إن رغبت أن تتذكّر شيئا ما، سطرا أو جملة أو فكرة، من إحدى قصص علي جازو، ينبغي لك أن تكون قد حفظته غيبا. إن فعلت غير ذلك، كأن تستعيد ما قرأته عما جرى في يوم العطلة، وهي إحدى هذه القصص، تكون كمن فرط حبات المسبحة، ولن يتمكن من أن يعود لنظمها من جديد. ذاك لأن كل شيء ينبغي أن يظلّ كما كُتب، أي أن يظل الفتى الذي صفع أخاه، كما وُصف بكونه «صغير الفم». لكن لماذا هذا التفصيل، طالما أنه عابر ولن يُرجَع إليه ولن تجري العودة إليه في تفصيل لاحق. أما الولد الآخر الذي ذهب إلى أبيه طالبا عونه وغضبه، فلم يسمع إلا جوابا قاله ذاك الأب لزوجته، لا لإبنه الشاكي،»أنا ذاهب أشتري ربطتي خبز».
لا يردّ أحد على أحد في قصة «يوم عطلة» التي لا يفيض عدد كلماتها عن الصفحة الواحدة، شأن أكثر قصص المجموعة. فمثلما جرى للطفل جرى أيضا للأم التي سألت زوجها قبل خروجه لشراء الخبز: «أنت مريض؟» ولم تسمع منه جوابا. ورغم ظهورها القليل في القصة، بل الأقل من القليل، إلا أنها كانت الأكثر حضورا بين الآخرين إذ لم يتعدّ بقاء الفتى صغير الفم المدة التي استغرقتها الصفعة، ولم يوصف الولد المصفوع بأكثر من ذلك. ثم إن رجلا آخر يحضر، لكن فقط لتغوص رجله في طين الطريق. وعند نهاية القصة يركض ولد (آخر) حاملا العشرين ليرة، التي سرقها من أمه، فيما يصدر من ميكروفون الجامع خبر عن جزدان ضائع فيه تسعة آلاف ليرة، هكذا في قضية أخرى.
من هذه الإلماحات المقطّعة، من تلك الحركات التي لا يزيد إلا قليلا عن الصور الفوتوغرافية، يصنع علي جازو يوم عطلة كاملا. ليس هناك من صخب ولا ازدحام، إذ أننا في يوم عطلة، لكن ما أراده الكاتب هو أن يُسمعنا صوت ذاك اليوم «الخاص» أن يجعلنا نشم رائحة اختلافه عن البارحة. لا يحبّ علي جازو أن يرى العالم كبيرا، ولا أن تكون اللغة صاخبة والمشاعر عنيفة. شخصياته يُسعدها القليل إلى حد أن الفتاة الشقراء ذات الثلاثة عشر عاما، اكتفت بلمسة واهنة على الباب معوّضة بها عن رغبتها في الخروج. وها هي تستعيد ذلك بعد أن أحضرت الطعام لوالدها المتعب من قضائه النهار في عمله «حيث أخذت تتأمل الأثر اللامرئي الذي تركته (على الباب) لمستها السرية».
وفي قصة عنوانها «إشارة قصيرة» يتذكر الكاتب في اتجاهين متقابلين ما نخمّن أنه حبّه الأول، ذاك الذي لم يحصل فيه إلا لقاء النظرة بالنظرة: كانا سائرين في اتجاهين متقابلين، «وإذ تقلّصت مسافة النظر، رنت إليّ، ثم تجاوز أحدنا الآخر». لم يدم أثر تلك النظرة خمسة أيام فقط، كما يقول العاشق الصغير فقط، بل هي بقيت حاضرة حتى كتبها قصة في مجموعته، أي إلى حين صار رجلا، أي علي جازو الذي نعرفه. في آخر هذه القصة الصغيرة يكتب «ولم أزل مخمورا باقتناء أبديّ لنظرة قصيرة تبادلها كائنا صمت وحيدان».
أما «السيد ذو النظارة السميكة» المحدّق في لوحة ليسبر نبض الحياة العميق في رجل وامرأة مرسومين فيها، أراحه بعد اللوحة ما قرأه في كتاب عن اعتبار «الفراغ شكلا من أشكال الامتلاء غير المرئي». أحب ما قرأه، لكنه أثقل عليه لا بد، إذ أغلق عينيه بعد ذلك مريحا نفسه من التجريد الذي قرأه.
في إحدى القصص الأخرى «طعام وصمت ومراقبة» يلام الفتى المتبطّل القاعد بلا عمل يفيد الناس، وهو، المؤثر سكينته على الضجيج المنبعث من سعي البشر القاسي يجيب بما يُفحم: «ثمة أناس- وهم قساة ذوو جسارة غريبة- لا يرون في جهد التخيّل عملا قطّ». لكن رغم كل ذلك لا تتوقّف القصص عن صبغ الأشياء بالألوان الكامنة في عمق مادة الأشياء وأصلها. وهي تبدأ انبهارها بالألوان من القصة الأولى «صباحات السكاكر الملوّنة» انطلاقا من الأبيض الذي تلامس حبّاته السكرية ملمس الهواء الخشن، وتلك الحمراء الفاتحة المدببة السطح، والزرقاء بلون سماء خريفية رطبة. اللون يستدعي الشكل والملمس والانتشاء بالرؤية. الألوان حاضرة بقوة في الكثير من القصص، لكن غالبا ما يخمدها وصفها. وها هو الكاتب يُجري ذلك على الوردة حين يكتب: «تدرّج لون الوردة بين بنفسجي داكن وزرقة باردة في خضرة تشبه الهمس الوئيد».
مولع بالألوان، وها هو يقول، معرّفا بنفسه، أو ببعض نفسه: «أنا كردي، أنا عبد الألوان». لكنه، رغم ذلك، يظهر عن عدم قدرة على تحمّل قوّتَها.
«قصص بحجم حبة كرز» مجموعة قصصية لعلي جازو صدرت عن «خان الجنوب» في 104 صفحات لسنة 2024.
كاتب لبناني