاء للشعبين الشقيقين، اللذين يتعرضان لخطر وجودي، أن يظل عاجزا عن دعم المناضلين ولو بالهتاف.. يكاد الجنوب اللبناني الذي أهدت له واشنطن القنابل الغبية نفسها زنة الألفي رطل، التي تهطل على اهالي قطاع غزة منذ قرابة العام، يواجه المصير نفسه، حسبما يؤكد مراقبون.. وقد التقى الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين في الخارج، الرئيس الفلسطيني محمود عباس في نيويورك، مؤكدا له دعم مصر الكامل للسلطة الوطنية الفلسطينية في ظل المحاولات الإسرائيلية لتقويض السلطة، مشددا على أن الدولة المصرية ستواصل مساعيها لتحقيق وقف لإطلاق النار في قطاع غزة، وحشد الدعم الدولي للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، ومُتصلة الأراضي على خطوط الرابع من يونيو/حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فضلا عن منح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وأشاد عبد العاطي بحرص الجانب الياباني على التنسيق والتشاور مع مصر والأردن لبحث مستجدات القضية الفلسطينية، وأعرب عن تقدير مصر للموقف الياباني الداعم لحل الدولتين. وجدد وزير الخارجية والهجرة، تأكيده على أن “قضية مياه نهر النيل قضية وجودية ترتبط ارتباطا مباشرا بالأمن القومي المصري”. مشددا على أنه “لا مجال للتهاون أو التنازل أو التساهل بشأنها”. وقال على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن حصة مصر من مياه النيل، والمحددة منذ عام 1959، لا تغطي سوى 60% من احتياجاتها، معقبا: “لا يمكن التفريط في قطرة مياه واحدة، فما نحصل عليه لا يكفي بالكاد 60% من احتياجاتنا السنوية”، وأن الموقف المصري واضح لجميع الأطراف الإقليمية والدولية، موضحا أن الهدف إعادة التأكيد أن مياه النيل هي القضية الوجودية الأولى لمصر. وشدد على أنه: “لا يمكن أن نترك هذه القضية لأهواء أي دولة، لا يمكن التهاون في حقوق دول المصب وفقا للقانون الدولي، وسنواصل تأكيد موقفنا وحشد الدعم الدولي لموقفنا المبدئي والقانوني المشروع للتوصل لاتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل السد، وعدم إحداث أي ضرر لدولتي المصب”.
طالب الإعلامي عمرو أديب، الحكومة، بتقديم توضيح صريح وواضح، بشأن إصابات النزلات المعوية في منطقتي أبو الريش ودراو في محافظة أسوان، بعد أن أعلنت الحكومة أنها ستصدر بيانا خلال 48 ساعة، عقب الانتهاء من صدور نتائج التحاليل. وشدد على ضرورة تقديم إجابة قاطعة حول وجود مشكلة من عدمه، قائلا “بعد 48 ساعة أنا منتظر منكم كلمة يا إما فيه حاجة، يا مفيش حاجة، وأنتم عارفين الناس بتسأل على إيه، وأنا صدقك لو قلت لي مفيش حاجة، أو يا شعب مصر فيه حاجة ومصدرها هذه الجهة، كلامي لا يحتاج إلى شخص ذكي ولا لماح.” وأعرب عن تفهمه لتعامل الحكومة بحساسية مع الموضوع، مشددا على أن سلامة المواطن المصري لها الأولوية.
المطلوب إيران
الهدف الاستراتيجي واضح منذ البداية على حد رأي السفير معصوم مرزوق في “المشهد”: “استدراج إيران في حرب، تتورط فيها أمريكا، كي تتم إزالة العامل الإيراني من جبهة الصراع ضد الكيان الصهيوني، بحيث تخلو المنطقة تماما من أي عوائق أمام تنفيذ غلاة الصهاينة الحدود القصوي لمشروعهم العنصري التوسعي”. ومثلما كان دور “المحافظين الجدد” (الصهاينة الأمريكيين) حاسما في شطب العراق من معادلات المقاومة، فإن اليمين الصهيوني، وسنده في واشنطن، لن يكتمل مشروعهم إلا بشطب آخر دولتين في الشرق الأوسط يمكن أن يمثلا خطرا على الكيان الصهيوني، الدولة الأولى والهدف الحالي هو إيران، إما الدولة الثانية في الترتيب فهي بلا أي شك مصر. الخطة حيال مصر بدأت فور صمت المدافع في خريف 1973، حيث بدأ النظام الصهيوني في اتباع “استراتيجية القضمات”، بالإضعاف المتدرج لمكونات قوة ونفوذ مصر، بما في ذلك قوتها الناعمة، وفي ذلك كان لا بد من ضرب مصر من الداخل، بتقويض مقدراتها الاقتصادية، وارتهان مستقبلها عبر شبكة معقدة من أدوات جهنمية مالية وثقافية ودينية، كي تتحول مصر في النهاية إلى نمر من ورق، حتى تأتي اللحظة المواتية لاستدراجها أيضا في معركة لا تكون فيها جاهزة بعد كل ما اعتراها من ضعف، كي تعيد احتلال سيناء، أو تسترجعها كما يقول بعض المتعصبين الصهاينة الآن بلا خوف من العاقبة.
مصر لاحقا
يبدو أن إيران وفقا للسفير معصوم مرزوق، أدركت أبعاد الاستراتيجية الصهيونية، فاختارت ألا تتورط في حرب واسعة خلال هذه الفترة الضبابية، على أن تواصل تطبيق “استراتيجية القضمات” لإضعاف الكيان الصهيوني وهز هيبته، باستخدام وكلاء إقليميين في لبنان واليمن والعراق وسوريا. إلا أن الصهاينة أدركوا الخطة الفارسية، لذا بدأوا في رفع درجة حرارة المواجهات، من خلال استفزازات عسكرية تعتمد على التفوق النسبي لهم في مجال المعلومات والتجسس والتكنولوجيا، كي تدفع إيران (أو مصر في مرحلة لاحقة) للتورط في معركة نظامية يمتلك فيها الكيان قدرات لا شك فيها، مع مدد لا ينفد من أقوى دولة في العالم. لو نجح التخطيط الصهيوني، فسوف يخيم “الزمن الصهيوني” على منطقة الشرق الأوسط لمدة قرن قبل أن تتوفر أدوات هزيمته، وسوف لا تفلت دولة من دول الشرق الأوسط من الأمطار السوداء القاتلة لذلك الزمن العنصري، الذي يحمل كل مواصفات “الجنون النازي”. ولا سبيل لدول المنطقة لتفادي ذلك المصير الأسود إلا بسرعة ترتيب نظام أمني إقليمي قادر على فرملة هذا الكيان المشوه الذي يهدد مستقبل كل المنطقة، ما يستدعي أساسا البدء فورا في بناء نواة صلبة تجمع كبار هذه المنطقة في القاهرة وطهران وأنقرة، كي تقود المواجهة الحتمية ضد الأطماع الصهيونية التوسعية قبل فوات الأوان.
ضحية العجوز
عقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعطى بايدن نتنياهو تفويضا علنيا مطلقا بمحو غزة من الخريطة وسحق “حماس”، دون أن يبدي كما أخبرنا عبد الله عبد السلام في “الأهرام” رأفة أو رحمة بالمدنيين الذين تجاوز عدد شهدائهم 41 ألفا. الآن يوشك أن يمنحه، ولو بالصمت، تفويضا آخر لتحويل لبنان إلى غزة جديدة. أقلع الرئيس الأمريكي تقريبا عن جهود وقف إطلاق النار في القطاع، واعترف مسؤولون بإدارته بأنه لا اتفاق في ظل رئاسته، وها هو الآن يُقلع أيضا عن مجرد التصريح بأن ما يفعله نتنياهو في لبنان، يجر المنطقة إلى الهاوية. الجنون الإسرائيلي الراهن يستغل حالة الشلل التي تعانيها الإدارة الأمريكية وعدم قدرتها على فعل شيء بالنظر إلى أنها عمليا قائمة بالأعمال، تنتظر انتخابات نوفمبر/تشرين الأول المقبل الرئاسية. لكن القضية أن إسرائيل وبايدن يعتقدان أن الوقت حان للتخلص من حزب الله، ولذلك نظر مسؤولون أمريكيون بإعجاب إلى ما قامت به من تفجير لأجهزة اتصال، وقتل قادة كبار في الحزب. لم يعتبروا ما جرى جريمة حرب، بل كسر أنف المقاومة اللبنانية. ليس غريبا أن يغير نتنياهو تماما قواعد اللعبة ويلغي الخطوط الحمر، بعد أن اطمئن إلى أن واشنطن لن تعترض. لكن نتنياهو الذي يعيش في فقاعة من الغرور والخوف على منصبه، واهم ولن يحقق شيئا. بعد ما يقرب من عام من التدمير والقتل والإبادة، لم ينجح في سحق “حماس”، وأدرك أن النصر الساحق الماحق الذي تحدث عنه مرارا ليس في المتناول، لذلك قرر فتح جبهة جديدة، معتقدا أنه يحول الأنظار عن فشله في غزة ويطيل من أمد الحرب، الضامن الوحيد لبقائه في الحكم. لكن أهدافه لن تتحقق على الأرجح. عودة السكان للمناطق الشمالية الحدودية مع لبنان ليست واردة في ظل الوضع المتفجر. وحتى لو غزا لبنان، فلن يعود السكان، وسيغوص جيش الاحتلال في الأوحال، ويكرر فشله في حربي 1982 و2006. العدوان الراهن على غزة ولبنان له رأسان: نتنياهو المتعطش للدماء والانتقام، وبايدن الصامت، بل المشجع. وهذا هو سجل العار الذي سيتذكره التاريخ به.
أمر مخيف
فى لحظات قِصار، تحولت أجهزة الاتصالات التي يحملها آلاف الأشخاص في أيديهم إلى أدوات قتل. انفجرت محدثة إصابات عديدة، مخلفة عددا من الوفيات، معلنة حال الطوارئ في المستشفيات، مُحقِّقة هزَّة واضحة في دوائر السياسة والحكم، وأجهزة ومؤسسات الدفاع. عملية التفجير من بُعد لها صور متعددة، كما أخبرتنا بسمة عبد العزيز في “الشروق” والإشارات التي يمكن إرسالها والتحكم فيها ليست اختراعا وليد اللحظة، ولا عجب أن تتوفَّر الأدوات اللازمة وإمكانات التنفيذ؛ لأجهزة استخباراتية وعسكرية ذات باع. من الناحية العلمية، يبدو الأمر مُمكنا بل يسيرا؛ لا يقع في إطار الخيال المبهر، ولا يتطلب تقدما تقنيا هائلا أو تفوقا عقليا خارج الحدود المتعارف عليها في الوقت الراهن. الفاعل مَعروف؛ وهو لا يُنكِر ما دبَّر وارتكب، وهؤلاء الأفراد الذين تم استهدافهم يدخلون في دائرة التوقعات الانتقامية والمبادرات الهجومية والاحترازية، ويشاركون ولا شك كأطراف رئيسية في معادلة الفعل ورد الفعل. الحرب جارية لم تتوقف لحظة والمنخرطون فيها محددون شمالا وجنوبا، الحلفاء ظاهرون والأعداء أغلبهم كذلك؛ كيان غاصب لا شرعية لوجوده مدعوم من معظم حكومات الغرب، ومقاومون يدافعون عن وجودهم إزاء اعتداءات متوالية. ما المفزع هذه المرة إذن، ولماذا أحدثت التفجيرات هزَّة كبرى في شتّى الأنحاء؟ لماذا تبدى استهداف الإسرائيليين لمقاتلي حزب الله على هذه الصورة، عملا صادما على المستويين المحلي والدولي؟ ثمة أسباب مفهومة تتعلق بالمباغتة وتوسيع النطاق، وأخرى ذات طبيعة معنوية وأخلاقية. أولا؛ يمكن القول إن تحويل العادي المألوف والآمن أيضا إلى مصدر إيذاء جسيم؛ أمر مخيف، وأن نقل أداة البطش من الرشاش والقنبلة والدبابة أو الطائرة، إلى جهاز محمول قابع في جيب أو حقيبة مواطن ما؛ إنما يمثل هدما مباشرا لعوامل الأمان التقليدية؛ فالمرء يتوقع الأذى من مدفع مصوب ناحيته؛ لكن ذهنه يرتبك ما اختل معيار التمييز.
البداية كانت لعبة
تفخيخ جهاز اتصال واسع الانتشار يدفع بوجه عام وفقا للدكتورة بسمة عبد العزيز، إلى حال من التوجُّس إزاء ممارسات وطقوس معيشية لا حصر لها؛ قد تصبح بين عشية وضحاها مصدرا محتملا للأذى. لا يتعلق الموقف إذن بخطورة الفعل من الناحية المادية الملموسة؛ إنما باستباحة زرع الفزع الدائم في نفوس الأشخاص العاديين؛ من أي جنس وعرق وموطن، وهو ما يستدعى مُساءلة أخلاقية أكيدة؛ حتى إن تراجعت الضوابط الحاكمة على خلفية حروب غير متكافئة ولا مشروعة. ثانيا؛ اختصرت التفجيرات تلك المسافة الكائنة بين المشاهدة وإمكانية المشاركة، وبذا أسقطت الجدار الرابع؛ فالأعين التي استفاقت منذ بداية حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول على جرائم وحشية تجري على مبعدة منها؛ قد استشعرت التهديد المباشر الذي يمكن أن يطالها في لحظة غادرة من حيث لا تحتسب. جاء التهديد مروعا؛ رغم أنه حاضر طيلة الوقت، لا يوجد ما يمنعه من الناحية العملية. تمثل المانع الوحيد فيما جرت به الأعراف سابقا، وما اقتضته بقايا الأصول المرعية التي ظنت الشعوب في فاعليتها؛ وقد انهار هذا المانع وتردى، وكشف عن احتمالات مؤرقة؛ إذ ما من شك في وجود أميال فاصلة بين الممكنات التي يدركها العقل، وحدوثها الفعلي وتجسدها على الأرض. يذكر التاريخ تفخيخ لعب الأطفال، والمعلبات الغذائية، وبعض الأغراض الطبيعية التي لا يحذر الشخص العادي التعامل معها، ولا يسعى للتحقق من سلامتها قبل أن يقترب منها. تسجل الصفحات السود انفجارات في الوجوه والأيدي، سببت تشوهات هائلة وأزهقت عديد الأرواح؛ وإذ يأتي تصنيفها آنذاك كجرائم غير مقبولة؛ فإن حكومات الحقبة الراهنة قادرة لشديد الأسى على استيعاب ما في حكمها، واعتماده كمناورات حربية مشروعة. أخيرا؛ يمكن القول إن جدران الأمان المتوهمة التي اعتقد الناس في قدرتها على حمايتهم، قد تبدت في الأيام الأخيرة رقيقة هشة؛ بل ظهرت فيها صدوع واضحة، تشي بإمكانية وقوعهم ضمن قائمة الضحايا، دون تورط فعلى في معركة قائمة. لا يتعلق الأمر بالقدرة التدميرية التي يمتلكها المعتدي، بل باجترائه على خرق ما استقر في الأذهان من قواعد مُتوافق عليها.
الجريمة دفنت
يوم وراء الآخر تتضخم كرة اللهب التي تجمعت نيرانها عقب تفجير أجهزة «البيجر» و«الووكي توكي» التي كان يستخدمها حزب الله اللبناني، ما أدى إلى مقتل عشرات من عناصره وإصابة آلاف اللبنانيين، ما طرح سؤالا استفهاميا كبيرا سعى طلعت إسماعيل في “الشروق” للبحث عن إجابة له عن مدى الاختراق الإسرائيلي للحزب، الذي باتت قياداته في مرمى نيران عدوه، وهي داخل مخابئها في الضاحية الجنوبية لبيروت. ما جرى يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين من تفجيرات واسعة، فتح أيضا بابا لعشرات التساؤلات عن رحلة وصول أجهزة الاتصالات قديمة الطراز، إلى أيادي وأجساد هؤلاء قبل أن يتم تفجيرها إلكترونيا بالطريقة التي جرت. الاتهام الأول كان لشركة «غولد أبوللو»، ومقرها تايوان، باعتبارها المورد للأجهزة المفخخة، لكنها ألقت المسؤولية على شركة مجرية تحمل ترخيص استخدام علامتها التجارية، ما دفع المجر إلى إجراء تحقيقات في القضية. غير أن الاتهام وجه أيضا إلى شركاء للشركة التايوانية في بلغاريا والنرويج ورومانيا، ما دفع أيضا تلك الدول لإجراء تحقيقات لمعرفة مناشئ تلك الأجهزة القاتلة. لم تستبعد الاتهامات شركة آيكوم اليابانية، لكنها سرعان ما ألقت المسؤولية على سوق المنتجات المقلدة، ورجحت في بيان ألا تكون الأجهزة اللاسلكية التي انفجرت في لبنان من منتجاتها، وقالت إن فحص الأجهزة التي انفجرت سيكون ضروريا للتأكد من أنها ليست من إنتاجها، لكن في ضوء المعلومات المتعددة التي تم الكشف عنها، فإن الاحتمالات ضئيلة للغاية في أن تكون تلك الأجهزة من إنتاجنا، وفق بيانها.
حرب بلا جنود
المفخخات اللاسلكية، التي سارعت الشركات إلى التنصل منها، عكست، حسب طلعت إسماعيل مدى الترابط والتعقيد في ما يعرف بـ«سلاسل التوريد» لبيع وتوزيع هذه الأجهزة التي استوردها حزب الله قبل خمسة أشهر على الأقل من واقعة تفجيرها في أجساد عناصره. وقال خبير في مجال التكنولوجيا يقيم في الصين، إن المنتجات المقلدة منتشرة بشكل كبير، خاصة في مراكز التصنيع الكبرى مثل الصين، لكن هل اخترقت إسرائيل سلاسل التوريد، أم كانت هي نفسها المصنع المباشر لتلك المفخخات، لكن تحت غطاء شركة وهمية؟ السؤال مثار جدل حاليا، والمؤكد أن التفجيرات التي استهدفت عناصر حزب الله، فجرت بدورها حواس العديد من بؤر الرصد والمتابعة في أجهزة الاستخبارات الدولية، بعد أن زرعت صفقة البيجر بذور الشك في التعامل مع شركات بيع الأجهزة التي تستخدم لأغراض أمنية، بل دائرة الشك ربما تمتد إلى الحكومات المختلفة في سوق السلاح. ووفق تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” فإن ما حصل قد يضيف زخما للجهود الأمريكية التي تبذلها واشنطن، لتوطين إنتاج المزيد من التقنيات الاستراتيجية في الداخل، أو من خلال حلفاء موثوقين. الهجوم السيبراني الذي تعرض له حزب الله، في حوار معمق دار بين أحد مسؤولي حلف الناتو وعدد من الصحافيين والدبلوماسيين والأكاديميين المصريين في بروكسل، حول نوايا الحلف في القرن الواحد والعشرين، وقتها استغربت إسهاب هذا المسؤول في الحديث عن الحروب الإلكترونية، وكيف يمكن خوض الحرب بلا جنود، لكن اليوم أصبحت أكثر استيعابا لما طرحه الرجل خلال تلك الجلسة التي جرت في مقر الحلف قبل سبع سنوات.
سؤال مهم
هل صحيح أن بمقدور إسرائيل أن تخوض في وقت واحد حربا موسعة في غزة والضفة الغربية ولبنان، وما يستجد من ردود أفعال تلقائية أخرى؟ مع مراعاة أن القدرة في السؤال، كما أوضح أحمد عبد التواب في “الأهرام” لا تخص إمكانات التسليح المضمون تدفقها من الخارج، وإنما عن أهم البنود الخاصة بالمحاربين الإسرائيليين على هذه الجبهات، وجبهتهم الداخلية. ذلك لأن الأخبار المتداوَلة، التي تتسرب من الرقابة الإسرائيلية الصارِمة، تؤكد أن هذه أسوأ حالة للمحاربين الإسرائيليين ولجبهتهم الداخلية عبر تاريخ حروب إسرائيل، فالإجهاد البدني واضح على المحاربين، يزيده تدهور سوء حالاتهم المعنوية، لأنهم لا يزالون يتعرضون للاستنزاف في غزة، بعد نحو عام من استخدامهم أشد الأسلحة توحشا بالقتل والحصار وتدمير المنشآت، كما أن الرأي العام الإسرائيلي منقسم، لأول مرة أيضا، ليس على مبدأ الحرب، ولكن على تبعاتها، وهو ما تتجلَّى بعض أدلته في تظاهرات ذوي الأسرى ومؤيديهم.. رهان إسرائيل لم يكن على قدرتها العسكرية على مواجهة حزب الله، وإنما على أن الحزب يخشى توسيع المواجهة ويُكَبِّل نفسَه بما يُعرَف بقواعد الاشتباك، وأن عملياته ستظل دائما، كما ظنّ قادة إسرائيل، في حدود ما لا ينتهك عمق إسرائيل. فلما تهورت إسرائيل في التجاوز والاستفزاز، لم يبق أمام الحزب إلا أن يردّ بصواريخ قرب حيفا، لأول مرة منذ حرب 2006 لاحِظ أن هذه الضربة التزمت بالاقتصار على قصف وحدات عسكرية إسرائيلية، ولم تَردّ بالمثل على جرائم إسرائيل ضد المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين. وأخطر ما تلتقطه إسرائيل من هذا أن أمنها صار مهددا بشدة، لأن حزب الله بهذا يعبر الخط الفاصل بين حصر عملياته في حدود إسناد حلفائه في غزة، إلى أن يكون طرفا مشارِكا بالفعل في مواجهة إسرائيل. هذا الارتباك، الذي تعرَّضت له إسرائيل ليلة السبت الماضي، كان نتيجة لـ120 صاروخا فقط أطلقها حزب الله وأصابت أهدافها العسكرية في إسرائيل، في حين تقول مصادر إسرائيلية إن لدى الحزب نحو 150 ألف صاروخ وهو ما يطرح بجدية تساؤلا عن قدرة إسرائيل الآن على التصعيد الذي لا يضمن لها السلامة.
مستهلكون لا غير
الهجوم الساحق ـ في معركة البيجر وتوابعها ـ لجيش «الاحتلال الإسرائيلي»، باستهداف كوادر ومقاتلي حزب الله اللبناني، يفوق حسب محمود زاهر في «الوفد» الخيال العلمي في أفلام هوليوود، بل يتجاوز كل الأساطير والخرافات و«المعجزات» لأفلام «بوليوود» جريمة وحشية، وقف أمامها العالم مشدوها، ليس بسبب عدد الشهداء أو الجرحى، ونوعية العملية ونطاقها الواسع، أو التوقيت المتزامن، وإنما لكونها تمثل منعطفا حادا في شكل الصراع، إيذانا ببدء حرب واسعة وشاملة، أرادها المأزوم نتنياهو، أكثر ما يستوجب التوقف عنده هو تعاظم استخدام التكنولوجيا سلاحا في الهيمنة والاستحواذ والقتل والإفناء. ما حصل مؤخرا في لبنان، يؤكد لنا «عربا ومسلمين»، وجود فجوة تكنولوجية هائلة، وذلك سبب أدعي أن يكون البحث العلمي والتقني في مقدمة أولوياتنا، وعلى رأس اهتماماتنا وتخطيطنا للمستقبل.. فإما أن نمتلك أسباب التقدم العلمي والتقنية المتطورة، أو أن يمتلك مصير حاضرنا ومستقبلنا من يمتلكهما. أصبح مصيرنا المحتوم يعتمد بشكل كامل على النُّزر اليسير من التكنولوجيا المستوردَة، في ظل الحاجة الماسَّة إليها، في مفاصل حياتنا كافة، لتتسع الهوَّة التقنية، بيننا نحن العرب، والعالم المتطور، الذي سلبَ إرادتنا وبات يُملي علينا ما يريد هو، مع أننا لا نعدو كوننا «مستهلكِين» للتكنولوجيا «المسموح بها فقط»، وهي أقل بكثير مما هو موجود لدى صُنَّاعها، ما يجعلنا نشعر بالخيبة على تخلفنا وعجزنا، حين نتباهى بـ«قدراتنا الإلكترونية» و«خدماتنا المتطورة»، فيما نحن بائسون عاجزون في واقع الحال، تحت «الاستعمار الإلكتروني».. لا نملك من «أمرنا الإلكتروني» شيئا. مع الصراعات البشرية وسُنَّة التدافع «باختلاف صورها وأشكالها»، فإن من يمتلك التكنولوجيا وأدواتها، هو الأقرب لامتلاك القرار والسيطرة والتحكم، حيث لم يعد الاستعمار الجديد بأدواته التقليدية، كما كان في السابق، وإنما أصبح تقنيا وتكنولوجيا. بكل أسف، حتى الآن لم تتمكن أي دولة عربية أو إسلامية، من نقل أحدث التكنولوجيا إليها، أو إقامة صناعة تقوم على الابتكار، رغم الثراء الفاحش الذي تتمتع به بلداننا، سواء أكانت بشرية أم ثروات طبيعية، وبالتالي أصبحنا نعيش عصر «التصحر التكنولوجي»، رغم وجود آلاف الكفاءات الفردية والاستثمارات المالية الضخمة في الخارج؟
القانون إياه
الجدل الذي استمر لسنوات حول قضية الحبس الاحتياطي وانتقاله إلى جلسات الحوار الوطني، على مدار عام، ثم أخيرا قرار رئيس الجمهورية بتحويل مخرجات هذا الحوار إلى الحكومة لاتخاذ خطوات عملية بشأنه، بما يعني وفقا لعمرو الشوبكي في “المصري اليوم”، أنه حانت ساعة الحسم وجاء وقت إغلاق هذا الملف. والحقيقة أن قضية الإصلاح السياسي ليست مجرد شعارات وأمنيات طيبة ولا كلام كبير عن الدولة المدنية الديمقراطية، إنما ستبدأ باتخاذ خطوات تدريجية نحو الإصلاح، في ملفات تحمل قدرا كبيرا من التوافق المجتمعي ولا تعتبرها الدولة تهديدا لها حتى لو تحفظ عليها البعض، ورفضها البعض الآخر، وقبلها البعض الثالث، فالمهم التوافق على الجوهر والتقدم خطوة نحو عملية إصلاحية تدريجية وحقيقية. ولا توجد قضية نالت مثل هذا التوافق مثلما هو الحال بالنسبة لقضية الحبس الاحتياطي، فهناك ترحيب بضرورة حلها من قبل المؤيدين والمعارضين، كما أن هناك توافقا من قبل شخصيات عامة ومحامين كبار من كل الاتجاهات على ضرورة تقليص فترة الحبس الاحتياطي من عامين إلى ثلاثة أعوام أو 6 أشهر، وبحث بدائل أخرى غير السجن لكل من تقتض أولويات التحقيق بقاءه تحت الملاحقة الأمنية، بأن يمنع من السفر أو يبقى رهن الإقامة الجبرية، كما يجب أن يعوض من ثبت أنه حبس ظلما دون أن يرتكب أي جرم. ورغم أن الحوار الوطني فتح الباب أمام آراء متعددة لتعبر عن نفسها بشكل علني، وطرحت أفكارا كثيرة تتعلق بالإصلاح السياسي والاقتصادي، وتعديل بعض القوانين المنظمة للعملية الانتخابية والسياسية، إلى جانب قضية الحبس الاحتياطي، إلا أن كل هذه الأفكار لم تترجم في حيز الواقع ولم تنفذ حتى الآن، خاصة ما يتعلق بتعديل قانون الحبس الاحتياطي وقانون الانتخابات البرلمانية والمحليات وغيرها. مطلوب تغيير المسطرة التي حكمت حركة البلاد عقب التهديدات الوجودية التي تعرض لها الشعب المصري في 2013 ودفعت الكثيرين إلى تبرير فرض قيود على المجال العام، وكان الخوف من هذه التهديدات سببا في التمسك بقانون الحبس الاحتياطي لمدة فاقت العشر سنوات، رغم تغيير الظروف واختفاء التهديدات القديمة المتعلقة بالإرهاب، وصارت هناك تهديدات جديدة تتعلق بمحاربة الفساد وسوء الأداء وضمان المشاركة السياسية الآمنة وتعديل قانون الحبس الاحتياطي الذي بات مصدر ضرر للجميع. مطلوب التطبيق العملى لشعار دولة القانون والمؤسسات، والبدء في إعطاء مساحات حقيقية لظهور أكثر من وسيط سياسي بين الدولة والشعب.
كلاهما مأساة
صقور السياسة لا يتشابهون، مثلهم في ذلك مثل حمائمها، ويجب ألا يغيب عن أذهاننا ولو للحظة واحدة أن المشروع السياسي لدولة ما، ومصالحها الاستراتيجية، أكبر من صقور تلك الدولة وحمائمها، والثوابت أكبر من الأفراد، والصقور والحمائم يقومون حسبما لفت بلال الدوي في “الوطن” بتنفيذ ما يتفق مع المشروع السياسي العام للدولة. الصقور والحمائم يشتركون في سعيهم لتحقيق أهداف معينة حتى إن كانت متطرفة، لكنهم يختلفون فقط في وسيلة تحقيقها، والتجربة أكدت أن الحمائم قد لا يقلون تطرفا عن الصقور، بغض النظر عن الأسلوب المتبع لتحقيق الهدف، وأمامنا الصورة واضحة، بالنظر إلى قادة الكيان الإسرائيلي المحتل، فهناك لا يقل الحمائم «الإصلاحيون» تطرفا وشراسة عن الصقور أو «المحافظين»، لأن التطرف في أصل الفكر الصهيوني نفسه. والسياسة كلعبة – إن جاز التعبير- تحكمها موازين القوى، ويكتنفها الكثير من الغموض، ولذلك فإن هذا التصنيف التقليدي لا يمكن البناء عليه لاستخلاص نتائج، أو توقع تصرفات بعينها في أي قضية. والمؤكد أن الرئيس الأمريكي القادم، سواء هاريس أو ترامب، سيلتزم طوعا أو جبرا بسياسات موضوعة سلفا بواسطة جهات سيادية كالبنتاغون وجهاز الاستخبارات، ويمكنه فقط -فى بعض القضايا – المفاضلة بين عدة بدائل لا يمكنه اختيار غيرها. في دول أوروبا الغربية نفسها، خرجت التقارير حول موقف الرئيس الأمريكي القادم من بعض القضايا المشتركة، بداية من الحرب الروسية – الأوكرانية، ومدى استمرار التزام أمريكا بأمن أوروبا، وصولا لاحتمالات نزع فتيل الخلاف التجاري عبر الأطلسي فيما يتعلق بإنتاج المعادن الحيوية، والصناعات الصديقة للبيئة والسيارات الكهربائية. وفى عالمنا العربي، خرجت التحليلات مرتبطة بطبيعة الحال، بموقف كلا المرشحين من الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ومن منهما سيساند إسرائيل، ومن سيدعم حل الدولتين. والحقيقة الثابتة أن هذا الصراع سيظل محكوما بموازين القوى على الأرض، والحل لن يبدأ قبل حل الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية بين فصائل المقاومة، وقدرة العرب على فرض إرادتهم السياسية. قضايانا المصيرية يجب ألا تكون رهنا لإرادة هذا الصقر ترامب، أو تلك الحمامة هاريس، ومصر -على سبيل المثال- صاحبة أكثر من تجربة حية مع الولايات المتحدة الأمريكية، أكدت من خلالها أن الإرادة السياسية هي الحاسمة في نهاية المطاف.
الحقيقة والشائعات
الحملات التي انطلقت من زوايا ومنصات مجهولة حول الوضع الصحي في أسوان كانت حسب أكرم القصاص في “اليوم السابع” تكرارا لحملات سابقة تستغل حدثا صغيرا لتحوله إلى كارثة، فقد ظهرت بالفعل حالات قيء وإسهال، في بعض المستشفيات، وهي حالات تتكرر في كل الأوقات ويتم التعامل معها من خلال أجهزة وزارة الصحة، ومعروف أن نظام الصحة الوقائية في مصر يعمل على مدى عقود بكفاءة، لكن ما جرى هو أن كثيرا من اللجان والمنصات تحركت وأشاعت وجود الكوليرا، بل ظهرت فيديوهات مجهولة تزعم تلوث نهر النيل، ووجود كوليرا من السودان، رغم أن النيل لا علاقة له بنقل العدوى. والحقيقة أن أهالي أسوان أنفسهم أول من انتبه إلى خطر اتساع دوائر الشائعات التي يمكن أن تؤثر على موسم سياحي يبدأ الآن، وحسنا فعل أهالينا في أسوان بوعيهم، وخرج عشرات من أهالي أسوان يؤكدون زيف الشائعات، وأن الحالات التي ظهرت تم التعامل معها، أهالي أسوان انتبهوا إلى أن هناك حملة خبيثة لخلط الأوراق وإشاعة الرعب لتخويف السياح القادمين، وخرجوا في فيديوهات من مناطق مختلفة ليؤكدوا سلامة المياه، والأمر لا يحتمل الإنكار في حالة ظهور أمراض أو أوبئة، هناك إنذار مبكر في كل مكان، والأمر لا يحتمل التهوين أو التهويل. وهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي نكشف فيها عن حالة تعمد لإثارة الفزع، وهو إفزاع يضر بالاقتصاد والسياحة، بل إنه يضر مباشرة بمصالح أهالي أسوان والأقصر، الذين ينتظرون موسما سياحيا يبدأ مع الخريف ويمتد حتى نهاية الشتاء، وبالتالي فإن الحملات والتريندات وفيديوهات قديمة، أو في مناسبات وأماكن مختلفة تشير إلى وجود تخطيط ما لدى منصات وجهات اعتادت أن تمارس الطريقة نفسها وتنتظر نتائج مختلفة، تستغل حالات مرضية  لمضاعفة القلق وإشاعة الارتباك. وزير الصحة عقد مؤتمرا صحافيا أعلن فيه كل التفاصيل بالأرقام، وما حدث بالفعل أن الحالات التي توفيت لا علاقة لها بحالات القيء والإسهال، وأن هناك 168 حالة احتاجت العلاج من نزلات معوية، وأن أجهزة الرصد في وزارة الصحة أفادت بوجود 8 حالات تعاني من نزلات معوية في مستشفى دراو، و22 حالة في منطقة أبو الريش، وأن إجمالي الحالات التي ترددت على المستشفيات تعاني من نزلات معوية منذ ظهور هذه الحالات في أسوان حوالي 480 حالة، والتردد بمعنى أنه ذهب إلى المستشفيات والطوارئ لرصد الشكاوى وتناول العلاج وهذه كانت أعراضا بسيطة. الوزير أكد بالفعل أن الدولة لا تخفي أي شيء في تعاملها مع الحالات المرضية في أسوان، وأن الأمر تجري متابعته بشكل دائم. والحقيقة أن الشائعات بالفعل تجاوزت كل المنطق، لكنها كالعادة وفي سياق مواقع التواصل وجدت من يعيد النشر والشير، من دون أن يعرف أو ربما يعرف أن ما يتم هو إضرار وإفزاع للناس، وخطر يهدد «أكل عيش الناس» في أسوان، خاصة أن الشائعات تعلقت بنهر النيل، وهو أمر يتنافى مع المنطق ويضاعف من خوف الناس، بينما الأمر يخضع لتفاصيل وضوابط، وأن المياه لا تحمل العدوى، ثم إن مياه الشرب لها نظام والمحطات تستخدم مراحل للتنقية والتطهير. وبالتالى فالتحرك السريع مهم، وأيضا وعي أهالي أسوان كان مهما في مواجهة حملة هدفها الإفزاع وليس مصلحة الناس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية